ترقب سنا الوادي الكريم المقدس
الشاعر: شهاب الدين الخلوف · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر شهاب الدين الخلوف، من العصر المملوكي، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ترقب سنا الوادي الكريم المقدس ... وإن لاح فاخلع نعل خوفك والمس
ومزّق جلابيب الغنى عنه واتزر ... بمئزر محتاج لجدواه مفلس
وكن عبد رق ذل في عز حبه ... تناجى على طور عزيز مقدس
ومحق دجى الأغبار من كل قاطع ... تحف بأنوار الجليل المقدس
ومرغ على وجه الثرى خدك الذي ... حوى الدمع في أخدوده جري كنس
ويمم حمى المحبوب وأقدم بذلة ... على ربا كيما ترقي خير مجلس
وأذن بحج العقل كعبة رشده ... بلبيك يا داعي الراشد أنس أنس
وشيد جدار الدين وارفع مناره ... وأسس على التقوى بناك وهندس
وغلس فعند الصبح يبتهج السرى ... وهل يشهد الإصلاح غير المغلس
وسفر جواري الفكر في أبحر الهدى ... لتري في مرسى الأمان المطلمس
ورض أعــــوجــــيّ النــــفــــس والهــــوى ... وسارع إلى مرضات خالق الأنفس
وصن دوحة الأوقات واحرث بقاعها ... وسلسل بها نهر العبادة وأغرس
ونق ثراها من قتاد عيوبها ... وخطر لها من قاطع الشغل واحرس
وعاقب واراقب واكشف كل غاية ... بدايتها تقفوه بردف مؤسس
ووجه لوجه الحق وجه مقصر ... وطهر بماء الحق رجس التوسوس
ومرر قضايا الصدق في كل منطق ... فتأتي ببرهان من الحق أقبس
وراع اتباع الحق في كل لحظة ... ولاحظ علاه عند كل تنفس
وغب عنك تشهدوا بفضل منك تتصل ... ومت فيك تجبى واطرح النفس ترأس
ونول من استعطاك واستزر من نأى ... وكاف على المعروف وأحسن لمن يس
ورتل كلام الله وأنس بذكره ... فإن كلام الله أجمل مؤنس
ووجه إلى المختار أنفس مدحة ... فمدح رسول الله أنفس أنفس
رسول دعا للحق بالحق فاهتدى ... مــــنيب وولى كل باغ مرجس
تقدم قبل القبل معنى حديثه ... وأصبح بعد البعد سر التأنس
بمولده الأكوان هامت وأشرقت ... قصور ببصري في ظلام معسعس
وشقّ له إيوان كسرى مهابة ... وشيد به ركن المليك المقوقس
وغاض له الوادي ارتياعا كما انطفت ... بأنواره نيران كسرى التمجس
وقام به المعنى اصطفاء لنه ... هو الجوهر الصافي الذي لم يدنس
وصــــيــــره مــــولاه مظهر سره ... وصوره من فائض النور المقدس
وصــــاغ به الأكوان ثم لأجله ... يرى ما حوته من فصيح وأخرس
وشــــرفــــه وضــــعــــا ورفــــع قــــدره ... على الفلك الأعلى المحيط بالأطلس
وأسرى به ليلا من المسجد النقي ... إلى المسجد الأقصى الشريف المهندس
وأم بـــــــأمـــــــلاك الإله ورســــــله ... لدى مشهد جم كريم مؤنس
ومنه ارتقى المعراج في حفظ ربه ... وأشهده أسرار معنى القدس
وناداه يا عبدي تمتع برؤية ... أرتك جميل الذات بالحسن مكسى
فأنت مرادي فيك أودعت حكمتي ... فمن شاء فليؤمن ومن شاء يلبس
فلولاك لم أبرز عرائس حكمة ... تتوج بالمعنى وبالسر تكتسي
ولولاك ما زنت السماء بأنجم ... ولم ألبس الأرضين أثواب سندس
ولولاك لم أبد الوجود بآسره ... على مقتضى الحال البديع المؤنس
خلقتك من نوري وفيك أبنت ما ... أردته فأنت السر في كل أنفس
هو النقطة الأولى التي امتد خطها ... فمدت بها أشكال وضع مهندس
هو الشمس لا والله بل منه أشرقت ... ولولا سماه ما محت كل حندس
هو الروض بل أزكى ولولاه ما بدت ... محاسنه للناظر المتفرّس
هو الغيث بل أندى ولولاه ما جرت ... دموع غيروم في محاجر نرجس
هو الليث بل أعدى ولولاه ما سمت ... مــــسارح آرام بصوله عنبس
هو النجم الساري هو الصبح للهدى ... هو الغيث للعافي هو الغوث للنسي
هو الشافع المقبول إن ضجت الورى ... من الموقف الضنك الشديد المعبس
إمام هدى لولا احتراس الهدى به ... من الزيغ لم يحفظ علاه ويحرس
علقت بحبل منه فاعتز جانبي ... وآمنت من كبد العدو الموسوس
ألم ترني صيرت جودك مديحه ... شعارا ينسي كل سهم مقرطس
ولم لا أوقــــى كل هول ومدحه ... مدامي نقلي وادكاري ومؤنسي
وهل هو إلا نور عيني ومهجتي ... وسر وجودي والمعد لمرمسي
فيا أنس أفكاري وإنسان ناظري ... ويا روح جثماني وروح تنفس
ومن دينه فرض على كل مبصر ... ومن حبه حتم على كل كيس
ويا من أياديه ومعنى حديثه ... قلائد أعناق وريحان أنفس
قصدتك ذا ذنب وأنت مشفع ... فكن شافعي من موبقات تدنسي
وخذ بيدي إن زلت الرجل واحمنى ... بجاهك من خطب الزمان المعكس
فأنت ملاذي إن تضعضع جانبي ... لمــــائل وزر كــــالح الوجه أطلس
وأنت الذي أرجو وحاشاك يا فتى ... أخيّب من غيم كثير التجسس
فكن لي كما أرجو فلست بسائل ... إذا كنت لي هل يحسن الدهر أو يسي
وها أنا قد صيرت مدحك حجة ... لأدلي بها عند السؤال المنكس
عسى حاكم التعديل يقبل حجتي ... فأصبح عدلا بعد فرط تدلس
ويسجن حصم الذنب في سجن محوه ... وأبرا منه بعد ذاك التدنس
فيا ربه يا الله يا سامع الدعا ... ويا ملجأ العاني ويا مرتجى المسمي
ويا كنز محتاج ويا أمن خائف ... ويا بشر محزون ويا أنس مؤنس
ومــــن بــــعــــود للمــــقام وزمزم ... وزورة طه الأفضل البر الأرأس
وسدد طريق ابن الخلوف وجازه ... بوابل حود هامل متبجّس
ويسّر أموري وأوف ديني ونجّني ... من النار وارفع في علا عدن مجلس
ووفق وسامح واكشف الضر واستجب ... فأنت عمادي في حياتي ومؤنسي
وكن لأمير المؤمنين وصن به ... حمى الدين من غارات أهل التمجس
وكن لوليّ العهد يا برّ آكسه ... بفضلك في الدارين أجمل ملبس
وعامل جميع جميع المسلمي وعج على ... شيوخي بعفو مستبد محبس
ولا تخز آبائي وأهلي وجيرتي ... بعزة يعقوب وحرمة يونس
ول على المختار ما ناح طائر ... على أغصن لدن المعاطف ميس
وعترته والصحب ما ألبس الحيا ... عرائس روض الزهر أثواب سندس
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المقدس: قدس: التَّقْدِيسُ: تَنْزِيهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وَفِي التَّهْذِيبِ: القُدْسُ تَنْزِيهُ اللَّه تَعَالَى، وَهُوَ المتَقَدِّس القُدُّوس المُقَدَّس. وَيُقَالُ: القَدُّوس فَعُّول مِنَ القُدْس، وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَكَانَ … (لسان العرب)
- بمئزر: مزر: المِزْرُ: الأَصل. والمزرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْحُبُوبِ، وَقِيلَ: نَبِيذُ الذُّرَة خاصَّة. غَيْرُهُ: المِزْر ضَرْبٌ مِنَ الأَشربة. وَذَكَرَ أَبو عُبَيْدٍ: أَن ابْنَ عُمَرَ قَدْ فَسَّرَ الأَنبذة فَقَ … (لسان العرب)
- تحف: تحف: التُّحْفةُ: الطُرْفةُ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الرَّياحين. والتُّحْفَةُ: مَا أَتْحَفْتَ بِهِ الرجلَ مِنَ البِرِّ واللُّطْف والنَّغَص، وَكَذَلِكَ التُّحَفَة، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْجَمْعُ تُحَفٌ، وَقَدْ أَ … (لسان العرب)
- ترقب: رقب: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الرَّقِيبُ: وَهُوَ الحافظُ الَّذِي لَا يَغيبُ عَنْهُ شيءٌ؛ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: ارْقُبُوا مُحَمَّداً فِي أَهل بَيْتِهِ أَي احفَظُوه فِيهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَ … (لسان العرب)
- خوفك: خوف: الخَوْفُ: الفَزَعُ، خافَه يَخَافُه خَوْفاً وخِيفَةً ومَخَافةً. قَالَ اللَّيْثُ: خَافَ يَخَافُ خَوْفاً، وَإِنَّمَا صَارَتِ الْوَاوُ أَلفاً فِي يَخَافُ لأَنه عَلَى بِنَاءِ عمِلَ يَعْمَلُ، فَاسْتَثْقَلُوا الْوَاوَ فأَل … (لسان العرب)