أنـكـرتِ ليـل الصـمـت فـي حدقاتهِ

الشاعر: عبد القادر القصاب · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر عبد القادر القصاب، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أنـكـرتِ ليـل الصـمـت فـي حدقاتهِ — وضـفـرتِ لومـك مـن خـيـوط أنـاتـهِ

وتـركـتِ للكـلم العـنـانَ كـأنـهـا — خـطـب الزمـان تُـصـبُّ فـوق شـواتـهِ

مـا تـنـفـع العزماتُ يشمخ دونها — قـدر يـروغ الفـجـر مـن سـطـواتـهِ

فــلغـيـره يُـجـبـى المـلام فـإنـه — دهــرٌ يُــمِـرُّ الحـلوَ مـن ثـمـراتـهِ

مُلقىً على الميناء تخدعه الرؤى — وشــراعُه يــجــتــرُّ حــلم حــيـاتـهِ

يــتــرقــب الأربـاحَ وهـي عـزيـزة — وإذا تــهــبُّ هــوت عـلى رغـبـاتـهِ

وكـتـائب الآمـال يـسـقـط خُـضـرها — كـالنـجـم يـسـقـط مِنّ على صهواتهِ

عـبـثـاً تـعـلِّله السـنـون بـموتها — وغــدٌ كــأمــس مــولَّع بــشــكــاتــهِ

أفـبـالحـشـاشـة مـا تـزال ذبـالة — تـسـتـمـطـر المـجـهـولَ من شجراتهِ

خـلِّف شـجـاك إذا الغـيـوم تـلبَّدت — شـقَّ الربـيـعُ الطـلقُ ليـل سـباته

أوَ كـلمـا دجَـتِ الحـيـاة وجـدتُني — كــالهِــمِّ مـحـنـيـاً عـلى سـنـواتـهِ

يــتــذكــر الأيــامَ وهـي بـعـيـدة — والســحـب حـانـيـة عـلى نـظـراتـهِ

وإذا لمـحـتُ صـبـايَ رفَّ بـمـهـجـتي — بـلد نـهـلتُ العـذبَ مـن قـنـواتـهِ

غــافٍ وتــحــضــنـه التـلال كـأنـه — وطـــن تـــســيِّجــه أكــفُّ حــمــاتــهِ

والجـرد يـقـبـع بـيـنـهـا فتخاله — حــطــانَ تــمـسـكـه صـغـارُ بـنـاتـهِ

بـلد تـداعـبـه الصَّبـا فـتـنـيـمـه — ويــهــزُّه الغــربــيُ مــن رقـداتـهِ

بُــردت ليــاليــه وأُقــصـيَ صـيـفـه — فـالقـيـظ مـهـزوم عـلى عـقـبـاتـهِ

ومــســارح الأبــصـار فـيـه نـديَّة — والطــيــر سـاجـعـة عـلى أثـلاثـهِ

ومــــزارع وجــــنــــائن وجــــزائر — خـلعـت عـليـه السـحـرَ من نفثاتهِ

أخـلقـتُ فـيـه غـضـارتـي فـحـديـثُه — يـسـتـوقـف المـلتـمَّ فـي ظـلمـاتـهِ

ولوَ انـه الفـردوسُ كـنـتُ سـلوتـهُ — لكــنّ قـبـر الشـيـخ فـي رحـبـاتـهِ

فـإذا أقـمـتُ خـشـعـتُ عـنـد ضريحه — وإذا مــررتُ ســألتُ عـن حَـجـراتـهِ

طـودَ الشـريـعـة حـيـن يخطر طيفه — تـخـضـوضـل الأجـفـانُ مـن خـطراتهِ

ويـكـاد يُـشـخِـصـه الخيال قُبالتي — والجـمـعُ لا يـنـفـضُّ مـن حـلقـاتهِ

مــن كــل فــجٍّ يُــقــبـلون كـأنـهـم — سـيـل الحـجـيـج انـصبَّ في عَرفاتهِ

وتـكـاد طـلعـتـه الوقـور تروعُني — فـيـردّهـا التـحـنـانُ فـي بـسماتهِ

لولا شــهــور كــالجــدار تـوسَّطـت — مـا بـيـنـنـا لربـيـتُ فـي حُجراتهِ

وكـنَـزَتُ مـا يـبـقـى وعـشـتُ مسدِّداً — والزادُ مــا خــبَّأـتُ مـن دعـواتـهِ

بـعـد الثـلاثـين الطوالِ رأيتُني — أذرو الضـيـاءَ الغـضَ فـوق سماتهٍِ

وأفــصِّلــ الآيــات وهــي بــليـغـة — وأبــيِّنـ المـحـجـوبَ مـن لمـحـاتـهِ

والعـجـز يـأسـر جـانـحيَّ فإن أطف — طـوفَ النـسـائم لا أحـط بـهـباتهِ

مــا بــيــن مـولده ويـوم وفـاتـه — عــمــرٌ يــدلُّ عـلى بـديـع صـفـاتـهِ

أفـنـى بـدرب العـلم صـفـوَ شبابه — وأراق آخـــرَه عـــلى غُـــرفـــاتــهِ

وســواه هـمِّتـهُ القـريـبُ وطـالمـا — صُـرعـت جـمـوحُ الشـهـب تحت شباته

ومـفـاوز تـرك الجـسـورُ تـخـومَهـا — كـانـت جـواد الخـيـر فـي رحلاتهِ

رام الحـقـيـقـة فـالكـنانة قِبلة — والفــقـر يـقـلبـه عـلى جـمـراتـهِ

فـاسـتسهل الصعبَ الجنانُ وأصبحت — جــنــبـات أزهـرهـا رحـابَ صـلاتـهِ

وبــه دويُّ الطــالبــيــن كــأنـمـا — نــحــل يـطـوَّف بـيـن نَـور نـبـاتـهِ

أأبـا المـعـالي والشـعاب عسيرة — والخـبـز لا يـغـذوك غـيـر فُتاتهِ

شـظـفٌ أصـارفُ مـقـلتـيك عن العلى — والسـيـفُ لا يـرتـدُّ عـن هـجـمـاتهِ

فـجـنـيـتَ لا عـجـلاً ولا متواكلاً — والعـمـر يلقى الجهدَ من أكماتهِ

حـتـى ارتويتَ وفاح عرفك وابتدى — رطـبُ الفـروع البـعـدَ عن نخلاتهِ

وأشـيـرَ نـحـوك والوجـوه تـحـلِّقـت — والنـيـلُ يعطي الخير من دفقاتهِ

عــقــدان قــد غـبـرا وأوشـك آخـرٌ — ولمـصـرَ مـا أكـنـنـتَ مـن خـلجاتهِ

أفَـبـالحـسـيـن وجـدتَ كهفك فامحَّت — صـوَرث الذي قـد كـنـتَ من حسناتهِ

إن حـدثـوك عـن الإيـاب فقد جفا — وجـهٌ وبـان السـخـطُ فـي قـسـمـاتهِ

وتــشـاء قـدرتُه فـتـرجـع مـكـرهـاً — بـلدٌ يـمـوج الجـهـلُ فـي جـنـباتهِ

لله مـــردســـةٌ رفـــعـــتَ لواءهــا — كـانـت مـنـارَ الركـب فـي سفراتهِ

أفَــواحـةٌ والبـيـدُ تـزأر حـولهـا — والماء منبجسٌ بقلبٌ بقلب صفاته

جــلَّ الإله فــكــم هــنـالك زمـزم — والقـطـر يُـحـي القفرَ بعد مواتهِ

ونــمــاك بــيــت للنــبــوَّة بــاذخٌ — تــتـمـرغُ الأحـداقُ فـي عَـتـبـاتـهِ

فـكـسـاك مـن نـسـج التواضع بردةً — عـزّت عـلى الجـبـار فـي بـطـشـاتهِ

كــم مــوقــفًٍ لله كــنــتَ وقــفــتَه — هـتـكَ الظـلامَ الغـمرَ في غمراتهِ

وأطـلَّ وجـهـك كـالصـبـاح وقد بدا — نـورُ اليـقـيـن يـلوح مـن طرقاتهِ

مـالان ثـوبُـك والسـنـون ثـقـيـلة — والمـجـد يُـقـبِـل مـن جميع جهاتهِ

وطـعـامك الخشن البسيط ولو هفت — نـفـس تـنـادى الخـيـرُمـن فـلواتهِ

وسواك يملخ في الحرام وأنت في — وادي الحـلال تـفـرُّ مـن شـبـهاته

حـتـى استقام لك الطريقُ وأسفرت — تـلك الغـيـوم ولحـتَ بـيـن هداتهِ

تـخـتـال بـيـن الواصـليـن ومـنهلٌ — يـرتـد حـادي القـوم عـن رشـفاتهِ

تـسـعـون تـحـمـلهـا وتـحمل فوقها — مـا تُـصـدع الأجـيـال مـن تبعاتهِ

لو كـان رأيَـك ما استقمتَ وإنما — غَـرَسَ الجـلادةَ فـي صـدور دُعـاتـهِ

وإذا اسـتـبان السهمُ موطنَ غَرزه — بـلغَ النـهـايـةَ فـي عـيون رماتهِ

أعـوامـك المـائة الكـبار ترجّلت — ودنـا الرحـيـلُ وثَـمّ رجـع حـداتهِ

ورمـيـتَ أغـطـيـة الفـناء فأشرفت — نـفـس عـلى المـكـنـون في حرماتهِ

واسـتـسـلم الجـسد الطهور وفوقه — سـمـة القـبـول تـشـعُّ مـن سـكناتهِ

وغـربـتَ مـنـفـرداً وخـلفـك يـنحني — بــلدٌ تـمـشَّى الليـل فـي نـدواتـهِ

هـرعـوا يـحـيون الأخيرة والأسى — مـلأ الحـزيـنَ فـكـان فـي عَبراتهِ

وألنــتَ أفــئدةً فــدونــك مــجـهـشٌ — ومـــفـــكـــرٌ ومـــصـــعِّدٌ زفـــراتــهِ

الصـوتُ صـوتُـك مـا يـزال بـسمعهم — والعـلمُ عـلمُـك فـي صـدور رواتـهِ

هـيـهـات تـسـلاك القـلوبُ حياتَها — مـوتُ العـظـيـم الحـرَّ بـدءُ حياتهِ

مـا مـهـديَ التـمرَ المدينَة إنما — ســبــبٌ لأقــطـف جـاهـداً بـركـاتـهِ

وأنـا أغـيـرُ قـصـيـدة كـلمـاتـهـا — عَــلم تــمـدَّد فـي حـمـى هـضـبـاتـهِ

تـعـدو الرجـال تـودُّ تـدرك شـأوه — هـيـهـات أن يُـخـطـى عـلى خـطواتهِ

إن الطـيـور لهـا السـفوح فسيحة — لكــنــمــا أوج الســمــا لبـزاتـهِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحلو: (حَلَوَ) الْحَاءُ وَاللَّامُ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَلٌّ، ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: فَالْأَوَّلُ طِيبُ الشَّيْءِ فِي مَيْلٍ مِنَ النَّفْسِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ مَهْمُوزٌ - تَنْحِيَةُ ال …
  • السنون: السَّنُونُ . ما يُسْتَنُّ به من دَواءٍ لتقوية الأسنانِ وتنظيفها؛ وصَفَ لي طبيبُ الأسنانِ سَنُوناً جيِّداً.
  • الميناء: المِينَاءُ [وني]: مرفأُ السُّفُن؛ هو يعمل حمّالاً في الميناء.-: جوهر الزّجاج.-: طلاء تُغشَّى بها المعادن وغيرها؛ اشتهر هذا الصائغ بصنع الأسوار المطليّة بالميناء ج موَانِئُ.
  • بموتها: موت: الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: المَوْتُ خَلْقٌ مِنْ خَلق اللهِ تَعَالَى. غَيْرُهُ: المَوْتُ والمَوَتانُ ضِدُّ الْحَيَاةِ. والمُواتُ، بِالضَّمِّ: المَوْتُ. ماتَ يَمُوتُ مَوْتاً، ويَمات، الأَخيرة طائيَّة؛ قَالَ: بُنَيَّ، يَ …
  • تخدعه: تَخَدَّعَ يَتَخَدَّع تَخَدُّعاً : تكلًف الخداع، أي إظهارَ خلافِ ما يبطن؛ يحاول أن يتخدع بطريقة ساذجة.
  • تعلله: تَعَلَّلَ يَتَعَلَّلُ تَعَلُّلاًْ : - بالأَمر: اتّخذه حجّة لتبريرعملٍ ما؛ تَعَلَّل بالمرض لتغيُّبه عن العمل. - به: تَلَهَّى؛ تَعَلَّلَ بالأمل. - ت المرأَةُ من نفاسها: خرجت منه.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة