من كان في عقل وفي انتباه

الشاعر: عبد القادر القصاب · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية

هذه القصيدة من شعر عبد القادر القصاب، من العصر الحديث، وتقع في 116 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة دينية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

من كان في عقل وفي انتباه ... فلا يدين غير دين الله

الدين فاعلم رأس مال المسلم ... والربح معدوم إذا لم يسلم

فالقول بالحلول واتحاد ... مقال أهل الزيغ والإلحاد

كالقول بالعلة والطبيعة ... فهو من العقائد الشنيعة

وقد أقام الله فينا علمَا ... أئمة يبنون ما تهدما

مثل الامام الشيخ بدرالدين ... ذي العزم والرسوخ والتمكين

أدامه الله لشرع المصطفى ... ودينه القويم سيفاً مرهفا

وفي كتاب الصادح والباغم ... تحاور الطيور والبهائم

نظم أبي يعلى نظام الدين ... بيّن فيه غاية النبيين

رداً عــــــلى أولئك الطـــــغـــــام ... المنكرين البعث للأجسام

جنيت منه والتقطت دررا ... وزدت فيه بعض ما تيسرا

ونــــصــــه فــــي ذلك الكــــتــــاب ... حدثني شيخ من الأعراب

قــــال خــــرجــــت رائداً لأهــــلي ... وكان ذاك العام عام محل

فسرت من بيرين نصف ميل ... وقد ضللت لقم السبيل

وكنت إذ ذاك غلاماً يفعه ... لكن قواي كلها مجتمعه

جسمي جميع وجناني حاضر ... ماض على الهول جسور شاطر

فعندما أيقنت أني جائر ... عن مقصدي قمت كأني حائر

استرشد الرياح والنجوم ... قد سترتها دوني الغيوم

فلاح لي شخص قريب مني ... فارتعت من ذاك وساء ظني

فخلته الغول فجاشت نفسي ... لأنــــها لم تك أرض أنسي

حتى إذا ما اشتد منه خوفي ... عقلت نضوي وجذبت سيفي

فبان لي إذ لمع الحسام ... وانجاب عن لألائه الظلام

نخل وأثل فقصدت قصده ... وقلت أمسي وأبيت عنده

حتى إذا ماجئته وجدته ... يهفو على روض كما أردته

عيون ماء ورياض أشبه ... تسمع فيها للطيور جلبه

فقلت هذا منزل أنيق ... وأنه بنجعتي خليق

ثم عقلت ناقتي في شجره ... ونلت من بعض النخيل ثمره

ثم صعدت نخلة لأهجعا ... في رأسها من الأذى ممتنعا

وانقشع السحاب عن وجه القمر ... فبان لي ما كان يخفى وظهر

وجاء ببر وهزبر ونمر ... والوحش والطير جميعاً تبتدر

والحشرات رجلها ودقها ... مفتنة في خَلقها وخُلقها

وارتفع العنقاء فوق دلبه ... وهو أمير الطير يبغي الخطبه

فقال حمدالله خير نطق ... وشكره فرض مبين الحق

الحمد لله على ما خصني ... به من الخلق البديع الحسن

أفردني من لطفه وحكمته ... بصورة شاهدة بقدرته

حتى لقد كذب بي الطغام ... وشـــــك فـــــي وجــــودي الانــــام

لأنهم خصوا بضعف وصغر ... فحسبوا مثلهم كل الصور

فانكروا ما خرق العادات ... وكــــــذبــــــوا روايــــــة الرواة

فان يكن دينهم التكذيب بي ... فليس ذاك منهم بالعجب

لأنهم قد كذبوا بالصانع ... وانكروا البعث ليوم جامع

لجوعهم والجهل شر شيمة ... جاءت مع الناس من المشيمة

فهم عبيد الحس والعيان ... وخصماء العقل والبرهان

لا يقبلون شاهداً غير النظر ... ولا يطيعون العقول والفكر

ومنهم من يجحد الملائكة ... والجن أيضا والأمور الشائكة

كذاك لو لم ينظروا السماء ... لأنكروا النجوم والأنواء

سقف رفيع فوقهم بلا عمد ... ما فيه أمت شائن ولا أود

وخيمة ليس لها أطناب ... يعجز عن أوصافها الأطناب

وكوكب ينظر في كل بلد ... كــــانه مسامت كل أحد

لو فكروا في جرم هذا المشرق ... حتى يرى بمغرب ومشرق

فــــي حــــالة واحــــدة كــــأنــــه ... فوقك أو عليك منه جنه

والأرض فيها عبرة للمعتبر ... تخبر عن صنع مليك مقتدر

تسقى بماء واحد أشجارها ... ونــــبــــعَةٌ واحدة قرارها

والشمس والهواء ليست تختلف ... وأكلها مختلف لا يأتلف

كــــذاك كــــل حــــيــــوان أصــــله ... من نطفة وقد تفاوت نسله

فإننا في شاهد الحس نرى ... هذا أتى أنثى وهذا ذكرا

وواحــــد تراه مثل العاج ... لونـــــاً وأخـــــر كـــــليـــــل داج

لو أن ذا من عمل الطبائع ... أو أنه صنعة غير صانع

لم يختلف وكان شيئاً واحدا ... هل يشبه الأولاد الا الوالدا

تقول لو أردت الاستدلالا ... لفعل غير ربنا تعالى

لو طبخ الطباخ ألف قدر ... بالماء واللحم وحب البر

ماجاءه من بعضها سكباج ... ولا قــــــليــــــات وســـــوربـــــاج

بل كلها هريسة إذ أصلها ... متفق لم يتفاوت أكلها

والشمس والهواء يا معاند ... والماء والتراب شيء واحد

فما الذي أوجب ذا التفاضلا ... إلا حكيم لم يرده باطلا

وزعموا أن النجوم صانعة ... وأنــــهــــا ضائرة ونافعة

قد كذبوا والله فيما زعموا ... وعن سبيل الرشد ضلوا وعموا

ثم الدليل الواضح المبين ... لفــــعــــل رب مــــاله مــــعين

ما صاغه إمام أهل الأدب ... بقوله المسبوك سبك الذهب

فــــي ســــاعــــة يــــولد ألف ألف ... وحالهم نهاية في الخلف

فواحد يموت في مكانه ... وواحد يعيش في أقرانه

وواحد ذو ثروة تطغيه ... وواحد شبعته تكفيه

وواحد حبر تقي ناسك ... وواحــــد غــــر جهول فانك

وواحد عبد ذليل مضطهد ... وواحد حر مليك معتمد

وواحد في خَلقه وخُلقه ... ريح الصبا أو قمر في أفقه

وواحد ينوب عن جهنم ... بوجهه ورأسه المسنم

وواحــــد لكــــل ظــــطــــرف ظــــرف ... وواحـــــد فـــــظ غــــليــــظ جــــلف

ألفاظه غليظة معجرفة ... لا يعمل الفأس بها والمجرفة

وواحد يفجاك بالعياط ... كــــأنه يضرب بالسياط

وواحد كلامه مُخافته ... تأمن في خطابه مخافته

وواحد إذا سمعت صوته ... تتمنى عن قريب موته

وواحد إذا سمعته صوته ... تخشى على طول الزمان فوقه

وواحــــد في صوته اللحّان ... كأنه القمري على الأغصان

وواحــــد تــــسدُّ منه أذنك ... من غير أن يعلمك أو يؤذنك

وواحد يمشي وفيه ثِقَل ... كأنه على القلوب جبل

لو أنه بالنيل يوماً مرا ... لصار في الحال أجاجاً مرا

فاقرأ عليه سورة الزلزال ... ينحط عنك ثقل الجبال

فاقرأ عليه سورة الزلزال ... لعــــــــله يـــــــؤذن بـــــــالزوال

وواحد في أكله يرعى الأدب ... وواحــــد يأكل ما هب ودب

وواحد في سمته سلطان ... وواحد في طيشه شيطان

وواحــــد أحــــمــــوقــــة شموس ... وواحـــــــد مـــــــدبــــــر ســــــؤوس

دواء كل أحمق أن يُتركا ... إن رضاه غاية لن تدركا

وواحــــد أســــعــــد مــــن عــــروس ... وواحــــد أســــأم مــــن بــــســــوس

وواحد مثل غراب البين ... يخبر بالشر وكل شين

وواحد إن جاء من يناصح ... يظنه قرناً به يناطح

وواحــــــد بـــــصـــــره حـــــديـــــد ... مرمامه إذ يرمي به بعيد

وواحــــد بــــصــــيــــرة وبصرا ... أعمى يراه غيره ولا يَرى

وواحد أعشى عشى الخفاش ... يناطح الحيطان وهو ماش

وواحد يجول مثل قسورة ... يوم الوغى ميمنة وميسرة

وواحد كالألف في الشدائد ... والألف فيها لا يفي بواحد

وواحـــــد كـــــف له مــــبــــســــوط ... وواحـــــد كـــــأنـــــه مـــــربــــوط

وواحـــــد يـــــجـــــود بـــــالالوف ... وواحد يؤذيه خيط الصوف

وواحد إذا تمطى وسطا ... اهدى إلى القبيح من طير القطا

وإنــــه عــــنــــد ذوي الألبــــاب ... أضل في الخير من الغراب

وواحــــد كــــلامه كالسحر ... وواحــــد كــــلامه كالصخر

وواحــــد في نطقه يسرُ ... تــــود لو أنــــه يــــســــتــــمــــر

وواحد لا تشتهي أن تسمعه ... يبغي حزاماً دائماً وبردعة

سبحان من يختص بالأسرار ... من شا من العبيد والأحرار

سبحان من يختص بالأسرار ... ما شا من الأخشاب والأحجار

سبحان من يختص بالأسرار ... ماشا من الزروع والأشجار

سبحان من يختص بالأسرار ... ما شا من الحبوب والثمار

لو أن ذا من عمل الطبائع ... ما اختلفوا في الوصف والصنائع

بل هو من فعل حكيم قادر ... وخالق للعالمين فاطر

تــــخــــالف ليس له نهاية ... في بعضه عن كله كفاية

والحمد لله على التمام ... والشكر في بدء وفي الختام

ثم الصلاة والسلام أبداً ... على ختام المرسلين أحمدا

ثــــم عــــلى أصــــحابه والآل ... أهل التقى والعلم والكمال

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الزيغ: زيغ: الزَّيْغُ: المَيْلُ، زاغَ يَزِيغُ زَيْغاً وزَيَغاناً وزُيُوغاً وزَيْغُوغةً وأَزَغْتُه أَنا إِزَاغَةً، وَهُوَ زائِغٌ مِنْ قَوْمٍ زاغةٍ: مالَ. وقومٌ زاغةٌ عَنِ الشَّيْءِ أَي زَائِغُونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا لَ … (لسان العرب)
  • الصادح: صدح: صَدَحَ الرجلُ يَصْدَحُ صَدْحاً وصُداحاً، وَهُوَ صَدَّاحٌ وصَدُوحٌ وصَيْدَحٌ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِغِنَاءٍ أَو غَيْرِهِ. والقَيْنَةُ الصادحة: المغنية. والصَّيْدَحُ والصَّدُوحُ والمِصْدَحُ: الصَّيَّاحُ. وصَدَحَ الطائرُ و … (لسان العرب)
  • القويم: قوم: القِيَامُ: نَقِيضُ الْجُلُوسِ، قَامَ يَقُومُ قَوْماً وقِياماً وقَوْمَة وقَامَةً، والقَوْمَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: قَالَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ أَراد أَنْ يَشْتَرِيَهُ: لَا تَشْتَرِنِي فَإِنِّي إِ … (لسان العرب)
  • المسلم: سلم: السَّلامُ والسَّلامَةُ: الْبَرَاءَةُ. وتَسَلَّمَ مِنْهُ: تَبَرَّأَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: السَّلامة الْعَافِيَةُ، والسَّلامةُ شَجَرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، مَعْنَاه … (لسان العرب)
  • بالحلول: حلل: حَلَّ بِالْمَكَانِ يَحُلُّ حُلولًا ومَحَلًّا وحَلًّا وحَلَلًا، بِفَكِّ التَّضْعِيفِ نَادِرٌ: وَذَلِكَ نُزُولُ الْقَوْمِ بمَحَلَّة وَهُوَ نَقِيضُ الِارْتِحَالِ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ: كَمْ فاتَني مِنْ كَريمٍ كَ … (لسان العرب)
  • تحاور: حور: الحَوْرُ: الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ وإِلى الشَّيْءِ، حارَ إِلى الشَّيْءِ وَعَنْهُ حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُوراً: رَجَعَ عَنْهُ وإِليه؛ وَقَوْلُ الْعَجَّاجِ: فِي بِئْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ أَراد: فِي … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • ما فاز الا الساكت الصموت
  • قصيدة
  • قصيدة