من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
الشمردل بن شريك
وقال الشمردل بن شريك اليربوعي:
بانَ الخليطُ فأدلجوا بسوادِوأجدَّ بينهمُ على ميعادِ
لما بدا وهجُ السمومِ وعارضتهيفُ الجنوبِ أوائلَ الأورادِ
وتصوبت سورُ الإخاذِ وذكرتبالعدِّ من هو بالتنوفةِ بادِ
وجرى السرابُ على الأماعزِ بعدماخبَّ السفا بظواهرِ الأسنادِ
كرهوا الرواحَ فقوضوا بأصيلةٍودعا برائحةِ الجمالُ منادي
بجوازيءٍ كصفا الأسيلِ تربعتمستنَّ أوليةٍ وصوبَ عهادِ
في سامقٍ غردِ الذبابِ ترى لهُصحناً بكلِّ قرارةٍ ووهادِ
حتى إذا عفتِ السحوجُ وغمهانيُّ الكلي ومواضعُ الأقتادِ
طارت عقايقها وقد علقَ السفاخدماً بجلتها من الأقيادِ
وسعى القطينُ فصافحت برؤوسهاخدرُ الأزمةِ أيديَ الأوغادِ
وعرفنَ عادتهنَّ ثمَّ منعنهامن كبرياءِ بهنَّ غير شرادِ
جنى إذا علقت أزمتها البرىراجعنَ دلَّ نجابةٍ وقيادِ
غلبُ الرقابِ كأنَّ هامُ رؤوسهامن فوقِ أعينها مقابرُ عادِ
من كلِّ مختلفِ الشؤونِ مفرجٍصعقِ الشباةِ يهمُّ بالإيعادِ
وكسينَ من ربذِ الأشلةِ زينةًحينَ استبانَ من الصباحِ هوادي
ثمَّ استقلَّ منعماتٌ كالدمىشمسُ العتابِ قليلةُ الأحقادِ
كذبُ المواعدِ لا يزالُ أخو الصبامنهنَّ بينَ مودةٍ وبعادِ
حتى ينالَ حبالهنَّ تخلباًعقلَ الشريدِ وهنَّ غيرُ شرادِ
والحبُّ يعطفُ بعدَ هجرٍ بينناوبهيجُ مغتبطاً لغيرِ تعادِ
كالحائماتِ يرينَ شرباً دونهُرصدُ الشريعةِ والقلوبُ صوادي
ولقد نظرتَ وردَّ نظرتك الهوىبكثيبِ تلعةَ والقلوبُ صوادي
والآلُ يتضعُ الحدابَ وتغتليبزلُ الجمالِ إذا تشنعَ حادي
كالزنبريِّ تقاذفتهُ لجةٌيصدعنها بكلاكلٍ وهوادي
في موجِ ذي حدبٍ كأنَّ سفينهُدونَ السماءِ على ذرى أطوادِ
إنا لننفعُ من أردنا نفعهُويخافُ صولتنا الذين نعادي
والموتُ يولعُ كلَّ يومِ وقيعةٍمنا بأهلِ سماحةٍ وذيادِ
أمثالِ عقبةَ والعلاءِ وعامرٍوالسجفِ غير مغمرَّ وزيادِ
كانوا إذا نهلَ القنا بأكفهمسلبوا السيوفَ أعالي الأغمادِ
فتيانُ مكرمةٍ وشيبٌ سادةٌمثرونَ ليسَ بحورهم بثمادِ
وهمُ الحماةُ إذا النساءُ استعبرتِوالمطعمونَ عشيةَ الصرادِ
ولقد علمتُ ولو مضوا لسبيلهموأطالَ ذكرهمُ ضميرُ فؤادي
إنَّ المصابَ وإن تلبثَ بعدهُكرواحِ مرتحلٍ وآخرَ غادي
وقال أيضاً:
طربتُ وذو الحلمِ قدِ يطربُوليسَ لعهدِ الصبا مطلبُ
خلا واسطٌ وكأن لم يكنبهِ منزلُ الحيَّ والربربُ
قياماً تفادينَ فوقَ الكثيبتداعى بهِ بدنٌ كعبُ
ثقالُ الروادفِ نجلُ العيونِلهنَّ فؤادك مستصحبُ
وأسرعَ في البينِ قيلُ الوشاةِولا يعدمُ الناسَ من يشغبُ
ولا يلبثُ الدهرُ ذا سلوةٍتراوحهُ الشرقُ والمغربُ
ومرُّ الليالي وأيامهاوبدءُ الحوادثِ والعقبُ
وكم من نعيمٍ ومن عبرةٍتقضى إلى أجلٍ يكتبُ
فإن يكُ صحبكَ لم يربعواوقالوا ترحلنا أصوبُ
فودع سليمةَ إنَّ الفؤادَغداً عن زيارتها أجنبُ
وما رحتُ حتى تولى النهارُوقال صحابي ألا تركبُ
فرحتُ وفي الصدرِ من بينهاكصدعِ الزجاجةٍ لا يشعبُ
فويلُ امها خلةً لو تدومُعلى ما تقولُ ولا تكذبُ
ولكنَّ أكثرَ موعودهاكبرقٍ ألاحَ بهِ الخلبُ
من البيضِ لم توذِ جاراتهاولم يك فيهم لنا نيربُ
ولم يفزعِ الحيُّ من صوتهاأمامَ بيوتهم تصخبُ
قطوفٌ تهادى إذا أعنقتكما يطأُ الموعثَ المتعبُ
كأنَّ علالةَ أنيابهاشمولٌ بماءِ الصفا تقطبُ
كميتٌ لسورتها نفحةٌكرائحةِ المسكِ أو أطيبُ
تزيدُ الجوادَ إلى جودهويفترُ عنها وما ينصبُ
وتصعدُ لذتها في العظامِإذا خالطت عقلَ من يشربُ
وقد جلبت لكَ من أرضهاسليمةُ والوصلُ قد يجلبُ
على حينَ ولى مراحُ الشبابِوكادت صبابتهُ تذهبُ
فلما رأت أنَّ في صدرهِمن الوجدِ فوقَ الذي يحسبُ
أدلت لتقتلهُ بالعتابِفكادَ على عقلهِ يغلبُ
ونحنُ على نزواتِ العتابِكلانا بصاحبهِ معجبُ
إذا جئتُ قالت تجنبنناوكيفَ زيادةُ من يرقبُ
بهجرِ سليمة مرَّ السنيحُفلم تدرِ ما قالَ إذ ينعبُ
وماذا عليكَ إذا فارقتأصاحَ الغرابُ أمِ الثعلبُ
فيا حاجةَ القلب لما استوىظلاماً بأحداجها المنقبُ
وأدلجتِ الشمسُ يحدُ القطينُبها ليلةَ اندفعَ الموكبُ
يضيءُ سناها رقاقَ الثيابِفلا الوجهُ أحوى ولا مغربُ
سرت بالسعودِ إلى أن بدالها القاعُ فالحزمُ فالمذنبُ
فما درةٌ تتوافى التجارُإلى غايصٍ عندهُ تطلبُ
رمى صدفيها بأجرامهِكما انقضَّ بازلهُ مرقبُ
بأحسنَ منها ولا مغزلٌأطاعَ لها المكرُ والحلبُ
بسفحٍ مجودٍ ولاهُ الخريفُمنَ الدلوِ ساريةٌ تهضبُ
وظلماءَ جشمتنا سيرهاولم يبدُ فيها لنا كوكبُ
وهاجرةٍ صادقٍ حرهاتكادُ الثيابُ بها تلهبُ
كأنَّ الحرابيَّ من شمسهاتلوحُ بالنارِ أو تصلبُ
ورقاصةِ الآلِ فوقَ الحدابِيظلُّ السرابُ بها يلعبُ
وتحتَ قتوديَ زيافةٌخنوفٌ إذا صخبَ الجندبُ
جماليةُ الخلقِ مضبورةٌعلى مثلها يقطعُ السبسبُ
وخودٌ إذا القومُ قالوا ارفعواضربنَ وجالت وما تضربُ
كأنَّ قتودي وأنساعهاتضمنهنَّ وأي أحقبُ
مرنٌّ يحاذرُ روعاتهِسماحيجُ مثلُ القنا شزبُ
إذا امتنعت بعدَ أطهارهافلا الطوعَ تعطي ولا تغضبُ
رعى ورعينَ حديقَ الرياضِإلى أن تجرمتِ العقربُ
وهاجت بوارحُ ذكرنهُمناهلَ كانَ بها يشربُ
فظلت إلى الشمسِ خوصَ العيونِتناجي أيخفضُ أمِ يقربُ
فبيتنَ عيناً من الجمجمانِتنازعها طرقٌ نيسبُ
بها ساهرُ الليلِ عاري العظامِعرى لحمهُ أنهُ يدأبُ
قليلُ السوامِ سوى نبلهِوقوسٌ لها وترٌ مجذبُ
فلما شرعنَ رمى واتقىبسهمٍ ثنى حدهُ الأثأبُ
فحصنَ فثارَ على رأسهِمن القاعِ معتبطٌ أصهبُ
فكادَ بحسرةِ ما فاتهُيجنُّ من الوجدِ أو يكلبُ
فإن يكُ لوني علاهُ الشحوبَفإنَّ أخا الهمِّ من يشحبُ
وقد عجمتني شدادُ الأمورِفلا أستكينُ إذا أنكبُ
لئن أبدتِ الحربُ أنيابهاوقامَ لها ذائدٌ مرهبُ
وما زالَ عندي ذو هيئةِحسامٌ أصولُ بهِ مقضبُ
من القلعياتِ لا محدثٌكليلٌ ولا طبعٌ أجربُ
تلذُّ اليمينُ انتضاءً بهِإذا الغمدُ عن متنهِ يسلبُ
أعاذلَ إني رأيتُ الفتىإذا ماتَ بالبخلِ لا يندبُ
ولو كنتُ قطبةَ أو مثلهُذممتُ ولم يبقَ ما أكسبُ
تراهُ يحارشُ أصحابهُقياماً كما احترشَ الأكلبُ
على معظمٍ أيهم نالهُفذلكِ فيهم هو المتربُ
وقال الشمردل أيضاً يرثى أخاه وائلاً:
لعمري لإن غالت أخي دارُ فرقةٍوآبَ إلينا سيفهُ ورواحلهْ
وحلت بهِ أثقالنا الأرضُ وانتهىبمثواهُ منها وهو عفٌّ منازلهْ
لقد ضمنت جلدَ التقى كان يتقىبهِ جانبُ الثغرِ المخوفِ زلازلهْ
وصولٌ إذا استغنى وإن كانَ مقتراًمن المالِ لم يحفِ الصديقَ مسايلهْ
هضومٌ لأيتامِ الشتاءِ كأنمايراهُ الحيا أيتامهُ وأراملهْ
رخيصُ نضيج القدرِ يغلي بنيئهِإذا بردت عندَ الصلاءِ أناملهْ
أقولُ وقد رجمتُ عنهُ وأسرعتإليَّ بأخبارِ اليقين محاصلهْ
إلى اللهِ أشكو لا إلى الناسِ فقدهُولوعةَ حزنٍ أوجعَ القلبَ داخلهْ
وتحقيقَ رؤيا في المنامِ رأيتهافكانَ أخي رمحي ترفضَ عاملهْ
سقى جدثاً أعرافُ غمرةَ دونهُبهضبةَ كتمانِ الربيعِ ووابلهْ
بمثوى غريبٍ ليسَ منا مزارهُبدانٍ ولاذو الودِّ منا يواصلهْ
إذا ما أتى يومٌ من الدهرِ بيننافحياكَ عنا شرقهُ وأصائلهْ
وكلُّ سنا صبحٍ أضاءَ ومغربٍمن الشمسِ وافى جنحَ ليلٍ أوائلهْ
تحيةَ من أدى الرسالةَ حييتإلينا ولم ترجع بشيءٍ رسائلهْ
أبى الصبرُ أنَّ العينَ بعدك لم يزليخالطُ جفنيها قذى ما تزايلهْ
تبرضَ بعدَ الجهدِ من عبراتهابقيةُ دمعٍ شجوها لكَ باذلهْ
وكنتُ أعيرُ الدمعَ قبلك من بكىفأنت على من ماتَ بعدك شاغلهْ
تذكرني هيفُ الجنوبِ ومنتهىنسيم الصبا رميساً عليهِ جنادلهْ
وهاتفةٌ فوقَ الغصونِ تفجعتلفقدِ حمامٍ أفردتها حبائلهْ
منَ الورقِ بالأصيافِ نواحةُ الضحىإذا الغرقدُ التفت عليهِ غياطلهْ
وسورةُ أيدي القومِ إذ حلتِ الحبىحبى الشيبِ واستعوى أخا الحلم جاهلهْ
فعينيَّ إذ أبكاكما الدهرُ فابكيالمن نصرهُ قد بانَ عنا ونائلهْ
وإن ما نحت عينا حزينٍ فما نحاعليهِ لبذلٍ أو لخصمٍ يجادلهْ
أخي لا بخيلٌ في الحياةِ بمالهِعليَّ ولا مستبطأ الفرضِ خاذلهْ
أقامَ حميداً بينَ تثليثَ دارهُوبيشةَ لا يبعد أخي وشمائلهْ
وتهجيرهُ بالقومِ بعدَ كلالهمإذا اجلوذَ الخمسَ البعيدَ مناهلهْ
على مثل جونيِّ العطاشِ من القطاتجاهدَ لما أفزعتهُ أجادلهْ
وشعثٍ يظنونَ الظنونَ سما بهملنائي الصوى يثني الضعيفَ تهاولهْ
بخرقٍ من الموماةِ قودٍ رعانهُيكادُ إذا أضحى تجولُ مواثلهْ
تشبهُ حسراهُ القراقيرَ يرتميبها ذو حدابٍ يضربُ البيدَ ساحلهْ
إذا النشزُ فوقَ الآلِ ظل كأنهُقرى فرسٍ يغشى الآجلة كاهلهْ
وسدمٍ سقى منها الخوامسَ بعدماضرحنَ الحصى حتى توقدَ جائلهْ
إذا استعبرت عوذُ النساءِ وشمرتمآزرَ يومٍ لا توارى خلاخلهْ
وثقنَ بهِ عندَ الحفيظةِ فارعوىإلى صوتهِ جاراتهُ وحلائلهْ
إلى ذائدٍ في الحربِ لم يكُ خاملاًإذا عاذَ بالسيفِ المجردِ حاملهْ
كما ذادَ عن عريسةِ الغيلِ مخدرٌيخافُ الردى ركبانهُ وأراجلهْ
فما كنتُ أرى لامرئٍ عندَ موطنٍأخاً بأخي لو كانَ حياً أبادلهْ
وكنتُ بهِ أخشى القتالَ فعزنيعليهِ من المقدارِ ما لا أقاتلهْ
لعمركَ إنَّ الموتَ منا لمولعٌبمن كان يرجى نفعهُ ونوافلهْ
فما البعدُ إلاَّ أننا بعدَ صحبةٍكأن لم نبايت وائلاً ونقابلهْ
سقى الضفراتِ الغيثُ ما كانَ ثاوياًبهنَّ وجادت تستهلُّ هواطلهْ
وما بي حبَّ الأرضِ إلاَّ جوارهاصداهُ وقولٌ ظنَّ أني قائلهْ
وقال الشمردل أيضاً:
إنَّ الخليطَ أجدَّ منكَ بكوراوترى المحاذرَ بالفراقِ جديرا
صرموا حبالكَ فاتضعتِ لحاجةٍتبكي الحزينَ وتترحُ المحبورا
بالقنفذين غداةَ لو كلمتنادهقانُ ما كتمَ الفؤادُ ضميرا
لما تخايلَ غدوةً أترابهارفعنَ فوقَ ذرى الجمالِ خدورا
رحلت هوادجهنَّ كلُّ ربحلةٍقامت تهاونُ خلقها الممكورا
صمتُ الخلاخل في رواءِ خدلةٍبيضٍ تقلُّ روادفاً وخصورا
سلمنَ قبلَ وداعهنَّ لغربةٍورعى الهوى بقراً أوانسَ حورا
دارَ الجميع بروضةِ الخيلِ اسلميوسقيتِ مرتجزَ العشيِّ مطيرا
ولقد أرى بك حاضراً ذا غبطةٍإذ لا أخافُ على الشقاقِ أميرا
يا أمَّ نجدةَ لو رأيتِ مطينابعدَ الكرى ومناخهنَّ هجيرا
لرأيتِ جائلةَ الغروضِ وفتيةًوقعت كلاكلها بهم تغويرا
من كلِّ يعملةِ النجاءِ شملةٍقوداءَ يملأ نحرها التصديرا
ترمي النجادَ بمقلتي متوجسٍلهقٍ تروحَ ناشطاً مذعورا
أمسى بمحنيةٍ يحكُّ بروقهِحقفاً يهيلُ ترابهُ المحدورا
من صوبِ ساريةٍ كأنَّ بمتنهِمنها الجمانُ ولؤلؤاً منشورا
طالت عليهِ وباتَ من نفحِ الصباوجلاً يوقرُ جأشهُ توفيرا
حتى غدا حبقاً وحققَ ذعرهُعاري الأشاجع ما يزالُ ضريرا
يشلي قوانصَ من كلابِ محاربٍطلساً يجلنَ إذا سمعنَ صفيرا
حاذرنَ شدةَ محصفٍ ذي شرةٍحاضرنهُ فوجدنهُ محضيرا
حتى ارعوى لحميةٍ لحقتِ بهِوالكبرياءُ يشيعُ المكثورا
ينهسنَ كاذتهُ ويمنعُ لحمهُطعنٌ يصيبُ فرائصاً ونحورا
قالت حبابةُ ما لجسمكَ ناحلاًوكساكَ منزلةِ الشبابِ قتيرا
والجفنُ ينحلُ ثمَّ يوجدُ نصلهُعندَ الضريبةِ صارماً مأثورا
هلاَّ سألتِ إذا اللقاحُ تروحتهدجاً وراحَ قريعها مقرورا
ألاَّ أحفَّ على الدخانِ ولا أرىسبلَ السماحةِ يا حبابَ وعورا
إني لأبذلُ للبخيلِ إذا اعترىمالي وأتركُ مالهُ موفورا
وإذا طلبتُ ثوابَ ما آتيتهُفكفى بذاكَ لسائلي تذكيرا
فذرا عتابي كلما صبحتماعذالتي لتقصدا وتجورا
وإذا رشادُ الأمرِ صارَ إليكمافتربصا بي أن أقولَ أشيرا
وقال أيضاً:
بانَ الخليطُ بحبلِ الودِّ فانطلقواوزيلَ البينُ من تهوى ومن تمقُ
ليتَ المقيمُ مكانَ الظاعنين وقدتدنو الظنونَ وينأى من بهِ تثقُ
وما استحالوا عن الدارِ التي تركواعني كأنَّ فؤادي طائرٌ علقُ
وفي الخدورِ مهاً لما رأينَ لنانحواً سوى نحوهنَّ أغرورقَ الحدقُ
أريننا أعيناً نجلاً مدامعهادافعنَ كلَّ دوى أمسى بهِ رمقُ
بموطنٍ يتقى بعضَ الكلامِ بهِوبعضهُ من غشاشِ البينِ مسترقُ
ثم استمروا يشقونَ السرابَ ضحىكأنهم نخلُ شطي دجلةَ السحقُ
فما رأيتُ كما تفري الحداةُ بهمولا كنظرةِ عينٍ جفنها غرقُ
إذا أقولُ لهم قد حانَ منزلهموضرجَ البزلَ من أعطافها العرقُ
حثوا نجائبَ تلوي من خزايمهاجذبَ الأزمةِ في أزرارها الحلقُ
من كلِّ أشحجَ نهاضٍ تخالُ بهِجناً يخالطهُ من سومهِ عنقُ
يغتالُ نسعي وضينِ الخدرِ محزمهمساندٌ شدَّ منهُ الدايُ والطبقُ
رحبُ الفروجِ إذا ما رجلهُ لحقتسيراً بمائرةٍ في عضدها دفقُ
حتى إذا صحرت شمسُ النهارِ وقدأفضى الجبيلُ وزالَ الحزمُ والنسقُ
تورعوا بعدما طال الحزيزُ بهموكادَ ضاحي ملاءِ القزِّ يحترقُ
وفيهم صورٌ ما بذها أحدٌمنَ الملوكِ وما تجري بهِ السوقُ
من كلِّ ميالةٍ خرسٍ خلاخلهالأياً تقومُ وبعدَ اللأي تنتطقُ
تسقي البشامَ ندىً يجري على بردٍما في مراكزهِ جذُّ ولا ورقُ
غرثى لوشاحِ صموتِ الحجل ما انصرفتإلاَّ تضوعَ منها العنبرُ العبقُ
كالشمسِ يوم سعودٍ أو مرشحةٍبالأسحمينِ دعاها توأمٌ خرقُ
حيِّ الديارَ التي كانت مساكنناقفراً بها لرياحِ الصيفِ مخترقُ
وكلُّ مهتزمٍ راحَ الشمالُ بهِتكشفَ الخيلِ في أقرابها بلقُ
فاستقبلتهُ الصبا تهدي أوائلهُفاستكرهَ السهلَ منهُ وابلٌ بعقُ
وما توهمُ من سفعٍ بمنزلةٍحالفنَ ملتبداً يعرى وينسحقُ
تعيرهُ الريحُ طوراً ثمَّ ترجعهُكما استعيرَ رداءُ اليمنةِ الخلقُ
وقد يكونُ الجميعُ الصالحونَ بهاحتى إذا اصفرَّ بعدَ الخضرة الورقُ
شقَّ العصا بينهم من غيرِ نائرةٍمستجذبٌ لم يغطهُ خافضٌ أنقُ
كأنَّ فصحَ النصارى كان موعدهمهذا مقيمٌ وهذا ظاعنٌ قلقُ
يا أمَّ حربٍ برى جسمي وشييبنيمرُّ الخطوبِ التي تبري وتعترقُ
ونامَ صحبي واحتمت لعادتهابالكوفةِ العينُ حتى طالَ ذا الأرقُ
أرعى الثريا تقودُ التالياتِ معاًكما تتابعَ خلفَ الموكبِ الرفقُ
معارضاتٍ سهيلاً وهو معترضٌكأنهُ شاةُ رملٍ مفردٍ لهقُ
قلبي ثلاثةُ أثلاثٍ لباديةٍوحاضرٍ وأسيرٍ دونهُ غلقُ
لكلهم من فؤادي شعبةٌ قسمتفشفني الهمُّ والأحزانُ والشفقُ
إن يجمعِ اللهُ شعباً بعدَ فرقتهِفقد تريعُ إلى مقدارها الفرقُ
وإن يخنا زمانٌ لا نعاتبهُفقد أرانا وما في عظمنا رققُ
يخشى العدوَّ ولا يرجو ظلامتناإذا تفرعَ حكمُ المجلسِ الرهقُ
ونكرمُ الضيفَ يغشانا بمنزلةٍتحتَ الجليدِ إذا ما استنشقَ المرقُ
نبيتُ نلحفهُ طوراً ونغبقهُشحمَ القرى وقراحُ الماءِ يغتبقُ
إذ هيجت قزعاً تحدوهُ نافجةٌكأنما الغيمُ في صرادها الخرقُ
وقد علمتُ وإن خفَّ الذي بيديإنَّ السماحةَ مني والندى خلقُ
ولا يؤنبُ أضيافي إذا نزلواولا يكونُ خليلي الفاحشُ النزقُ
ولو شهدتِ مقامي بالحسامِ علىرأسِ المسناةِ حيثُ استبتِ الفرقُ
إذن لسركَ إقدامي محافظةًبالسيفِ صلتاً وداجي الليلِ مطرقُ
إذ قلتُ للنفسِ عودي بعدَ ما جشأتوما ازدهاني بذاكَ الموطنِ الفرقُ
وما استكنتَ إلى ما كانَ من ألمٍوقد يهونُ ضربَ الأذرعِ الحنقُ
حتى انجلى الروعُ في ظلماءَ داجيةٍما كادَ آخرها للصبحِ ينفرقُ
وقال الشمردل أيضاً:
أأنكرتَ أطلالَ الرسومِ وقد ترىبها غانياتٌ دلهنَّ وثيقُ
يقارفننا بالودِّ نحفي فريقهُومنهُ بأظلالِ الأراكِ فريقُ
وما أنصفت ذلفاءُ أما دنوهافهجرٌ وأما نأيها فيشوقُ
تباعدُ ممن واصلت وكأنهالآخرَ ممن لا تودُّ صديقُ
لقد علمَ المستودعُ السرَّ أننيستورٌ لهُ صدري عليهِ شفيقُ
وأني امرؤٌ تعتادني أريحيةٌبمالي إن حلت عليهِ حقوقُ
إذا العزبُ اجتابَ الدخانَ وأصبحتبليلاً وأمسى الغيمُ وهو رقيقُ
فإن أنجحَ الواشي وأصبحَ بينناوبينكِ مغبرُّ الفجاجِ معيقُ
فجادكِ وسميٌّ كأنَّ ربابهُقطارُ عباديٍّ عليهِ وسوقُ
هزيمٌ إذا حلت عزاليهُ الصبايرى لبناتِ الماءِ فيهِ نغيقُ
وظلمةِ ليلٍ دونَ ذلفاءَ قستهاإذا لم يكن للطلمساءِ فتوقُ
بأعيسَ من حرِّ المهارى يزينهُنجارٌ كلونِ الأخدريِّ عتيقُ
لقوداءَ شملالِ السرى قاعَ فوقهابهِ من قرومِ الناعجاتِ فنيقُ
ترى الصلبَ منهُ والضلوعَ كأنهاسقائفُ ساجٍ سمرهنَّ وثيقُ
لدى شعشعانٍ في الزمامِ يقودهُخريعٌ كسبتِ الموسميِّ خفوقُ
يرنُّ الحصى من وقعهِ ثم ترتميبهِ يسراتٌ رجعهنَّ رشيقُ
تقاذفَ قرقورِ الصراري أجملتبهِ نيرجٌ تحدو الجهامَ خريقُ
مللتُ لهُ طولَ الثواءِ وقد ثوىثلاثَ ليالٍ في الوثاقِ يتوقُ
يردُّ الجبينُ بالجرانِ كأنهُإذا قامَ جذعٌ من أوالَ سحوقُ
ونادى منادٍ بالأذانِ وقد غدابرحلي موارُ اليدين خليقُ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى ارتمت بهِمنَ القورِ بينَ المكرعاتِ طريقُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع