بَلّغ رَبى مَصرٍ تَحيَّةَ عاني

الشاعر: خليل الخوري · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة وطنية

هذه القصيدة من شعر خليل الخوري، من العصر الحديث، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة وطنية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بَلّغ رَبى مَصرٍ تَحيَّةَ عاني ... فــــي حُبِّها مُتزائِد الأَشجانِ

وَأَجرع مِن النيلِ المُبارَكِ جُرعَةً ... تَــــروِ العَــــشــــيَّةَ غلَّةَ الظَمأنِ

وَاقــــرَ السَلامَ عَلى أَليفٍ نازِحٍ ... عَني إِلَيها ذاهِبُ بِجَنابي

يَأوي حِما الإِسكندَرية قاصِداً ... تَطبيق نسبة اِسمَها الرَنّانِ

فَغَدَوتُ اِنظُرُ مَصرَ أَبهَجَ بقعَةٍ ... وَأَرى مَــــرابِــــعِهــــا أَعَــــزَّ مَــــكــــانِ

يا مَصرُ حَياكِ الحَيا فَلَقَد زَهَت ... فيكِ الحَيوةُ وَنِلتِ أَعظَمَ شانِ

أَصبَحتِ قاهِرَةَ الدُهور لِأَنَّها ... هَجَمَت عَلَيكِ فَرَدَّها الهرمانِ

كَم فيكِ مِن مَجدٍ وَمِن فَرَحٍ وَمِن ... رَغــــدٍ وَمِــــن سَــــعدٍ وَمِن إِحسانِ

كَم فيكِ مِن أَثَرٍ شَريفٍ للملا ... كَم فيكِ مِن سَلوى لِكُلِّ مَعاني

كَم فيكِ مِن ملهىً أَنيسٍ رائِقٍ ... يُنسي الغَريب مَحَبَةَ الأَوطانِ

كَم طابَ لي فيكِ المَقام وَكَم صَفا ... عَيشي بِربعكِ حَيثُ راقَ زَماني

كَم فيكِ سابَقتُ الصَباحَ مُبادِراً ... لِلأَزبَـــــكـــــيــــةِ فــــائِزاً بُــــرهــــانِ

هِيَ قاعَةُ الأَطيارِ كُنتُ أَرى بِها ... حالَ التَوحد مَجلس الندمانِ

إِن لَم تَكُن فيها الثِمار فَإِنَّها ... مِــــن كُــــلِ زاهِــــيَــــةٍ بِهــــا زَوجــــانِ

كَم سِرتُ مُختالاً بِمَركَبةِ الهَنا ... بِطَريقِ شُبرا مَرتَع الغُزلانِ

أَلقى بِها سرق الرِفاق مُظَلَّلاً ... تَــــحــــتَ الرِواقِ الأَخــــضَرِ الرَيانِ

لَهفي عَلى شَبرا البَديعة أَنَّها ... في الأَرض قَد أَضحَت نَعيم جِنانِ

رَوضٌ كَسَتهُ يَدُ العُلى حُلل البَها ... فَزَها بِها يَسمو عَلى الأَكوانِ

يا حَبَّذا تِلكَ الرُبوع وَما حَوَت ... مِــــمــــا أَجــــادَتهُ يَدُ الإِتقانِ

في الرَوضَةِ الغَناءِ كَم غَنّى ... لَنا طَيرُ الهِزار عَلى غُصون البانِ

وَبِقَلعَةِ الجَبَلِ المَنيعِ مَناظِرٌ ... تَجلو لِعَينِكَ قُدرَةُ الإِنسانِ

وَعَلى جَناحِ الأَزبَكيَّةِ مَنِزلٌ ... فيهِ خَلَعتُ تَعقلي وَعَياني

سِرٌّ لَزِمتُ الحفظَ في كِتمانِهِ ... حَتّى مَلَلتُ وملني كِتماني

لَم أَنسَ فيهِ يَمامَةً أَنسيَّةً ... غازَلتُها فَبَليتُ بِالأَشجانِ

لَم أَنسَ مَوقِفَ رَهبَةٍ بِإزائِها ... يَومَ النَوى حَيث الفُراق دَهاني

قَد راعَها طَرف الرَقيبِ فَأَصبَحَت ... عِوَض الكَلام مُشيرَةً بِبَنانِ

وَمُراسَلات القَلب أَصدَق مُخبِرٍ ... وَمُكالَمات العَين خَير لِسانِ

فَأَجَبتُ بِالإِيماءِ إِني راحِلٌ ... لَكـــــنَّ حَـــــبــــي ثــــابــــتُ الأَركــــانِ

