مـــســـراكَ نــورٌ وأنــســامٌ وأنــداءُ
الشاعر: علي محمود طه · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مـــســـراكَ نــورٌ وأنــســامٌ وأنــداءُ — فـاخـفقْ شراعي وطِرْ يصدحْ لك الماءُ
يـا أيـهـا القـلقُ الحيرانُ كم أملٍ — تـشـدو بـه مـوجـةٌ فـي البحر عذراءُ
يـحـدوكَ بـالنـغـم السـكرانِ أرغنُها — فــي مَــسْــبــحٍ مــاؤه زهـرٌ وصـهـبـاءُ
أمـا تـرَى البـحـرَ يبدو في مفاتنهِ — لكـــل حُـــبٍّ جـــديـــدٍ فــيــه أجــواءُ
وفــجــرهُ صــائدٌ طــارتْ بــمــهــجــتِهِ — حــوريَّةــٌ فــي فــجـاج اليـمِّ شـقـراءُ
وليــلهُ مــرقــصٌ تــغــشــاهُ غــانـيـةٌ — فـــي مُـــطـــرَفٍ أســـود وشَّاــهُ لألاءُ
شـــتَّى مـــواكـــبَ مـــن حــورٍ وآلهــةٍ — لهـا التـفـاتٌ إلى المـاضي وإصغاءُ
تــهــزُّهــا بــقــديـم الشـوقِ أشـرعـةٌ — مــــرنَّحـــاتٌ تُـــغـــنِّيـــهـــن أنـــواءُ
يــقــودهــنَّ عـلى الأمـواج فـي مَـرحٍ — مـــلاَّح وادٍ له بـــالتِّيـــه إِغـــراءُ
مـا بـين عينيه سال البرقُ مبتسماً — واســتــضــحـكـتْ قـلبَهُ مُـزنٌ وهـوجـاءُ
زوَتهُ عنها السنون السبعُ واختلفتْ — عـليـه مـن بـعـدهـا نُـعْـمَـى وبـأساءُ
مُــغَــرَّبــاً فــي ديـارٍ مـن عـشـيـرتـه — بـــهـــا الأحــبَّةــُ حُــسَّاــدٌ وأعــداءُ
وقــيــلَ كــفَّتــْهُ عـن دنـيـا شـواردهِ — بــيــضــاءُ مـن شَـعَـراتِ الرأس غـرّاءُ
لا يـا غـرامي وهذا الفنُّ مِلءُ دمي — بــالنَّاـر والصَّبـواتِ الحـمـر مـشَّاـءُ
مـا أَفـلَتـتْ مـن يـدي غـيداءُ عاصيةٌ — إلا وعــادتْ إليــهــا وهـي سـمـحـاءُ
وذاك شــاطــئنـا المـسـحـور تـزحُـمُهُ — مــن ذكــريــاتــكَ أطــيــافٌ وأصــداءُ
عـلى الصـخـور الحـواني من مَشارفهِ — ربَّاــــتُ وحــــيٍ وأشــــواقٌ وأهــــواءُ
أقــمـن مـنـتـظـراتٍ مـا شـكـونَ ضـنـىً — وقــد تــعــاقــبَ إِصــبــاحٌ وإِمــســاءُ
حــتــى رأتــنــي عـلى بُـعْـدٍ مـطـوَّقـةٌ — مـجـروحةُ الصوتِ ولهى اللحن سجواءُ
هــمَّتـْ تُـغـنّـي فـكـانـت نـبـأةً وصـدىً — صَــحَــتْ لوقــعــهــمــا دوحٌ وأفــيــاءُ
عـرائسَ الشـعر قد عاد الحبيبُ وفي — عــيــنــيـه سـهـدٌ وتـعـذيـبٌ وإِضـنـاءُ
آب المـغـامـرُ مـن دنـيـا مـتـاعـبـه — أمــا لهُ راحــةٌ مــنــهــا وإِغــفــاءُ
دعِـيـهِ يـحـلُمْ بـأن البـحـر فـي دعةٍ — والريــحَ نــاعــمــةٌ والأرضَ قـمـراءُ
وأنــهــا فــي ظـلال السِّلـم نـائمـةٌ — وأنــــهـــا جـــنَّةـــٌ للحـــبِّ غـــنَّاـــءُ
وقــرِّبــي كــأســهُ واصــغــي لمـزهـره — يُـسْـمِـعْـكِ أَشـجـى نـشـيـدٍ زفَّهـُ الماءُ
وقـيـل لبـنـانُ سحرُ الشرق فاندفعتْ — ســفــيــنــةٌ وهــفـتْ بـالشـوق دأمـاءُ
أَوحــى له الشــرقُ أنَّاـ مـن أحـبَّتـِهِ — وأنـــنـــا فــي الهــوى أهــلٌ أودَّاءُ
فــقــرَّبــتــنـا وشـفَّتـْ عـن بـشـاشـتـه — بــه قُــرىً كــربــوع الخــلد شـجـراءُ
فــي كــل مُــنْـحـدرٍ مـنـهـا ومـرتـفـع — مـسـحـورةُ النَّبـع ريَّا النَّبت جلواءُ
فَــعُــلِّقَــتْ بــمــغــانــيـه نـواظـرُنـا — وقــبَّلــتْ نــســمــات الأرز حــوبــاءُ
واسـتـقـبـلتـنـا طـيـورٌ في مناقرها — شــدوٌ وزيــتــونــةٌ للشــرقِ خــضــراءُ
تُــرقِّصــُ المـوجَ إنْ مَـسَّتـْهُ أجـنـحُهـا — كــــقــــلبِ آدمَ إذ مَــــسَّتـــْهُ حـــواءُ
فــي ســاحــلٍ مــن خـرافـاتٍ وأخْـيـلةٍ — بــــهــــنَّ لبــــنــــانُ روَّاحٌ وغــــدَّاءُ
لاحـتْ عـلى سـفـحـه بـيـروتُ فـاتـنـةً — صــبــيَّةـً وهـي مـثـلُ الدهـر شـمـطـاءُ
تــوسَّدتْ صــخــرةَ الآبـاد والتـفـتـتْ — تـرعـى سفائنُ من راحوا ومن جاؤُوا
أتــلك بــيــروتُ أم مـن بـابـلٍ صُـوَرٌ — مــعــلقــاتٌ لهــا بــالسـحـر إِيـحـاءُ
شُـغْـلُ العـبـاقـرة الشـادين من قِدَمٍ — مــجـدديـن لهـمْ فـي المـجـد أسـمـاءُ
وأومـأتْ بـالهـوى عـاليُّ فـاعـتـنـقتْ — مــن حــولنــا ثَــمَّ أظــلالٌ وأضــواءُ
قــامــتْ تُـنَـسِّقـُ مـن مـاءٍ ومـن شـجـرٍ — فـــكـــلُّ نـــاحـــيــةٍ زهــرٌ وأجــنــاءُ
كــأنــمـا نُـبِّئـَتْ مـن عـشـتـروت لقـىً — فــازَّيــنــتْ فــهــي سـيـقـانٌ وأثـداءُ
تـقـول يـا ربَّةـَ الحسن انظري وصِفي — أفـوقَ واديـكِ مـثـلي اليـوم حـسناءُ
عــاليُّ رِفــقــاً بــأَبــصــارٍ مُــدلَّهَــةٍ — لَهـا إِلى الحُـسـنِ بـالأَلبابِ إِفضاءُ
عــاليُّ إنَّاـ نـشـاوى مـن هـوىً وأسـىً — إنَّاــ مــحــبُّون يــا عــاليُّ أنــضــاءُ
وحــانَ بَــعــدُ وداعٌ مــن فــرادسـهـا — وقـد جَـرَتْ بـخُـطـى الشـمس المُليْساءُ
فـاغـرورقـتْ بـدمـوعِ الوجـدِ أعيننا — وأشـفَـقَـتْ مـن وجـيـب القـلب أحـناءُ
وســار عــنــهــا شــراعٌ حــائرٌ قــلِقٌ — له إلى الغَـرْبِ بـالأسـفـارِ إِيـمـاءُ
يـا بـحـرُ مـا بـكَ هـل مَـسَّتـكَ عاصفةٌ — أم اســـتـــخـــفَّكـــَ إِزبــادٌ وإِرغــاءُ
أشــاقــك الغــربُ أم شـفَّتـكَ مـوجـدةٌ — لمـا خَـبَـتْ مـن ربـوعِ الشـرق أسناءُ
هـذي السـمـاءُ صـفـاءٌ والدُّجـى قـمَـرٌ — للحـسـن فـيـه وللعـشَّاـق مـا شـاؤوا
يا بحرُ ما بكَ ما بي مصرُ ما بَعُدَتْ — ولي إليــهـا بـهـذا الشـعـر إِسـراءُ
عَـجِـبْـتُ والعـصـرُ حـرّ كـيـف في يدها — هـــذا الحـــديـــدُ له حَـــزٌّ وإِدمــاءُ
أقـسـمـتُ لا رجـعـتْ بـي فـيـكَ جاريةٌ — إنْ لم تجىء عن جلاءِ القوم أنباءُ
وأن مــصــر بــحــريَّاــتــهــا ظــفِــرتْ — فــأهــلهــا اليــوم أحــرارٌ أعــزَّاءُ
أقـسـمـتُ إلَّا إذا نـادتْ بِـفـتـيـتها — فــهــبَّ مــســتــقــتــلٌ عـنـهـا وفـدّاءُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التفات: [ل ف ت]. (مصدر اِلْتَفَتَ). "الالْتِفَاتُ إلَى الْوَرَاءِ" : مَيْلُ الوَجْهِ...
- الحيران: الحَيْرَان : المتَحَيِّركالَّذِي اسْتَهْوتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ مؤ حَيْرَى ج حَيَارَى.
- السكران: السَّكَرَانُ : نباتٌ مُعمّر من الفصيلة الباذنجانيّة، ينبت في الصّحارى المصريّة والهند، له أغصان كثيرة تخرج من أصل واحد، أوراقه عصيريّة، وأزهارُهُ بنفسجيّة، يُستعمل في الطّبّ.
- القلق: قلق: القَلَقُ: الِانْزِعَاجُ. يُقَالُ: بَاتَ قَلِقاً، وأقلَقَهُ غَيْرُهُ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وَضِينُها، ... مُخَالِفًا دِينَ النَّصارَى دِينُها القَلَقُ: الِانْزِعَاجُ، والوَضِينُ: حِزَامُ الرَّحْ …
- بالنغم: نغم: النَّغْمةُ: جَرْسُ الْكَلِمَةِ وحُسْن الصَّوْتِ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ حسَنُ النَّغْمَةِ، وَالْجَمْعُ نَغْمٌ؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيّة: وَلو انَّها ضَحِكت فتُسمِعَ نَغْمَها ... رَعِشَ المَفاصِلِ، ص …
- بقديم: القَدِيم : ما أوْ مَنْ مضى على وجوده زمن طويل، خلاف الحديث؛ بيت قديم يكاد يتهدم/ أستاذ قديم له خبرته/ إنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ القدِيمِ/ منذ زمن قديم/ في القديم كانوا يفعلون كذا/ المحاربون القدماء، هم الذين حاربوا في حروب م …