طَربتُ وذُو الحِلم قَد يَطرَبُ
الشاعر: الشمردل بن شريك · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر الشمردل بن شريك، من العصر الأموي، وتقع في 66 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
طَربتُ وذُو الحِلم قَد يَطرَبُ ... وليسَ لعَهد الصّبا مَطلَبُ
خلا واسط وكأن لم يكن ... به منزلُ الحي والرَّبربُ
قياماً تَفادَين فوق الكثيب ... تــــداعــــى بــــه بُــــدَّنٌ كُعّبُ
ثقالُ الروادفِ نُحلُ العيون ... لهُــــنَّ فؤادك مُستَصحَبُ
وأسرَع في البَين قيلُ الوشاة ... ولا يقدُمُ الناسَ من يَشغَبُ
ولا يلبث الدهرُ ذا سَلوةٍ ... تراوَحه الشرقُ والمَغرِبُ
وَمــــرُّ الليــــالي وأيــــامُهــــا ... وبَــــــدء الحـــــوادثِ والعُـــــقَّبُ
وكم من نعيمٍ ومن عَبرةٍ ... تــــقــــضَّى إلى أجلٍ يكتَبُ
فإن يك صحبُك لم يَربَعُوا ... وقــــالوا تَــــرحُّلــــُنا أصوبُ
فودّع سليمة إن الفؤاد ... غدا عن زيارتها أخيبُ
وما رحتُ حتى تولى النهار ... وقال صحابي ألا تركبُ
فرُحتُ وفي الصَّدر من بينها ... كصَدعِ الزُّجاجة لا يُشعَبُ
فويلُ امِّها خلَّةٌ لو تدوم ... على ما تقول ولا تكذبُ
ولكــــنَّ أكــــثر موعودِها ... كـــــبَـــــرق ألاحَ بــــه الخُــــلّبُ
من البيضِ لم تُوذِ جاراتها ... ولم يكُ فيهم لنا نيربُ
ولم يفزع الحيُّ من صَوتها ... أمامَ بيوتهمُ تَصخَبُ
قطوفٌ تهادَى إذا أعنقت ... كما يطأُ المُوعِثَ المُتعَبُ
كــــأنّ عُــــلالةَ أنيابها ... شَمولٌ بماء الصَّفا تُقطَبُ
كُميتٌ لسَورتِها نفحَةٌ ... كرائحة المسكِ أو أطيبُ
تــــزيــــدُ الجوَاد إلى جُوده ... ويَفتُرُ عنها وما يَنصَبُ
وتُصعِدُ لذّتَها في العظام ... إذا خالطت عقلَ من يشربُ
وقد جُلبَت لك من أرضها ... سليمةُ والوصلُ قد يُجلبُ
على حينَ وَلَّى مِرَاحُ الشباب ... وكــــادَت صَــــبابتُه تَذهبُ
فــــلمــــا رَأت أنّ فــــي صَــــدره ... من الوجد فوق الذي يَحسبُ
أدَلّت لِتقتُلهُ بالعتاب ... فكاد على عقلهِ يُغلَبُ
ونحن على نزوات العتاب ... كلانا بصَاحبه مُعجَبُ
إذا جئتُ قالت تَجَنَّينَنَا ... وكَيف زيارةُ من يُرقَبُ
بهجر سليمةَ مَرَّ السنيحُ ... فلم تدرِ ما قال إذ يَنعَبُ
وماذا عليك إذا فارَقت ... أصاحَ الغرابُ أم الثعلبُ
فيا حاجة القلب لما استوى ... ظلاماً بأحداجها المنقَبُ
وأدلجت الشمسُ يحدو القطين ... بها ليلةَ اندفع الموكبُ
يُضئ سناها رِقاقُ الثياب ... فلا الوجه أحوى ولا مُغرَبُ
سَرت بالسُّعُود إلى أن بدا ... لها القاع فالحزمُ فالمذنبُ
فما دُرَّةٌ تُتَوافى النّجارُ ... إلى غــــائصٍ عــــنــــدَه تُطلَبُ
رمى صَدفيها بأجرامِه ... كما انقضَّ بازلَهُ مَرقَبُ
بأحسنَ منها ولا مَغزلٌ ... أطاعَ لها المَكرُ والحُلَّبُ
بسفحٍ مَجودٍ قَلاهُ الخريفُ ... مــــن الدّلو سَادَيةٌ تَهضبُ
وظلماء جشّمتا سيرَها ... ولم يبدُ فيها لنا كوكَبُ
وهـــــاجـــــرةٍ صــــادقٍ جَــــرُّهــــا ... تَكادُ الثيابُ بها تلهب
كأنّ الجرابيَّ من شمسِها ... تَــــلوَّحُ بالنارِ أو تُصلَبُ
ورقّاصةِ الآلِ فوق الحِدابِ ... يَظَلُّ السّرابُ بها يَلعَبُ
وتــــحــــتَ قــــنــــودي زيّافةٌ ... خنوفٌ إذا صخبَ الجندُبُ
جُماليّةُ الخَلق مضبورة ... على مثلها يُقطع السَّبسبُ
وخَودٌ إذا القومُ قالوا ارفعوا ... ضربنَ وحالت وما تضربُ
كأنّ قُتُودي وأَنساعَها ... تــــضــــمــــنهن وأي أحقبُ
مُــــــرِنٌّ يُــــــحـــــاذرُ رَوعـــــاتِهِ ... سَماحيجُ مثلُ القَنا شُزّبُ
إذا امتنعت بعد أطهارها ... فلا الطوع تُعطى ولا تَغضَبُ
رَعى ورعينَ حديق الرياض ... إلى أن تــــجرَّمَتِ العَقربُ
وهــــاجَــــت بَــــوارحُ ذكّــــرنــــه ... مناهلَ كان بها يَشربُ
فظلّت إلى الشمس خوص العيون ... تُناجي أيخفض أم يقربُ
فبيتن عيناً من الجمجمان ... تــــنازعَها طُرُفٌ نيسبُ
بها ساهر الليل عارى العظام ... عــــرى لحــــمــــه أنــــه يــــدأبُ
قليل السوام سوى نبلِهِ ... وقــــوسٌ لهــــا وَتــــرٌ مــــجــــذَبُ
فلما شَرَعن رمى واتقى ... بسهم ثنى حدَّه الأثأبُ
فَحِصنَ فثار على رأسهِ ... من القاع مُعتَبَط أصهبُ
فكادَ بحَسرَة ما فاتَهُ ... يُجَنُّ من الوجد أو يُكلَبُ
فإن يك لوني علاه الشحوبُ ... فإنَّ أخا الهمّ من يَشحَبُ
وقد عجمتني شِدادُ الأمورِ ... فلا أستكينُ إذا أَنَكُبُ
لئن أبدتِ الحربُ أنيابَها ... وقـــــامَ لهـــــا ذائدٌ مُــــرهــــبُ
وما زال عندي ذو هيئةٍ ... حُسامٌ أصولُ به مقضَبُ
من القَلعيات لا مُحدَثٌ ... كــــليــــلٌ ولا طَــــبــــعٌ أجــــربُ
تَلّذُ اليمين انتضاءً به ... إذا الغمدُ عن متنه يُسلبُ
أعاذل إني رأيتُ الفتى ... إذا مات بالبخل لا يُندبُ
ولو كنتُ قُطبَةَ أو مثلَه ... ذُممتُ ولم يَبقَ ما أَكسِبُ
تَــــراهُ يُــــحــــارِش أصــــحــــابَه ... قِياماً كما احترش الا كلبُ
على معظم أيهم ناله ... فذلك فيهم هو المُترِبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الكثيب: ثيب: الثَّيِّبُ مِنَ النساءِ: الَّتِي تَزَوّجَتْ وفارَقَتْ زَوْجَها بأَيِّ وجْهٍ كَانَ بَعْدَ أَنْ مَسَّها. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: امرأَةٌ ثَيِّبٌ كَانَتْ ذاتَ زَوْج ثُمَّ ماتَ عَنْهَا زوجُها، أَو طُلِّقت ثُمَّ رجَعَتْ … (لسان العرب)
- بدن: بدن: بَدَنُ الإِنسان: جسدُه. والبدنُ مِنَ الجسدِ: مَا سِوَى الرأْس والشَّوَى، وَقِيلَ: هُوَ العضوُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، وَخَصَّ مَرّةً بِهِ أَعضاءَ الجَزور، وَالْجَمْعُ أَبْدانٌ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: إِنها لحَسنةُ الأَبدان … (لسان العرب)
- تراوحه: روح: الرِّيحُ: نَسِيم الْهَوَاءِ، وَكَذَلِكَ نَسيم كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ؛ هُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فَعْلٌ، وَهُوَ عِنْدَ أَبي الْحَسَنِ فِعْل … (لسان العرب)
- تفادين: فأد: فأَد الْخُبْزَةَ فِي المَلَّة يَفْأَدُها فَأْداً: شَوَاهَا. وَفِي التَّهْذِيبِ: فأَدْتُ الخُبْزَةَ إِذا مَلَلْتَها وخَبَزْتَها فِي المَلَّةِ. والفَئِيدُ: مَا شُوِيَ وخُبِزَ عَلَى النَّارِ. وإِذا شُوِيَ اللحمُ فَوْقَ … (لسان العرب)
- ثقال: ثقل: الثِّقَل: نَقِيضُ الخِفَّة. والثِّقَل: مَصْدَرُ الثَّقِيل، تَقُولُ: ثَقُلَ الشيءُ ثِقَلًا وثَقَالَة، فَهُوَ ثَقِيل، وَالْجَمْعُ ثِقالٌ. والثِّقَل: رُجْحَانُ الثَّقِيل. والثِّقْل: الحِمْل الثَّقِيل، وَالْجَمْعُ أَثْق … (لسان العرب)
- طربت: طرب: الطَّرَبُ: الفَرَح والحُزْنُ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وَقِيلَ: الطَّرَبُ خِفَّةٌ تَعْتَري عِنْدَ شدَّة الفَرَح أَو الحُزن وَالْهَمِّ. وَقِيلَ: حُلُولُ الفَرَح وذهابُ الحُزن؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الْهَمِّ: سَأَ … (لسان العرب)