فَإِغرَورَقَت تِلكَ العُيون وَغَرَّبَت ... وَعَلى اِبتِسامٍ مالَت الشَفَتانِ

فَكَأَنَّها قالَت برقة رَمزَها ... بِــــالحَقِ أَنتَ حَنَنتَ لِلأَوطانِ

فَخَفضتُ أَجفاني عَلى يَأس كَما ... بُسِطَت يَدايَ وَفاضَتِ العَينانِ

وَأَشَرتُ نَحوَ الغَرب أَعني أَنَّني ... بَعدَ التَغَرُّبِ عائِدٌ لِمَكاني

فَاِستَلمَحَت إِني المَساءَ مغرّبٌ ... فَتَلفتت لِلشَرقِ لَفتةَ عاني

فَكَأَنَّها كانَت تَقول اليَّ كُن ... كَالشَمس تُشرِقُ مِن مَحَلٍ ثاني

أَنا راجِعٌ يا فتنَتي أَنا راجِعٌ ... أَنا راجِعٌ مُستَرجِعٌ لِجِناني

لا لَســــتُ أَرجَــــعــــهُ دَعــــيهِ فَإِنَّهُ ... وَقـــــفٌ لِذاكَ النـــــاظــــر الفَــــتــــانِ

لَكِن أَعودُ لِكَي أَراكِ وَيَنجَلي ... حَظي التَعيس وَتَنقَضي أَحزاني

وَأَرى خَليلَ خَليلِهِ الفَرد الَّذي ... يَرعى الوِداد رِعايَةَ الإِيمانِ

غُصنٌ بِإِسرارِ اللَطافَةِ مورقٌ ... لا يَلتَوي إِلّا لِيُنعِشَ فاني

قَولي لَهُ إِني قَضَيتُ مِن الأَسى ... لَكنما أَملُ اللُقا أَحياني

يا مَنيَتي هَل تَذكُرينَ عَشيَّةَ ... فيها خَطَفتُ فابتُ بِالحِرمانِ

حَيثُ البُخارُ أَطارَ راحِلَتي الَّتي ... كَالبَرقِ قَد سارَت بِغَيرِ عَنانِ

فَهُناكَ مِن قَضبِ الحَديدِ مَسالِكٌ ... تَجري بِها العَجَلات كَالغُدرانِ

بركينها السَيّار غارَ بِرَكبِنا ... فَعَجِبتُ مِن رَكبٍ عَلى نيرانِ

يا أَيُّها الشَرقيُّ هَل تَلقى إِذا ... حَمَلتكَ غَير تعجب الحَيرانِ

أَم تَذكُرنَّ عَلى الهَجين مَراكِباً ... نَقَلَتكَ تَحتَ حِمايَةِ الهِجانِ

ساهِبُّ يَوماً كَالنَسيمِ مُرنِماً ... بِرَنينها فافرّ مِن أَحزاني

وَأَرى المُروج بِها تَموج لِناظِري ... حللَ البَهاءِ بِجانِبِ الخلجانِ

فَبِقُربِ هاتيكَ الرُبوع مَسَرَتي ... فَيضانِها يربى عَلى الفَيضانِ

لا بُدَ مِن خَوض البِحارِ مَرافِقاً ... طَيرَ البُخارِ يَجد في الطَيَرانِ

فَأَرى مِن الإِسكَندَرية طَلعَةً ... هِيَ في المَقام طَليعَة البُنيانِ

وَأَرى المَنارَةَ بِالبَشارة تَزدَهي ... للقــــادِمــــين مُشيرَةً بِأَمانِ

وَأَرى طَواحين الهَواءِ كَأَنَّها ... تَدعو الغَريبَ لِمَنزِلِ الضيفانِ

وَإِذ دَخَلتُ إِلى الحِمى أَروي الظَما بَين ... الأَحِــــبَّةِ مطفياً نيراني

مُتَصَبِباً مُتَغَزِلاً مُتَنَقِلاً ... مِــــن رَوضَــــةٍ غَــــنا إِلى بُستانِ

وَأَرى التَــــنَزهَ قَد أَقامَ رَواقهُ ... بِفَضاءِ مَحموديةِ الرُضوانِ

وَأَرى بِرَأس التينِ كُل عَظيمَةٍ ... قامَت تُخبِرُنا عَن الإِيوانِ

وَأَرى الجَمالَ مَع الجَلال مُزَيناً ... بِجُموعِهِ منشيّةَ الإِتقانِ

ملهىً غُصون الماءِ فَوقَ غُصونِهِ ... كَالنَخلِ فَوقَ مَسارِحِ الغُزلانِ

وَأَرى عَلى الشاطي مسلَّتهُ الَّتي ... وَقَفَت بِهِ تَمحو الزَمانَ الفاني

وَأرى لِتذكار الفراعنَ فَوقَها ... رَمزاً يُبين عِنايَةَ اليُونانِ

نَقلت بهمتم لزينة ربعها ... وَنَظيرُها لا عاظم البُلدانِ

هِي إِبرَة الذات الَّتي اِشتَهَرَت بِها ... لَكِــــنَّهــــا وُضِعَت لِغَير بنانِ

وتقرّ عَيني في لِقائيكَ مُهجَتي ... فَيَصح سَعدي غالِباً لِزَماني

يا أَصدَق الخِلانِ في حفظِ الوَلا ... بَينَ المَلا يا أَلطَفَ الندمانِ

قَد ذُبتُ وَجداً في نَواكَ فَلَم أَعُد ... إِلّا اِشتِياقاً قامَ كَالجسمانِ

دَمعي شَرابي سَلوَتي ذكر اللقا ... قُوَتي رَجاءي قوَّتي هَيمالي

أَصبَحتُ يَعقوبَ الوَحيدَ بِحَسرَتي ... وَتَعذبي لِلبين مَع أَشجاني

وَغَدوتَ لي في مصر ثاني يوسفٍ ... لَكن بِحُبك صاحَ ما لَكَ ثاني

أَلقاكَ وَهماً في الرِياض وَفي الرُبى ... وَبِكُل مَأدبةٍ فَهَل تَلقاني

وَأَرى خَيالَك في الدِيار مُصوَّراً ... تَهــــفو إِلَيهِ مَعاشر الخِلانِ

وَعَلى فوادي قامَ كُرسي مَجدِهِ ... فَأَقامَ مُنَجَلياً بِخَير مَكانِ

أَصبَحتُ بَعدَكَ في الرُبوع مُضَيَّعاً ... أَجِدُ العَناءَ مضيِّعاً سُلواني

إِسكَندرُ القي سَماعَكَ لِلحِما تَلقَ ... الخَليلَ يَقول لا تَنساني

فَلقاكَ تَعزيتي وَلطفَكَ سالِبي ... أَبَداً وَحُبكَ في المَلا إِيماني

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • اسمها: أسم: أُسامَةُ: مِنْ أَسماء الأَسد، لَا يَنْصرِف. وأُسامة: اسْمُ رَجُلٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فأَما قَوْلُهُ: وكأَنِّي فِي فَحْمة ابْنٍ جَمِيرٍ ... فِي نِقابِ الأُسامةِ السِّرْداحِ فإِنه زَادَ اللَّامَ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ نَهَيتُ … (لسان العرب)
  • الرنان: رنن: الرَّنَّةُ: الصَّيْحَةُ الحَزِينةُ. يُقَالُ: ذُو رَنَّةٍ. والرَّنِينُ: الصِّيَاحُ عِنْدَ الْبُكَاءِ. ابْنُ سِيدَهْ: الرَّنَّةُ والرَّنِينُ والإِرْنانُ الصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ وَالصَّوْتُ الْحَزِينُ عِنْدَ الْغِنَاء … (لسان العرب)
  • المبارك: برك: البَرَكة: النَّماء وَالزِّيَادَةُ. والتَّبْريك: الدُّعَاءُ للإِنسان أَوْ غَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ. يُقَالُ: بَرَّكْتُ عَلَيْهِ تَبْريكاً أَيْ قُلْتَ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَبَارَكَ اللَّهُ الشيءَ وَبَارَكَ فِ … (لسان العرب)
  • الهرمان: هرم: الهَرَم: أقْصى الكِبَر، هَرِمَ، بِالْكَسْرِ، يَهْرَمُ هَرَماً ومَهْرَماً وَقَدْ أَهْرَمَه اللهُ فهو هَرِمٌ، مِنْ رِجَالٍ هَرِمِينَ وهَرْمَى، كُسِّر عَلَى فَعْلى لأَنه مِنَ الأَسماء الَّتِي يُصابُون بِهَا وَهُمْ لَهَ … (لسان العرب)
  • بجنابي: جنب: الجَنْبُ والجَنَبةُ والجانِبُ: شِقُّ الإِنْسانِ وَغَيْرِهِ. تَقُولُ: قعَدْتُ إِلَى جَنْب فُلَانٍ وَإِلَى جانِبه، بِمَعْنًى، وَالْجَمْعُ جُنُوبٌ وجَوانِبُ وجَنائبُ، الأَخيرة نَادِرَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، … (لسان العرب)
  • تطبيق: طبق: الطَّبَقُ غِطَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَطْباق، وَقَدْ أَطْبَقَه وطَبَّقَه انْطَبَقَ وتَطَبَّقَ: غَطَّاه وَجَعَلَهُ مُطَبَّقاً؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ تَطَبَّقَت السَّمَاءُ عَلَى الأَرض مَا فَعَلْتُ كَذَا. و … (لسان العرب)
  • حما: حمأ: الحَمْأَةُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأَسود المُنتن؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*، وَقِيلَ حَمَأٌ: اسْمٌ لِجَمْعِ حَمْأَةٍ كَحَلَق اسْمِ جَمْعِ حَلْقَة؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَاحِدَةُ الحَمَإ حَمَأَة كق … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة