من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
عبيد بن أيوب
وقال عبيد بن أيوب العنبري وهو من اللصوص:
لقد خفتُ حتى لو تمرُّ حمامةٌلقلتُ عدوُّ أو طليعةُ معشرِ
وخفتُ خليلي ذا الصفاءِ ورابنيوقيلَ فلانٌ أو فلانةُ فاحذرِ
فأصبحتُ كالوحشيِّ يتبعُ ما خلاويتركُ مأنوسَ البلادِ المدعثرِ
إذا قيلَ خيرٌ قلتُ هذي خديعةٌوإن قيلَ شرٌّ قلتُ حقُّ فشمرِ
كتبت هذه القطعة لحسنها ولم تدخل في الأخبار.
وقال أيضاً:
أراني وذئبَ القفرِ خدنينِ بعدماتدانا كلانا يشمئزُّ ويذعرُ
إذا ما عوى جاوبتُ سجعَ عوائهِبترنيمٍ محزونٍ يموتُ وينشرُ
تذللتهُ حتى دنا وألفتهُوأمكنني لو أنني كنتُ أغدرُ
ولكنني لم يأتمني صاحبٌفيرتابَ بي ما دامَ لا يتغيرُ
وللهِ درُّ الغولِ أيُّ رفيقةٍلصاحبِ قفرٍ خائفٍ يتقترُ
تغنت بلحنٍ بعدَ لحنٍ وأوقدتحواليَّ نيراناً تبوخُ وتزهرُ
أنستُ لها لما بدت وألفتهاوحتى دنت واللهُ بالغيبِ أبصرُ
فلما رأت ألاَّ أهالَ وأننيوقورٌ إذا طار الجنانُ المطيرُ
دنت بعدَ ذاكَ الروعُ حتى ألفتهاوصافيتها واللهُ بالغيبِ أخبرُ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةًترنُّ إذا ما رعتها وتزمجرُ
تزمجرُ غيري أحرقوها بضرةٍفباتت لها تحتَ الخباءِ تذمرُ
لها فتيةٌ ماضونَ حيثُ رمت بهمشرابهمُ غالٍ من الجوفِ أحمرُ
إذا افتقرت راشتهمُ بغناهمُعطاءً لهم حتى صفا ما يكدرُ
ألمَّ خيالٌ من أميمةَ طارقٌوقد تليت من آخرِ الليلِ غبرُ
فيا فرحاً للمدلجِ الزائرِ الذيأتاني في ربطاته يتبخترُ
فثرتُ وقلبي مقصدٌ للذي بهِوعينيَّ أحياناً تجمُّ فتغمرُ
إلى ناعجٍ أما أعالي عظامهِفشمٌّ وسفلاها على الأرضِ تمهرُ
فقلتُ لهُ قولاً وحادثتُ شدهُبأعوادٍ ميسٍ نقشهنَّ محبرُ
أيا جملي إن أنتَ زرتَ بلادهابرحلي وأجلادي فأنتَ محررُ
وهل جملٌ مجتابُ ما حالَ دونهامن الأرضِ أو ريحٌ تروحُ وتبكرُ
وكيفَ ترجيها وقد حالَ دونهامن الأرضِ مخشيُّ التنائفِ مذعرُ
وأنتَ طريدٌ مستسرٌّ بقفرةٍمراراً وأحياناً تصبُّ فتظهرُ
فيا ليتَ شعري هل يعودنَّ مربعٌوقيظٌ بأكنافِ الظليفِ ومحضرُ
أقاتلتي بطالةٌ عامريةٌبأردانها مسكٌ ذكيٌّ وعنبرُ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
كأن لم أقد سبحانكَ اللهُ فتيةًلندفعَ ضيماً أو لوصلٍ نواصلهْ
على علسياتٍ كأنَّ هويهاهويَّ القطا الكدري نشت ثمائلهْ
وفارقتهم والدهرُ موقفُ فرقةٍعواقبهُ دار البلى وأوائلهْ
وأصبحتُ مثلَ السهمِ في قعرِ جعبةٍنضيا فضاً قد طالَ فيها قلاقلهْ
وأصبحتُ ترميني العدى عن جماعةٍعلى ذاكَ رامٍ من بدت لي مقاتلهْ
فمنهم عدوٌّ لي مخالٍ مكاشحٍوآخرُ لي تحتَ العضاهِ حبائلهْ
وعاديةٌ تعدو عليَّ كثيبةٌلها سلفٌ لا ينذرُ القتلَ قاتلهْ
فناشدتهم باللهِ حتى أظلنيمن الموتِ ظلٌّ قد علتني عواملهْ
فلما التقينا لم يزل من عديدهمصريعٌ هواءٌ للترابِ جحافلهْ
ولو كنتُ لا أخشى سوى فردِ معشرٍلقرَّ فؤادي واطمأنت بلابلهْ
وسرتُ بأوطاني وصرتُ كأننيكصاحبِ ثقلٍ حطَّ عنهُ مثاقلهْ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةًلها ربذيٌّ لم تثلم معابلهْ
وطالَ احتضاني السيفَ حتى كأنهُيناطُ بجلدي جفنه وحمائلهْ
وجربتُ قلبي فهو ماضٍ مشيعٌقليلٌ لخلانِ الصفاءِ غوائلهْ
وساخرةٍ مني ولكن تبينتشمائل بسامٍ عجالٍ رواحلهْ
قليلُ رقادِ العينِ تراكُ بلدةٍإلى جوزِ أخرى لا تبنُّ منازلهْ
على مثلِ جفنِ السيفِ يرفعُ آلهُمصاصاتُ عتقٍ وهو طاوٍ ثمائلهْ
ووادٍ مخوفٍ لا تسارُ فجاجهُبركبٍ ولا تمشي لديهِ أراجلهْ
به الأسدُ والأسباد من علقت بهِفقد ثكلتهُ عندَ ذاكَ ثواكلهْ
تباشرنَ بي لما برزتُ لعادةٍتعودتها والعادُ جمُّ خوابلهْ
فقلتُ تنكبنَ الطريقَ لمختطٍأخي شقةٍ غولٍ على من ينازلهْ
فكلمتُ من لم يدرِ ما عربيةٌومن عاشَ في لحمِ الأنيسِ أشابلهْ
فلما التقينا خامَ منهنَّ خائمٌوآخرُ ذو طيرٍ تحومُ حواجلهْ
فما رمتُ جوفِ الغيلِ حتى ألفتهُوأعجبني أسرابهُ ومداخلهْ
فإني وبغضي الإنسَ من بعدِ حبهاونأييَ ممن كنتُ ما إن أزايلهْ
لكالصقرِ جلى بعدما صادَ فتيةًقديراً ومشوياً ترفُّ خرادلهْ
أهابوا به فازداد بعداً وهاجهُعلى النأيِ يوماً طلُّ دجنٍ ووابلهْ
أزاهدةٌ فيَّ الأخلاءُ أن رأتفتى مطرداً قد أسلمتهُ تبائلهْ
وقد تزهدُ الفتيانُ في السيفِ لم يكنكهاماً ولم تعمل بغشٍ صياقلهْ
فلا تعترض في الأمرِ تكفى شؤونهُولا تنصحن إلاَّ لمن هو قابلهْ
ولا تخذلِ المولى إذا ما ملمةٌألمت ونازل في الوغى من ينازلهْ
ولا تحرم المرءَ الكريمَ فإنهُأخوكَ ولا تدري لعلكَ سائلهْ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
ليت الذي سخرت مني ومن جمليذاقت كما ذقتُ من خوفٍ وأسفارِ
ومن طلابٍ وطلابٍ ذوي حنقٍيرمونَ نحويَ من غيظٍ بأبصارِ
إما تريني وسربالي يطيرُ كماطارت عقيقةُ قرمٍ غيرِ خوارِ
إن يقتلوني فآجالُ الكماةِ كماخبرتِ قتلٌ وما بالقتلِ من عارِ
وإن نجوتُ لوقتٍ غيرهِ فعسىوكلُّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدارِ
يا ربِّ قد حلفَ الأعداءُ واجتهدواأيمانهم أنني من ساكنِ النارِ
أيحلفونَ على عمياءَ ويحهمُما علمهم بعظيمِ العفوِ غفارِ
إني لأرجو من الرحمنِ مغفرةًومنةً من قوامِ الدينِ جبارِ
وما أخافُ هلاكاً بين عفوهماوما يفوتهما المستوهلُ الساري
إليهما منهما أنجو على وجلٍكما نجا خائفٌ خاشٍ لآثاري
أنا الغلامُ عتيقُ اللهِ مبتهلٌبتوبةٍ بعدَ إحلاءٍ وإمرارِ
خليتُ بابات جهلٍ كنتُ أتبعهاكما يودعُ سفرُ عرصةَ الدارِ
إني لأعلمُ أني سوفَ يتركنيصحبي رهينةُ تربٍ بينَ أحجارِ
فرداً برابيةٍ أو وسطَ مقبرةٍتسفي عليَّ رياحُ البارحِ الذاري
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع