أضرم الوجد في الحشاشة نارا
الشاعر: شهاب الدين الخلوف · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر شهاب الدين الخلوف، من العصر المملوكي، وتقع في 350 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أضرم الوجد في الحشاشة نارا ... إذ رأى الدمع في المحاجر فارا
وسرى النوم عن أعيني بليل ... حين قالوا صد الحبيب وسارا
سار عني وما وجدت اصطبارا ... ما احتيالي وما أجدلي اصطبارا
طير العقل ثم قص جناحي ... وقــــصــــى مــــنــــزلا وشط مزارا
وأذاب الحــــشــــا وصعد دمعا ... لم يزده الصعد إلا انحدارا
وقضى بالغرام رغما ومن ذا ... يا فؤادي يعاند الأقدارا
ويــــح قلبي وويح كل محب ... فقد العين فاقتفى الآثارا
يرقب النجم في الظلام ومهما ... لمع البرق في الظلام استطارا
وإذا ناح في الغصون حمام ... مــــزّق القــــلب ثــــم شــــق الإزارا
وإذا زار للأحــــــبــــــة طــــــيــــــف ... انــــكــــســــر الراس ذلة وصغارا
لازم الســــهد والأسى فلهذا ... علم النوح والبكا الأطيارا
فقد الصبر والسلو فأضحى ... بظهر الحب لوعة واستعارا
وكسا جسمه السقام فأمسى ... سهد عينيه للجفون شعارا
يا خليلي عرجا بي لسلع ... وآسالا عن غزالة أين سارا
وأشيرا بما يبلغ قصدي ... ربما أرشد المشير المشارا
وآحملاني إلى الأبيرق علي ... أعطف البان أو أناغي الهزارا
وصلاتي السرى مسا وصباحا ... واقطعا بي الجود والأغوارا
وقفا بي على الرسوم قليلا ... ودعــــــــانـــــــي أودع الأوكـــــــارا
وخذا بي يمين باب المصلى ... وأقيما لكي أقيم الجدارا
واستدلا على الطريق بنشر ... حين جرت ليلاي فيه الإزارا
وابلغاني لحي ليل فقلبي ... من ركون الضلوع للحي طارا
وأنيخا ببابها عيس قصدي ... عن العيس فاطرحا الأوكارا
واطرحاني على التراب وقولا ... ميتك الحي قد أراد المزارا
واسعداني على السهاد فجفني ... صار من بعد نومه سهارا
واندباني بكل شجو ليبلي ... وابكياني بكل دمع نهارا
وانشداها عن طيب وصل تقضى ... واذكراها تلك الليالي القصارا
وسلاها تعطفا فعساها ... تــــتــــرك الطيف يزور سرارا
يا لقومي أما معين معين ... غير دمع أفاض منه البحارا
وشــــفــــيــــق يــــرق لي أو رفيق ... يحفظ الجار أو يراعي الجوارا
وصــــديــــق صــــدوق وعــــد يباري ... نقض عهد ويكتم الأسرارا
أو سمير يصغى لشرح حديثي ... فحديثي يطرب السمارا
كان ما كان يا فؤاد فدعني ... فالذي كنت اختشي منه صارا
قضي الأمر فاقض ما أنت قاض ... فـــــلك الحـــــب بـــــالتـــــوله دارا
يا عذولي ما رأيت في الحب جهلا ... وأرى حاكم الهوى لا يمارى
لا تــــلمــــنــــي فــــلست أول حر ... صار عبدا لمن يحب اختيارا
شــــنّــــع المرجفون أن فؤادي ... صار في الحب خائنا غدارا
وادعــــوا أنني سلوت ومن لي ... بـــــعـــــذيـــــر يـــــوجّه الأعــــذارا
ويوهي بثنى بما أحدثوها ... إذ رأوني أخلصت فيك العذارا
ما بأحشائهم علقت وحاشا ... أن يكون الحشا لغيرك دارا
يــــا فؤادا أضله الطرف لما ... إن رأى الحسن زائل الإستارا
قل لمن رام يستعيرك شجوا ... شغل الحب مهجتي أن يعارا
آه مــــن حــــرقــــة وفــــرط جنون ... صير الطرف والفؤاد حيارى
من نصير وليس غير فؤادي ... ذاب شوقا وما درى الإنتصارا
ويح أهل الهوى يرون سكارى ... من هواهم وما هم بسكارى
صــــيــــروا الذرع شــــرعة لأناس ... أنفوا الذل في الهوى والصغارا
يا نسيمات القلوب رفقا فقلبي ... لم يكن قط يألف الحجارا
قد نسيتم عهودنا وفؤادي ... لم يزده البعاد إلا اذكارا
كم جفون كسيتموها سهاما ... كم قلوب سلبتموها القرارا
كم عقول بدلتموها جفونا ... كم نفوس أورثتموها الدمارا
كل يوم يسوقني الدهر خسفا ... فهوى شبا في الأصالغ نارا
وإذا مــــا الظلام جن رماني ... سهم وجد بهيج الإفتكارا
طال ليلي ولم يلح وجه صبحي ... يا ترى هل أرى الظلام يواري
لو يكون الصباح حيا يرجى ... لم تر الزهر في السماء حيارى
لو بدا لي السنا لقمت أنادي ... يا لقومي آنست ي الحي نارا
فامكثوا لي عسى أخبر عنها ... أو لعل الزمان يدني المزارا
يا أنيسي وأين منى أنيسي ... لم يــــزده الدنــــو إلا نــــفــــارا
يا شفائي وكيف لي بشفاء ... وضلوعي على الغضى تتوارى
يا حياتي واين أين حياتي ... والهوى يقتل المحب اضطرارا
ضــــاق ذرعــــي ومــــا لسرى خلاص ... غير مدح الشفيع منجي الأساري
فهو عين الندى وغوث المنادي ... وهو كهف الرجا وكافي الضرارا
وهو وسطى قلائد المجد عزا ... وهو إنسان مقلتيه فخارا
وهو روح العلا وصدر المعالي ... وهو سر النهى ورشد الحيارى
وهو معنى مظاهر الحق سرا ... ومنشي حلى الكمال اشتهارا
كــــل جود فمن علاه تجلّى ... كل حسن فمن حلاه استعارا
كل غيث فمن نداه مفاض ... كل ليث فمن ظباه استجارا
كــــل هدي فمن هداه تبدى ... كل نور فمن سناه أنارا
فاق كل الأنام خلقا وخلقا ... فــــأمــــال القــــلوب والأبصارا
وبـــــه الرســـــل والأمــــلاك لاذوا ... فأنبلوا العلوم والأسرارا
وغدوا في علاه مثل نجوم ... في سماء سما بها أبدارا
وإليــــه يــــعزون كل المقام ... نولوه ومنه نالوا الفخارا
وجــــمــــيــــع الوجود مد بطة ... كخليج يقد استمد البحارا
وهل الكون في معاليه إلا ... كسنا في سماء أفق أنارا
مظهر الحق منطق الجن فرد ... جمع الحسن والبهاء والوقارا
ليس شيء عند الإله يحاكي ... شأوه السابق البعيد المطارا
فــــاتــــح خــــاتــــم نــــبي رسول ... يا له مجتبى رضا مختارا
مصطفى مرتضى حبيب خليل ... أكرم الخلق نسمة وشعارا
أكمل العالمين روحا وذاتا ... وصفاتا ومظهرا واستتارا
لم تلد مثله الحوامل فخرا ... وكفى حزبه بذاك افتخارا
كامل الحسن ظاهر البشر أضفى ... بسناه الشموس والأقمارا
أزهر اللون أشنب الغر أقنى ... أحــــور الطــــرف زين الأحورارا
أهيف القد طيب النشر عنه ... قد روى الزهر روضه المعطارا
فبعطفيه مثل البان لينا ... وبخديه يشبه الجلنارا
لم تر العين في البرية أحلى ... منه نطقا ولا اسرا فتتارى
وكذا الأذن لم يلجها مقال ... مــــثــــل قوم دعا به إنذارا
ما بدا وانثنى لرائبه إلا ... أظهر البان يثمر الأزهارا
أشــــرف الخلق مرادا ورضاعا ... وفطاما ومجتدى ونجارا
زاده الله بــــهــــجــــة وجــــمــــالا ... وكـــــمـــــالا وعــــزة واقــــتــــدارا
لم يناديه باسمه بل دعاه ... بأعز الكنى لديه اشتهارا
وبـــــه أقـــــســــم الإله وبــــاهــــى ... بــــــعــــــلاه وصــــــرف الأقــــــدارا
صادق العزم ظاهر الحزم شهم ... نافذ الأمر إن ثوى أو سارا
أحرز الباس والندى فلهاذا ... جمع الصيد فيه والأقمارا
لم يقع فوقه الذباب احتراما ... لعـــــــلاه ورفـــــــعــــــة ووقــــــارا
لم يقع فوقه الذباب احتراما ... لعـــــــلاه ورفـــــــعــــــة ووقــــــارا
يقظ القلب إن غفت مقلتاه ... لم يزده الهجوع إلا افتكارا
من لميلاده النجوم تهادت ... وتداعى إيوان كسرى وانهارا
من له الشهب أحرقت كل جن ... يسرق السمع ينقل الأخبارا
ولهيب المجوس أخمد لما ... إن رأى فيض ماء ساوة غارا
من تراءى لمه قصر بصرى ... ولها الشام قد بدا استطهارا
من به بشر الزبير وكعب ... وبحيرا وجى تليق النصارى
من به الجن أخبرت وتوالى ... قول كهانهم بذاك مرارا
من به الكتب بشّرت وأبانت ... عنه أشياء بصرتنا اعتبارا
من به بشر الكليم وعسى ... وشعيب ويوسف وابن سارا
مــــن بــــه آدم وشــــيــــث أنيلا ... ما أنيلا من الرضا استشارا
من به إدريس عز مرقى ونوح ... بان في الفلك إذ طمى الما وفارا
مــــن نجا صالح به وثمود ... وبـــــه هـــــود أرغــــم الفــــجــــارا
من به لوط والخليل أجيرا ... وبه إسحاق والذبيح استجارى
من به يوسف أجل ويعقو ... ب والأسباط قد كفى الأعذارا
من به أصبح الكليم موقى ... كيد فرعون إذ دعا السحارى
من به نول الحبورة هارو ... ن المعالي فأرغم الكفارا
مــــن بــــه يــــوشع تملك سرا ... أوقف الشمس حين كادت توارى
من به أنقذ الإله شعيبا ... وكفى أيوب إذ شكا الأضرارا
من به يونس نجا من دياجي ... باطن الحوت حيث شق البحارا
من به الخضر والعزيز وذو الكفل ... ولقــــمــــان عــــلمــــوا الأســــرارا
مــــــن بــــــه ســـــيـــــر الإله لداو ... د جــــبــــالا وأوقــــف الأطيارا
من به سخر الوحوش سليما ... ن وريـــــحـــــا ومــــارداً طــــيــــارا
من به إلياس طار كل مطار ... في سما المجد حبذاك المطارا
من به إسكندر الزمان لمعنى ... فجر الما ومصر الأمصارا
مــــن بــــه لاذ إذ دعــــا زكريا ... فاكتفى شر من رأى المنشارا
من به أتحف الحصور وعيسى ... فلهذا ترفعا واستنارا
من له البدر شق نصفين طوعا ... إذ دعــــاه ليــــعجز الكفارا
من له الشمس أوقفت وأعيدت ... وله الفحل أذعن استصغارا
من له الجذع حن حنّ مشوق ... صــــــــد عــــــــن ورد وأنّ وخــــــــارا
من له الضب قال قولا بليغا ... وله الحــــق أنــــطــــق الأحجارا
من له الذنب والبعير أقرا ... بــــكــــلام مــــصحح لا يمارى
مــــن له أنــــبــــأ الذراع بــــســــم ... وله الماء في المزادة فارا
من له البدن ازدلفن عسى أن ... يبتدي بالتي أتته اختيارا
من أعاد اليبيس في الكف رطبا ... وبــــه عــــادت العــــصــــا بتارا
من بلمس أعاد ضرع عناق ... لم تـــــلد قـــــبــــل أو درت إدرارا
من عليه الوحوش ضلّت وحيّت ... وله الرب أســـــجـــــد الأشــــجــــارا
من عليه الوليد سلم حقا ... وعليه الرضيع صلى جهارا
من أجار الغزالة لما دعته ... أن أجرني فالفطم أودى الصغارا
من غدا الذنب مخبرا عنه لما ... منع الشاة يا له إخبارا
من دعا المبت بعد دفن فلبّى ... ونهى الطود فاستكان ازدجارا
من أتته الظبي مسيرة شهر ... لا امتثالا لأمره وانتظارا
مــــن بــــكفيه خدم وطعام ... سبحا باري الورى الجبارا
من أعاد القضيب في الكف سيفا ... وبها الماء قد جرى مدرارا
من كفى بالصواع ألفا وروّى ... بيسير جيوشه استكثارا
من أتاه البعير يشكو هلاكا ... فــــحــــمــــاه مــــن الردى وأجــــارا
من وقاه الغمام حر هجير ... وسقاه لما دعا استغزارا
من حماه الحمام في الغار لما ... نسجت عنكبوته الأستارا
من دعا النخل فاستجبن سراعا ... بــــدعــــاء به سلبن القرارا
مــــن أحــــلّت له الغــــنائم لما ... بحماة الهدى سبى الكفارا
مــــن كــــفــــاه الإله غورث لما ... سل للفتك فوقه البتارا
من طوى للصيام كشحا لطيفا ... لم يكن قبل زاول الأحجارا
من أدام القيام في الليل حتى ... أورم الساق واشتكاه ضرارا
من يمسح أرى للأقرع شعرا ... وبمسح أبرا الجراح الكبارا
من بتفل أعاد شق خبيب ... بــــعــــد شــــق لشــــقّه قد أهارا
من بتفل أعاد كف اين عفرا ... بعد قطع لكفّه قد أطارا
من بتفل أجلى لحاظ بريد ... من غشاء فأحكم الأبصارا
من كفى العين إذ شفاها برد ... بعد قلع فأعجز النظارا
من بجدواه بنت حاتم طيئ ... أرجعت كيف شاءت استكثارا
من بأملاك والنبيين صلى ... في مقام له أقام المنارا
من على صهوة البراق ترقى ... فارتقى مرتقى علا المقدارا
من حمى حومة الوغى وحماها ... بجنود جيّادها لن تبارى
من به أرغم اللعين هشام ... إذ تعدى وراغم استكبارا
من به عتبة أذاق عتابا ... أوقر السمع ذلة واحتقارا
من به شيبة تصاغر لما ... ألبسته يد العذاب الصغارا
من به أرضع الوليد كؤوسا ... شيّبته وقد سقته مارا
من بترب رمى وجوها فساهت ... وبرمي الحصى فقا الأبصارا
كم وقى حادثا وأمن خوفا ... كم دحا جابرا وأكرم جارا
كم نهى عاصيا وهنا مطيعا ... كم كفى عائلا وفك الإسارا
كم رعى صاحبا وراع عدوا ... كم سبى ثائرا وخول ثارا
كم أرى أكمها وأعمى بصيرا ... كم طفى فتنة وأخمد نارا
كم سبى ضيغما وأغنى فقيرا ... كـــــم جـــــلا دارة وعـــــمـــــر دارا
كم دعا صادقا ورد كذوبا ... قــــد أتــــاه وكم أقل عثارا
كم هدى حائرا وأهدى نفيسا ... لوليّ وكــــــــم أزاح ســــــــتــــــــارا
كم محا ظلمة وأظهر نورا ... كــــم كــــفــــى جاها وروى أوارى
كم شفى معضلا وأنعش ميتا ... كم كفى صائلا وكف ضرارا
صاغه الله عين كل جمال ... وكـــــســـــاه مـــــحـــــبــــة ووقــــارا
ودعـــــاه إلى حـــــمـــــاه فـــــلبــــى ... وأراه ســــر الجــــمــــال المــــوارى
واصــــطفاه مكانة ونوالا ... واعــــتــــزازا ورفــــعــــة وقــــرارا
ودعــــاه بأنت خير عبادي ... أولســــت المــــقرب المختارا
أنت عبدي وصفوتي وخليلي ... يا حبيبي فسو سواك فخارا
واهن قلبا وقر عينا فقدما ... سدت في حضرة الرضا الأبرارا
ولك البشر قد رفع جحابى ... لترى وجه الجميل جهارا
فاحثث السير وارق كل مقام ... واخرق الحجب وارفع الأستارا
وامش فوق البساط بالنعل عزا ... فبنعليك قد زكا مقدارا
أنت منيّ كقاب قوسين قربا ... أو كأدنى مكانة واعتبارا
فامسح الأغبار وانظر الوجه واسمع ... فصل قولي وشاهد الأنوارا
وقل اسمع واشفع تشفّع وسلني ... أعطك الآن ما تشا اختيارا
أنــــت ســــري ومظهري ومرادي ... حـــــبّـــــذا أنـــــت زائرا ومـــــزارا
وحباه بما حباه فأغنى ... ورعــــاه بــــما رعاه فأجارا
وانثنى ساحبا رداء فخار ... والدجــــى لم يــــفــــكــــك الأوزارا
ويبطحا الخطيم أصبح ينبى ... عـــــن ســـــواه ومـــــا رآه وصـــــارا
عـــــلم الخـــــط وهـــــو أمـــــي خــــط ... وأبــــــان الحــــــروف والأســــــرارا
محكما فاصلا مبينا منيرا ... دق معنى فحير الأفكارا
قد أحاط العلوم لفظا ومعنى ... فــــأزاح الشــــكــــوك والأغبارا
وصف منشي الوجود بعد انعدام ... جل من أوجد الوجود اختيارا
واحدا عالما سميعا بصيرا ... قــــادرا كــــاشــــف الأذى ستارا
باسطا قابضا غفورا رحيما ... خافضا رافع السما جبارا
خالقا رازقا حكيما عليما ... موجدا معدم الورى قهارا
هاديا مرشدا حفيظا كفيلا ... قابل التوب ساترا غفارا
جل عن قول كيف أو كم أو عن ... ما ادعاه اليهود ثم النصارى
وعلى عرشه استوى وتجلى ... جل من عز رفعة واقتدارا
ليس شيء كمثله جل مولى ... كيف الكيف قدر المقدارا
كــــون الكــــون مبدعا ويراه ... باحتكام وعصر الأعصارا
ودحا الأرض والسماء بناها ... ومن الصخر فجر الأنهارا
وبرى الخلق طائعا وغويا ... ولهــــم بــــد عد عدنا ونارا
وقضى الرزق كيف شاء وأشقى ... مــــن عــــصاه ونعم الأبرارا
قهر الخلق بالممات وأحيا ... بــــعد موت فوحد القهارا
لا مذل لما أعز اختصاصا ... لا معز لمن أذل احتقارا
لا مرد لما قضاه احتكاما ... لا مقيل لمن أضل عثارا
أرسل المصطفى إلينا رسولا ... ونـــــذيـــــرا وداعــــيــــا إنــــذارا
يا هنانا وسعدنا إن دعانا ... فاقتفينا بهديه الآثارا
ونــــطقنا بالإله سوا من ... كرر الليل واستنار النهارا
وشهدنا بأن أحمد عبده ... ورسول إلى الأنام اختيارا
وسع العالمين علما وحلما ... فهو صبح السرى ونجم الحيارى
لو كسا الشمس من سناه شعاعا ... لم تر الشمس بالظلام توارى
أو أنال الغمام بعض نداه ... بـــــحـــــر الأفــــق كــــله مــــدرارا
أو أعــــار الريــــاض جــــزء شــــذاه ... لأرى الأرض كـــــــــــله نـــــــــــوارا
صبح مجد قد حقق الظن فيه ... أنه الشمس بهجة وانتشارا
ما نضا السيف في المعامع إلا ... وغدا ليلها البهيم نهارا
لا ولا أرعـــــد المـــــثــــقــــف إلا ... وأراش العنا الفؤاد فطارا
ليث حرب يقود اسدا تبارت ... بعوال رماحها لن تبارى
جردوا البيض في الوغى وكسوها ... بالدما حله تروق احمرارا
وأمالوا القنا بحمل رؤوس ... قطفوها لشبهها الأثمارا
كم أجاحوا حليف ريح عناد ... لم يـــــزده الدعـــــاء إلا فــــرارا
كــــم أبــــادوا مضللا وغويا ... وبــــغــــيــــا وفــــاجــــرا كفارا
كــــم غــــوي أتــــى لنــــصرة ناغ ... خــــذلوه فــــلم يــــجــــد أنصارا
قد شروا بالنفوس جنة عدن ... وتغالوا فأرخصوا الأسعارا
ورضوا بالهوان في الله علما ... إن يـــــعـــــودوا أعــــزّة كــــفّــــارا
وتداعت بكل ليث تمطى ... متن طرف قد ألبسوه الغارا
لطــــم الصــــبــــح وجــــهــــه إذ رآه ... في قميص الدجى فخاض النهارا
مرهف القرن أتلع الجيد نهد ... واسع الصدر قارب الأقطارا
أو هــــزيــــر يصول فوق جواد ... أبــــيــــض اللون ألحــــف النــــوارا
كحل الجفن بالظلام ولما ... أتساك بالكحل سربل الأنوارا
ناتي العين أسهل الخد عال ... محكم الجري يخطف الأبصارا
أو عــــقــــاب يحوم فوق جواد ... أشقر اللون يشبه الدينارا
ألبس التبر فازدهى فأرانا ... بين عينيه كوكبا غرارا
إن درى بالطيور والبرق جريا ... وهزا بالظبا وكيف يجاري
أو جــــواد يــــجــــود فــــوق جــــواد ... بجلاد تشيب منه العذارى
صيروا النقع بالسهام رياضا ... جاد ريا فأنبت الأزهارا
وأسالوا الضيابة فشهدنا ... كيف تجرى السحائب الأنهارا
نصروا دينه وراعوا عداه ... ورعوا حزبه وصانوا الديارا
فــــهــــم مــــا هــــم وهل هم إلا ... ســـــادة قـــــادة أولى أطـــــهـــــارا
مــــجدا نجدا بدرا بحورا ... سبقا لحقا تقى أخيارا
صــــومــــا قوما أسودا ذكورا ... ركــــعــــا ســــجــــدا هدى أبرارا
فــــصــــلا كــــملا دعاة كماة ... أو ليسوا الرفاق والأنصارا
من كشيخ التقى الإمام عتيق ... ثاني اثنين غذ حللنا الغارا
أو كفاروقه الجليل جلالا ... أو كعثمان عفة واصطبارا
أو كحامي الحمى الإمام علي ... أو كسعدية بهجة ووقارا
أو ترى ماجدا كطلحة أو قل ... كالزبير الفتى الكريم نجارا
أو كمثل ابن عوف الشهم قدرا ... أو تــــرى كالأمين أرحب دار
أو كعميه أو كسبطيه هديا ... أو كألصحاب مبتدى وقصارى
أو كــــأزواجــــه الكــــرام عليه ... أو كأولاده العظام افتخارا
فهم الزهر في الرياض انتظاما ... وهم الزهر في السماء انتشارا
وهم الخصب في المحول عطاء ... وهم الصيد في الحروب اهتصارا
شرف الله قدرهم وارتضاهم ... وهداهم بما هدى الأبرارا
ودعــــاهــــم بــــخير أمة هاد ... أخرجت للورى فكانوا الخيارى
يا غريقا في قعر ليل التصابى ... يا حريقا بنار حب العذارى
يا عليل الفؤاد ثقلت طهرا ... قل ما قوم القيام اذكارا
يا عصيا أطاع هواه لم لا ... ترجع النفس عن هواها ازدجارا
يا عديم الشعور جهلا إلى كم ... أنت في اللهو تنظم الشعارا
إن تكن بالذنوب أسود قلب ... فأرق فوقه الدموع الغزارا
واغسلنه بماء دمعك واجمل ... عصرك الثوب واتقن المعصارا
فــــإن ابيض او فشق عليه ... وألق ما اسود واعطه القصارى
واحذر الذنب واصدق التوب واقلع ... وســــل الرب واجــــمــــل الأعــــذارا
واحسن الظن في الإله وسله ... أن يعافي ويغفر الأوزارا
فــــعسى أو لعل رحمة ربى ... أن تغشى وتسبل الأستارا
فهو ربي وخالقي ومميتي ... ومعيدي كما ابتدائي ابتكارا
وهو عوني إذا اضطررت سؤالا ... وهو عوني إذا سئلت اضطرارا
وهو سؤلي وغايتي ومرادي ... وهو كهفي إذا استقلت العثارا
وهو أمني وعدتي واعتمادي ... وهو حصني إذا التجأت فرارا
وهو حسبي إليه فوضت أمري ... حسبي الله مقعدا ومطارا
يا إله الورى ومعطى العطايا ... يا مثير الثرى ومجري البحارا
أنا عبد وأنت رب وحسبي ... أن رأيت الكبير يرعى الصغارا
أنــــا ذو حــــيــــرة وأنــــت دليــــل ... وعهدنا الدليل يهدي الحيارى
أنــــا ذو فــــاقــــة وأنــــت غني ... وشهدنا الغمام يسقي القفارا
فاوف ديني وعافيني واعف عني ... وآولني الخير واكفني الأشرارا
وآجر يا بر بالكتاب لساني ... وأعـــــنّـــــي إذا تـــــلوت اذكـــــارا
وأنرني بنور علمك واجعل ... حلية الذكر والتقى لي شعارا
وأعــــدنــــي إلى الحــــجاز لعلي ... أقطع العمر حجة واعتمارا
بعدت بي خطا وقل نصير ... بصطنعني حمية وانتصارا
وتــــوالت بــــي الســــنون ومالي ... من معين يبلّغ الأوطارا
وقصتني الذنوب رغما فهل لي ... مــــن شــــفــــيــــع لصحب الزوارا
وأجد السرى وأصى بسمعي ... لحـــــداه تـــــرجـــــع الأخـــــبــــارا
وأشق البحار عرضا وطولا ... وأجــــــوب الفــــــلاة دارا فــــــدار
وأوافي اللوا وأرعى المصلى ... وأجول الحمى وأخشى الديارا
وأرى مــــن في الغلائل تجلى ... قد أماط الجمال عنها الخمارا
وأضــــاهي بخالها كل خال ... صــــير الخد كعبة ومزارا
ويذيع الجمال سري وأدعو ... بأعذار خلعت فيه العذارى
وأولي الطواف شوطا فشوطا ... وأراعي الحجيج جارا فجارا
وأروى بـــــــزمـــــــزم حــــــر قــــــلب ... أضرم الوجد بين جنبيه نارا
وأطــــيــــل الدعا على عرفات ... وأناجي المهيمن الغفارا
وأريق الدموع في السفح نسكا ... وأذيب الفؤاد فيه انكسارا
وأرى المعشر الحرام وأهدي ... بدنا صير السقام شعارا
وأوافي مني الأماني وأرمى ... بدموع على الخدود الجمارا
فــــعسى أو لعل يرحم ربي ... ويــــليــــني ويغفر الأوزارا
ويريني قبا البقيع لأجنى ... من أفانين دوحها اثمارا
وأحاكي ثرى البقيع بدمع ... أكسب الخد حيث سال احمرارا
وأناغي حمامها بحنين ... ألبس الجسم رقة واصفرارا
وأقـــــد الحـــــشــــا وأفــــرش خــــدّي ... لحــــــفــــــاة أتــــــيـــــنـــــه زوارا
وتسف التراب أجفان عيني ... حين يعلو وحبّذاك غبارا
وأوافــــي بــــاب الســــلام دخــــولا ... بــــســــلام يــــعطر الأقطارا
وأرى المدفن الشريف بعيني ... واقـــــوي بـــــنــــوره الأبــــصــــارا
وأبــــث المــــديــــح ثــــم بــــقــــلب ... ولســــان تــــطــــابــــقــــا إقــــرارا
وأوافــــك يــــا حــــليــــم ظلوما ... مستعيذا بأحمد استغفارا
وأنادي بأرفع الصوت حسبي ... أن أراني لقبر عبدك جارا
أنا جار الكريم فارع جواري ... أو ليس الكريم يرعى الجوارا
ضل من رام غير بابك سعيا ... وانثنى ينفض اليدين خسارا
وهل العقل يقتضي أن يرجى ... السمر إلا المدير الجبارا
فأجرني من العذاب وكن لي ... حيث لا ينفع المجير المجارا
واصطنعني إذا احتضرت ونادى ... هاتف البرزخ البدار البدارا
واكتنفني إذا لحدت وثبت ... فيك قولي إذا سئلت اضطرارا
وقني النار واكفني كل هول ... واجعل الخلد لي بفضلك دارا
ليــــس إلاك آخــــذ بــــالنــــواصــــي ... ليــــس إلاك مــــنــــقــــذ للأســــارى
فاقبل المدح في حبيبك منا ... واعف عني ومحق الأغيارا
وبماذا اتقي المدائح فيه ... وعليه الجليل اثني مرارا
وبــــعــــز الإله أقــــســــم حــــقــــا ... قــــســــمــــا صــــادق الولا بــــرارا
لو تكن الأفلاك والأرض درجا ... طال عرضا ووسع الأقطارا
ومياه الوجود تصبح حبرا ... حــــــالك اللون دائمـــــا مـــــدرارا
وجميع النبات والقضب يغدو ... مثل أقلام كاتب تتبارى
وجميع الورى تجمل كتبا ... في حلاه لما حووا معشارا
وبماذا يفوز في وصف بدر ... أعجز الوصف حسنه أن يجارى
أيحيط التراب والنبت عدا ... أم يعد النجوم والأمطارا
أو يوفوا البحار بالصاع كيلا ... أم بقيس الذراع يحصوا القفارا
حسبهم فالمقام أعظم من أن ... يجعلوا الحرف يحوي الأسرارا
غير أني قصدت أكرم جار ... بمديح قدمته استمطارا
وتطفلت بافتقار وحسبي ... أن تطفلت يا كريم افتقارا
فبذلي بفاقتي بخضوعي ... بجمى بيتك المعزز جارا
بصفا الدمع بافتضاحي جهارا ... بلظى القلب باطراحي مرارا
لا تكلني إلى سواك فقلبي ... لم يكلني إلى سواك اضطرارا
أنت حسبي ومن تكن حسبه لم ... يعد صبرا ولن يخف أغبارا
لست أرضى سواك مولى وعزمي ... أن أنادي عبيدك استصغارا
فأين أمري على السماح ولقن ... نطقي العذر وأقبل الأعتذارا
وانصر الدين واحم كل أمير ... صان علياه وأخذل الكفارا
وصن الملك بالمليك أبي عمرو ... الإمام المرتضى المعزز جارا
وأوله الخير ظاعنا ومقيما ... وأكفه الشر ظاهرا واستتارا
وأعنه على القيام بأمر ... شئته منه واعضد الأنصارا
واحــــفــــظ العــــهــــد بــــالولي أب ... عبد الإله الفتى المرفع دارا
واعــــف عــــنــــه وعــــافه وأنله ... ما يرجيه وأكفه الأكدارا
واسعدنه واختم له بجميل ... بعد عمر كما يشاء استتارا
وارحم أشياخي الهداة وسامح ... والدي الجناة واكف الضرارا
واحرس الأهل والبنين والإخوان ... والأصــــحــــاب واصــــرف الأكــــدارا
وحط المسلمين منك يعفو ... بشمل المذنبين والأبرارا
وارحم أمواتهم وبارك عليهم ... واشف مرضاهم وفك الأسارى
يا شفيعا في المذنبين إذا ما ... زفر الهول واستحر استعارا
يا رسول الإله يا خير هاد ... وسع الخلق رحمة واصطبارا
كن شفيعي إذا دعيت لعرض ... هــــوله قــــد أشاب راس العذارى
كن مجيري إذا الكريم تجلى ... بانتقام ليخزي الفجارا
حــــاش لله أن تــــخــــيــــب صــــبــــا ... جعل المدح في علاك شعارا
ويضيق النطاق عني وقلبي ... أوسع الفكر في حلاك مطارا
أو أرى الدهر نكبة ولساني ... في معانيك ينظم الأشعارا
أو يروم الزمان خسفا ومديحي ... في معاليك قد ملا الأقطارا
أنـــــا عـــــبــــد ومــــادح ومــــحــــب ... فارع عهدي وراعني إيثارا
أنــــا ذو عــــسرة وأنت كريم ... فأولني باليمين منك اليسارا
فبمغناك قد أتحت ركابي ... ولعــــليــــاك قــــق لجــــأت فــــرارا
وبــــجــــدواك قد بسطت ردائي ... ولنــــجــــواك قــــد شــــددت الإزارا
فـــــعـــــليــــك الإله صــــلى صــــلاة ... تملأ الأرض والسما أنوارا
وعــــلى الآل والصــــحــــابة طرا ... ما دعا العبد ربه الغفارا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- استطارا: طرأ: طَرَأَ عَلَى الْقَوْمِ يَطْرَأُ طرْءاً وطُرُوءاً: أَتاهم مِن مَكانٍ، أَو طَلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَلَدٍ آخَر، أَو خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِن مكانٍ بَعيدٍ فَجاءَةً، أَو أَتاهم مِنْ غَيْرِ أَن يَعْلَمُوا، أَو خَرج عَلَيْهِم … (لسان العرب)
- الصعد: صعد: صَعِدَ المكانَ وَفِيهِ صُعُوداً وأَصْعَدَ وصَعَّدَ: ارْتَقَى مُشْرِفاً؛ وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ للعرَض الَّذِي هُوَ الْهَوَى فَقَالَ: فأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَهُ عنْ بِما بِهِ، ... أَصَعَّدَ، فِي عُلْوَ، … (لسان العرب)
- المحاجر: حجر: الحَجَرُ: الصَّخْرَةُ، وَالْجَمْعُ فِي الْقِلَّةِ أَحجارٌ، وَفِي الْكَثْرَةِ حِجارٌ وحجارَةٌ؛ وَقَالَ: كأَنها مِنْ حِجارِ الغَيْلِ، أَلبسَها ... مَضارِبُ الْمَاءِ لَوْنَ الطُّحْلُبِ التَّرِبِ وَفِي التَّنْزِيلِ: وَق … (لسان العرب)
- بالغرام: غرم: غَرِمَ يَغرَمُ غُرْماً وغَرامةً، وأغرَمَه وغَرَّمَه. والغُرْمُ: الدَّيْنُ. ورَجُلٌ غارمٌ: عَلَيْهِ دَيْنٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا تَحِلُّ المسأَلة إلَّا لِذِي غُرمٍ مُفْظِعٍ أَي ذِي حَاجَةٍ لَازِمَةٍ مِنْ غَرامة مُثْ … (لسان العرب)
- جناحي: جنح: جَنَحَ إِليه[[. قوله [جنح إِليه إلخ] بابه منع وضرب ونصر كما في القاموس.]] يَجْنَحُ ويَجْنُحُ جُنُوحاً، واجْتَنحَ: مالَ، وأَجْنَحَه هُوَ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ: فَمَرَّ بالطيرِ مِنْهُ فاحِمٌ كَدِرٌ، ... فِيهِ الظِّب … (لسان العرب)