خَرَجت مِن بَعض ضُروب البَصره

الشاعر: ابن الهبارية · البحر: الرجز

هذه القصيدة من شعر ابن الهبارية، من العصر الفاطمي، وتقع في 211 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خَرَجت مِن بَعض ضُروب البَصره ... في رفقة مِن عامر للعمره

حَتّى إِذا كُنا عَلى رَمل الحمى ... وَقَد خَبطنا جَوف لَيل مظلما

في لَيلة باردة مطيره ... رِياحها شَديدة كَثيرة

قالَ أَصيحابي اِنزلوا فعرسوا ... فَاللَّيل داج وَالرِّفاق نعسوا

فَعرس القَوم بِواد ذي شَجر ... وَلَم أَزَل أربؤهم إِلى السحر

في لَيلة ذات رِياح وَمَطر ... لا نجم في سَمائِها وَلا قمر

حَتّى إِذا الفَجر بَدا للناظر ... وَحانَ حينَ رحلة المُسافر

هَب أَصيحابي مِن الرّقاد ... إِلى ظُهور الإبل وَالجِياد

وَثوروا وَانطلقوا خلست ... وَقُلت لا ضير إِذا احتبسَت

فَظلت في أَصل كناس للحمر ... وَقَد سكرت بِاللغوب وَالسهر

فَنمت للحين جَميع يَومي ... ثَم اِنتَبَهت فَرقاً مِن نَومي

فَقُمت مَرعوباً مَع الأَصيل ... جوعان عَطشان بِلا دَليل

اعتكر اللَّيل وَزادت حيرَتي ... في جنحِهِ وَجوعَتي وَخيفَتي

وَلَم أَجد في الحَزم غَير المَكث ... في مَوضِعي خَوف التوى وَاللبث

وَقُلت إِن سرت بِغَير هادي ... ضَللت في أضواج هَذا الوادي

وَخِفت مِن سِباعه وَجنه ... وَلَم أَبــــل مِــــن سَهلِهِ وَحُزنِهِ

ثَم هَجَمت في مَكاني جاثِماً ... وَكُنتُ في ذاكَ الهُجوم حازِما

وَلَم أزَل انظُر في النَواحي ... وَأرهــــب الجَــــرس مِن الرِّياح

حَتَّى بَدا شَخص فَحدقت النَّظَر ... وَلَم أَكد أثبتهُ مِن الحَذَر

ثُــــم بَدا لي فَرَأيت رَجُلاً ... شَيخاً يُناجي صاحِباً مكتهلا

قَد أَكثَرا الخِصام وَالجِدالا ... وَأَعلَنا الشِّجار وَالمَقالا

وَافتخرا وَكَثرة المُفاخرة ... تَدعو إِلى العِناد وَالمُشاجرة

فَكانَ قَول الشَّيخ قومي الهند ... الحُــــكماء العُلماء اللد

لَهــــم عــــلوم وَحــــلوم وَفطن ... وَحكمة بالغة إِذ تمتحن

لَو لَم يَكُن من فضلِهم إِذ يختبر ... فَضل الرِّجال منصف وَيعتبر

إِلا الَّذي أَبدوه في الشطرنج ... لِلناس مِن علم سَديد النهج

جد عَظيم لَقبوه هَزلا ... يَصير الرأي الأفين جزلا

فــــيهِ إِشارات إِلى مَواعِظِ ... نــــافِــــعة لِكُل واع حافِظ

قَد رَسَموها لِلهُدى مِثالاً ... أَن الحَكيم يَضرب الأَمثالا

يَعنون أن العَيش في التَدبير ... وَلَيسَ بِالقسمة وَالتقدير

وَالمَرء لِلأَفعال مُستَطيع ... مُحكم يحفَظ أَو يضيع

وَذَلِكَ العَــــــدل بِــــــلا خِــــــلاف ... لَو وفــــق الرِّجــــال لِلإنصاف

قالَ لَه الكَهل وَقَومي الفرسُ ... الحُكماء ما بِذاكَ لَبس

لَهُم سِياسات وَتَدبير حسن ... كَالشّرع عَدلاً في الفُروض وَالسنَن

وَملكهم معتضد بِالحكمه ... كَأَنَّهُم قَد أيدوا بالعصمه

لا نَعبد الأَصنام وَالأَوثانا ... وَلا نَرى الظُلم وَلا العُدوانا

وَالعَيش بِالرزق وَبِالتقدير ... وَلَيسَ بِالرَأي وَلا التدبير

وَقَد وضَعنا النرد لِلمثال ... لَو فطنت بَصائر الرِّجال

وَما قَصدنا بِالفصوص اللعبا ... حاشا لَنا لَكن قَصَدنا الأَدَبا

وَإِنَّما سمى لعباً حيله ... تَخفى بِهِ ما فيهِ مِن فَضيلَه

وَإِنَّمــــا يَــــعشقه الرِّجال ... لأَنَّهــــُ لَعــــب كَــــمــــا يُقال

وَلَو دَروا أَن المُــــــــراد الأَدَبُ ... بِوضعِهِ وَصُنعِهِ ما لَعبوا

فَالحَق قَد تعلمه ثَقيل ... يــــأبــــاه إِلا نَفَر قَليل

وَأَنما أَخفيت المَصالح ... وَموه القَول الشَّفيق الناصح

وَدَلَســـــتُ بِـــــظـــــاهـــــر اللذات ... كَم راحة تَكمن في أَذاة

كَمثلما رَكبت الأَلحان ... وَوضعت للحكمة العيدانُ

يَظنها الجاهل لَهواً وَلَعب ... وَلَو دَرى بِوضعِها ماذا طُلب

مِن راحة الروح وَبَسط النفس ... وَهزها لطبعها بِالأنس

لَم يَستَمع قط الغناء وَنَفر ... عَنهُ لان الحَق ما فيهِ وَطر

قالَ لَهُ الهندي هَذي حجَتي ... سَلَكت فيما جئته مَحجتي

شَطرنجنا لمثل هَذا وَضعا ... أَول فَن في العُلوم اِخترعا

وَفَضله باد بِغَير مين ... ما أَوضَح الصُّبح لذي عَينين

وَإِن بُرهاني فيه ظاهِر ... وَالحَق لا يَدفعه المكابِرُ

يَكفيك مِن شاهد ما ذكرته ... أَمر بِعَيني هَذهِ نَظرته

أعــــدل قــــاض قَــــلد العيانُ ... وَلَيسَ فَوقَ حُكمِهِ بُرهانُ

إِن الأَمير المزيديَّ صدقه ... بِنَفسِهِ الفاضلة الموفقة

نالَ العُلا وَساسَ أَمر ملكه ... حَتّى غَدا منتَظِماً في سلكه

وَلَيسَ شَيء غَيره يُساعده ... بَل كُل شَيء في الوَرى يُعانده

الوَقـــــت وَالقِـــــران وَالرِّجــــال ... وَهوَ بِلُطفِ رَأيهِ يَحتال

بِــــــجـــــده وَلطـــــفـــــه وَكَـــــده ... وَحذقه في كَيدِهِ لا جنده

فبان أَن الأَمر بِالمحاله ... كَفى بِما ذَكَرتهُ دَلاله

أَول رَمز في اِعتِبار الطَّبَقه ... لأَنَّها عِندَهُم محققه

لا يَلعَبنَّ أَبَداً مَع مُحسن ... مجود فذاكَ فعل الأَرعن

كَــــذاكَ لا تُحارب القويا ... مِن العَدو إِن تَكُن ذَكيا

فَإِن من حارب من لا يَقوى ... بِحَربِهِ جَر عَلَيهِ البَلوى

وَحارب الأَكفاء وَالأَقرانا ... فَالمَرء لا يُحارب السلطانا

وَإِن من رُموزِها لَو يعتبر ... لاعبها بِأَمرِها وَيَفتَكر

يا أَيُّها الإِنسان كُن في الدنيا ... كَلاعب الشطرنج وانحُ المَعنى

محترِزاً مِن العَدو مُحتَرس ... تَنج وَتَسلم مِن أَذاه وَتكس

فَالحين في الأَهوان وَالتجوز ... وَالحَزم كُل الحَزم في التحرز

وَانتهز الفُرصة إِن الفُرصة ... تَعود إِن لَم تَنتهزها غَصه

وَاِسبق إِلى الأَجود سَبق ناقِد ... فَسَبقك الخَصم مِن المكابد

كَسَبق أَهل الشام أَصحاب عَلى ... كَيداً إِلى ماء الفُرات السلسل

فَلَم يَزَل أَهل العِراق هيما ... حَتّى جَلوا دُجى الوَغى البَهيما

وَالشاه لا يخضر عِندَ الشاه ... فَإِنَّها مِن أَعظَم الدَّواهي

وَقَد رَأينا أَمس في زَمانِنا ... وَحَسبنا المُدرك في عياننا

لَما أَتى طغرلنكُ بَغذاذا ... وَلَم يَجد مِنهُ امرؤ معاذا

جاءَ إِلَيهِ الملك الرحيم ... مُستَقبلاً فَقالَ لا تريم

واستحضر الشطرنج للملاعبه ... إِشارة مِنهُ إِلى المُحارَبه

حَتّى إِذا تَوَسطا في اللعبِ ... جاءَ ابن ميكال بِأَمر عجب

صافح عَمداً شاهه بِشاهه ... للطفه في الكَيد وَانتِباهه

فرد ذاكَ ابن بويه منكراً ... فَلج طغرلنك حَتّى أَكثَرا

قـــــالَ لَهُ وَغـــــلط الرحـــــيـــــم ... وَقَد لعمري يَغلط الحَكيم

ما جَرت العادة أن الشاها ... يَدخل بيتَ الشاه قالَ آها

فَلم دخلت بَيتنا وَضحكا ... أخطأ غرّ للرسوم تركا

ثُــــمَ أَشارَ أَن خذوه فاخذ ... وَقامَ مِن بَين يَديهِ وَجبذ

فَكُن كَثير الحفظ وَالتوقى ... وَسالِكاً فيهِ سَبيل الرفق

وَفتش الأُمور عَن أَسرارِها ... كَم نكتَةٍ حتفك في إظهارها

لا تشرهن فَتَأخُذَن ما تَرَكا ... وَانظر لِماذا ترك الرخ لكا

فَرُبَّما كانَت لَهُ مَكيده ... في تَركِهِ عادته السديده

انظر وَفَكر أَبَداً في العاقبة ... فَإنَّها عَن العُقول غائِبَه

لا تشرهن إِلى حطام عاجِل ... كَم أكلةٍ أَودَت بِنَفس الآكل

وَبِئست العادة فاحذرها الشره ... وَقس بِما رَأيته ما لَم تَره

وَاكرم الخيم العَفاف وَالظلف ... وَالأُم الأَخــــلاق حــــرص وَصــــلف

وَاحذر فَكَم من سَكرة مَسمومه ... حرص النُّفوس عادَةٌ مَذمومه

لا سِيما ما كانَ مِن عَدوّ ... كَم صَبوَة جاءتكَ مِن سلو

لا تَفتح الدست وَلا الحَرب مَعاً ... وَاِقنَع بسلم ما وَجَدت مقنعا

وَاِدفع اِساءات العِدى بِالحُسنى ... وَلا تخل يُسراك مثل اليُمنى

وَاحفظ قَليل المال وَالكَثيرا ... وَاحرس صَغير الجُند وَالكَبيرا

لا تحقرن راجِلاً في الفَيلَق ... فَرُبَّما غلبته بِالبيذق

لا تَعطين شَيئاً بِغَير فائِدَه ... فَإِنَّها مِن السَّجايا الفاسِدَه

لا تَيأَسَن مِن فَرج وَلُطف ... وَقوة تَظهر بَعدَ ضَعف

فَرُبَّما جاءكَ بَعد الياس ... روح بِــــلا كَــــد وَلا التِماس

فَإِن رَأَيت النَّصر قَد لاحَ لَكا ... فَلا تَقصر وَاحتَرز أن تهلكا

وَالبَغي فَاحذره وَخيم المَرتع ... وَالعُجب فَاتركه شَديد المَصرَع

عِند تَمام البَدر يَبدو نَقصه ... ورُبَّما ضر الحَريص حِرصه

كَم بطرَ الغالب بَغيا فَتَرك ... عَنهُ التوقي وَاِستَهانَ فَهلك

فرقع الخرق بلطف واجتهد ... وَامكر إِذا لَم يَنفَع الصدق وَكَد

كَذاكَ في صَفين كانَ الأَمر ... لَم ينج أَهل الشام إِلا المَكر

لَما رَموا بِالصيلم العَظيم ... وَعَجِزوا دَعوا إِلى التَحكيم

وَاحرص لِتَأخذ بِالخداع ما له ... وَلا تــــبــــق رجــــمــــة رِجــــاله

لا تحقرن مِنهم صَغيراً محتقر ... فَرُبَّما أَسالَت النفس الأبر

أضعفهُ ما اِستَطَعت أن ضعفه ... يدني وَإِن طالَ مَداه حتفه

وَأَبذل لَهُ نَفائس الأَموال ... تَدفع بِها شَدائد الأَهوال

فَالمَرء يفدي نَفسه بِوَفره ... عَساه أَن يَنجو بِهِ مِن أَسره

كَذاكَ في الشطرنج يَفدى الشاه ... بِغَيرِهِ مِن فَرط ما يَغشاه

وَإِن أَتى في جَحفل عَظيم ... مِن المَوالي وَمِن الصَّميم

فَإِن تَكُن كثرتهم مجتمعه ... لطمع في النَّهب قَد جاوا مَعَه

فَاشغلهم بِالنهب عَنهُ واعكر ... عَلَيهِ وَهوَ آمن لَم يَشعر

كَذاكَ قَيس بن زُهير فعلا ... بِآل بَدر إِذ أَتوه جَحفَلا

لَما أَتى حُذيفة بن بَدر ... في عَدَد سَد فجاج البر

قالَ الرَّبيع عِندَها لِقَيس ... أَشر فَأَنتَ حُوَّلٌ ذو كَيس

فَقالَ قَيس ناصِحاً يا عَبس ... الحَق باد لَيسَ فيهِ لَبس

ما فيهم ذو حَنق عَلَينا ... وَما لَهُم مِن برةٍ لَدَينا

بَل كُلُّ مَن جاءَ لحرص وَطَمع ... وَلَو حَوى شَيئاً مِن النهب رجع

وَلَم يُحارب عَن بَني ذبيان ... مخاطراً بِالنفس وَالحصان

فخلَّفوا الأَموال وَالأَثقالا ... وَغــــادَروهــــا لَهُــــم أنفالا

فَكانَ ما دبَّر قَيس وَافترق ... جَيش الفَزاري جَميعاً وَانطلق

وَجاءَهُم وَهُم عَلى الهباءة ... فَساءَ قَيساً أعظم المساءة

وَرُبَّما ضرَّك بَعض مالكا ... وَساءَكَ المحسن مِن رِجالكا

حَــــتّــــى تَود أنهُ لَم يَكُن ... يَوم رَأَيت شَخصه في الزَّمَن

إِن اعتضاد الشاه بِالفرزان ... مَوعِظَة في السر للسلطان

لِيتَقي في الخَطب بِالوَزير ... مُفَوضاً إِلَيهِ في الأُمور

وَكُــــل إِنــــســــان فَلا بُدَ لَه ... مِن صاحب يَحمل ما أَثقَله

معاضد في رَأيهِ وَنصحه ... موافق في حَربِهِ وَصُلحه

وَصاحب للسر ذي كتمان ... مخالص في السر وَالإعلان

وَالشاه قَد يَحمل في الأَحيان ... وَحــــربــــهُ أغــــيــــظ للأقــــران

وَذاكَ عِــــنــــدَ شــــدة شَــــديــــده ... وَشَــــوكة وَشيكة حَديده

سار ابن مَروان لِحَرب مصعب ... وَقالَ إن سارَ سِواي يغلب

وَالحَزم كُل الحَزم في المُطاوَلَة ... وَالصَّبر لا في سُرعة المُزاوَلَة

بِذاكَ شَيخ العَرَب المُهلبُ ... في حَربِه الشراة كانَ يغلب

لا تحرج الخَصم فَفي إحراجِه ... جَميع ما تكره مِن لجاجه

إِن عدياً إِذ تَعَدى الحَدّا ... وَجاءَ في قَتل بَجير إِدَّا

واحــــرج الحــــرث لاقــــى شــــرا ... وجر من إحراجه ما جرَّا

وَالعقد كَالخندَق في التّحصين ... وَضَربه العَرضي كَالكَمين

فَإِنَّما الرِّجال بِالإخوان ... وَاليَد بِالساعد وَالبَنان

كَــــذَلِكَ السُّلطان بِالرِّجال ... وَالمال لا ملك بِغَير مال

لا تَطلب الغاية بِاللجاج ... وَكُن إِذا كَوَيت ذا إنضاج

فَما أَتى القائم مِن أَهل اللعب ... ذو قُــــوة ظــــاهــــرة إِلا غــــلب

وَقل ما يَلعَب بِالقَوائم ... إِلا فَتى بِالحَرب غَير عالم

فَإِنَّهُ بَغى عَلى الرِّجال ... وَذاكَ مِــــــن دَقـــــائِق الخـــــلال

فَــــالبَــــغي داء ما له دَواء ... لَيــــسَ لمــــلك مَــــعــــهُ بقاءُ

لا تَغترر فيها بِفَضل قوتك ... فَرُبَّما وَقَعت جوف هوتك

قَول زُهَير إِذ بَغى لِخالد ... عَلى الَّذي أذكر مِنهُ شاهِدي

إقنع إِذا حارَبتَ بِالسلامة ... وَاحذر فعالاً توجب الندامة

فَإن رَأَيت وَجه غَلب لائِحاً ... فَكُن لأَقفال الدسوت فاتِحا

فَالتاجر الكَيس في التِّجارة ... مَن خافَ في مَتجره الخَسارة

يَجهَد في تَحصيل رَأس ماله ... ثُم يَروم الربح بِاحتياله

وَإِن هُوَ اِستَخفى عَن المُبارَزَه ... فَأنتَ أَحظى مِنهُ بِالمناجزه

فَاخدعه كَي يَظهر لِلقاء ... إِن الخِــــــداع آيـــــة الدهـــــاء

كَذلكَ المَنصور كادَ اِبنَي حسن ... فَظَهَرا بَعد اختِفاء للمحن

مِن عقد الفيل أَو الفرزانا ... أَو غَــــيرِهِ وَطَلب الأَمانا

فَكَيدُهُ حَتّى يَحل عقده ... مفتتحاً بِيَده ما سَدَّه

هَذا قَليل مِن كَثير ما ذكر ... بلعب الشطرنج فافهم وَاعتبر

قالَ لَهُ صاحِبه اسمع وافهم ... فَإِنَّما العُلوم بالتعلم

في النرد أَيضاً حكمة عَظيمة ... تدركها الخَواطر السليمة

في الناس من تسعده الأَقدار ... وَفــــعله جَميعه إِدبار

فَلا يَزال بِقَبيح خُرقِة ... يُفسد حال جَاهه وَرزقه

حَتّى تَرى سعوده نحوساً ... وَيَنثَني ذاكَ النَّعيم بوسا

كمثل من تسعده الفُصوص ... وَفــــعــــله مُــــزيف مغموص

كَما جَرى في نَوبة المخلوع ... وَقصة الطائع وَالمُطيع

وَمِنهُم بِعكسه اللبيب ... الجــــاهد الموفق الأَديب

إِن كاده الدَّهر بِسوء عنفه ... قابل بَلواه بِحُسن لطفهِ

فَنالَ بالرفق وَبِالتَأَني ... ما لَم يَنَل بالحرص وَالتعني

فَيَغتَدي وَهوَ الفَقير ذا نَشب ... وَعقله وَلُطفه كانَ السَّبب

فَلا يَبين سوء فعل دَهره ... عَلَيهِ مِن تَدبيره في أَمره

مــــثل عَليل يَلزم الدواء ... فَيَقهر الأَمراض وَالأَدواء

فَذاكَ مثل مَن يَجور الفصُّ ... عَليهِ فَهوَ بِالأَذى مُختَص

وَهوَ بِحُسن اللعب وَالتَدبير ... يَسد خرق الفَص بِالتقدير

يَصلح إِفساد الفُصوص حذقه ... وَيَرقع الخرق العَظيم رفقه

كَذَلِكَ المَأمون في تَدبيره ... نالَ المُنى في البُعد مِن سَريره

وَمِنهُم مَن يَجمَع الحالين ... فَيَغتَدي وَهوَ سَخين العَين

مثل بَني بويه لَما اِنقَضَت ... أَيامهُم ما اِصطَلَحوا حَتى مَضَت

فَمثل ذاكَ الجاهل المَجدود ... وَعَكس ذاكَ العاقل المَحدودُ

كمحسن في نَقلِهِ وَضَربِهِ ... مثل معين جَدِّهِ بلبه

مثل ابن مَنصور وَلا مثل لَهُ ... فَلا تشبه مَجده يا أَبلَه

أَورثه المَجد دَبيس جده ... ثُم أَعانَ الإرث مِنهُ جده

فَقالَ سَيف الدَّولة المَسعود ... كَأَنَّهُ في قَومِهِ مَعبود

بِــــــرَأيــــــهِ وَجـــــوده وَبَـــــأسِه ... وَحكمه وَرفقه بِناسه

يَرتَبط الدَولة وَالسَعادة ... وَيَقتَضي بِشُكرِها الزِيادة

فَهَذِهِ فيهِ رُموز أَربَعه ... فَاغتاظَ مِنهُ خَصمهُ إِذ سَمِعَه

فَقالَ أَيضاً وَهوَ غَير آفك ... في قَولِهِ وَالصدق دين الناسك

في مَدحِهِ النرد وَفيهِ حكمة ... أُخرى لِمَن كانَ بَعيد الهمة

لأنهم حَكوا بِهِ أَمر الفلك ... وَالجارِيات الزهر في ذات الحبك

يَطلب بَعضاً فَيَنال كلا ... كَم مكثر عادَ بِهِ مقلا

فَبَعضهُم يَأنيه ما يُريد ... فمثله في أَمرِهِ السعيد

وَبَعضهُم يَأتيه ضد ما رَجا ... فَيَغتَدي مِنها مُغيظاً مُحرجا

وَبَعضهُم في مَوضع مُستأسر ... كَأَنَّهـــ معتقل محير

فُهوَ أَسير في يَدَيها عان ... مُحتَرق القَلب لَما يُعاني

وَكُلما عاتبها وَسَبها ... غَيظاً عصته وَأطاعت رَبها

كَذاكَ مَن يُنكر حُكم رَبه ... وَلا يَكون راضِياً بِكسبه

وآخــــذاً مــــا جاءهُ بِشُكر ... فَقَد أَتى في فعله بنكر

قالَ لَهُ الهندي وَهوَ صادق ... لَكن لَنا فَضل عَلَيكُم سابق

تَصنيفنا كَليلة وَدمنة ... يقضي لَنا بحكمة وَفطنة

كَم فيهِ مِن مَوعظَةٍ وَعلم ... وَحكمة تعجب أَهل الفهم

قالَ لَهُ الفرسيُّ في سِواه ... لَو كُنت ذا علم بِه معناه

قال وَما رَأَيتهُ قالَ أَجَل ... ذاكَ لِنَقص فيك لَيسَ يحتمل

لَيسَ يضر البَدر في سَناه ... أَنَّ الضَــــريــــر قَــــط لا يــــراه

كَم حكمة ضَجت بِها المَحافل ... مَليحة وَأنتَ عَنها غافل

سَمعت بِاللَّه حَديث الناسك ... إِذ راعَهُ اللَّيل بلص فاتك

فَقال لم أسمعه فاذكر أسمع ... لا تَنفَع الأَخبار إِلا مَن يَعي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • البصره: بصر: ابْنُ الأَثير: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى البَصِيرُ، هُوَ الَّذِي يُشَاهِدُ الأَشياء كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَخَافِيَهَا بِغَيْرِ جَارِحَةٍ، والبَصَرُ عِبَارَةٌ فِي حَقِّهِ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي يَنْكَشِفُ بِهَا كمال … (لسان العرب)
  • انزلوا: نزل: النُّزُول: الْحُلُولُ، وَقَدْ نَزَلَهم ونَزَلَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ يَنْزل نُزُولًا ومَنْزَلًا ومَنْزِلًا، بِالْكَسْرِ شَاذٌّ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَإِنْ ذَكَّرَتْك الدارَ مَنْزِلُها [مَنْزَلُها] جُمْلُ أَراد: أَإِ … (لسان العرب)
  • بواد: وَأَدَ: الوَأْدُ والوَئِيدُ: الصوتُ الْعَالِي الشديدُ كَصَوْتِ الْحَائِطِ إِذا سَقَطَ وَنَحْوِهِ؛ قَالَ المَعْلُوط: أَعاذِل، مَا يُدْرِيك أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ، ... لأَخْفافِها، فَوْقَ المِتانِ، وئِيدُ؟ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ … (لسان العرب)
  • خبطنا: خبط: خَبَطَه يَخْبِطُه خَبْطاً: ضَرَبَهُ ضرْباً شَدِيدًا. وخبَط البعيرُ بِيَدِهِ يَخْبِطُ خبْطاً: ضَرَبَ الأَرض بِهَا؛ التَّهْذِيبُ: الخَبْطُ ضرب البعير الشيءَ بخُفِّ يدِه كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: تَخْبِطُ الأَرضَ بِصُمٍّ و … (لسان العرب)
  • رياحها: ريح: الأَرْيَحُ: الواسعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. والأَرْيَحِيُّ: الواسعُ الخُلُق المنبسِطُ إِلى الْمَعْرُوفِ، وَالْعَرَبُ تَحْمِلُ كَثِيرًا مِنَ النَّعْتِ عَلَى أَفْعَليٍّ كأَرْيَحِيٍّ وأَحْمَرِيّ، وَالِاسْمُ الأَرْيَحِيَّةُ. … (لسان العرب)
  • سمائها: سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُق … (لسان العرب)
  • ضروب: ضرب: الضَّرْبُ مَعْرُوفٌ، والضَّرْبُ مَصْدَرُ ضَرَبْتُه؛ وضَرَبَه يَضْرِبُه ضَرْباً وضَرَّبَه. وَرَجُلٌ ضارِبٌ وضَرُوبٌ وضَريبٌ وضَرِبٌ ومِضْرَبٌ، بِكَسْرِ الْمِيمِ: شديدُ الضَّرْب، أَو كَثِيرُ الضَّرْب. والضَّريبُ: المَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة