خَــرَجــت مِـن بَـعـض ضُـروب البَـصـره
الشاعر: ابن الهبارية · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر ابن الهبارية، من العصر الفاطمي، وتقع في 211 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خَــرَجــت مِـن بَـعـض ضُـروب البَـصـره — فــي رفــقــة مِــن عـامـر للعـمـره
حَـتّـى إِذا كُـنـا عَـلى رَمـل الحمى — وَقَـد خَـبـطـنـا جَـوف لَيـل مـظـلمـا
فـــي لَيـــلة بـــاردة مـــطـــيـــره — رِيـــاحـــهـــا شَـــديــدة كَــثــيــرة
قـالَ أَصـيـحـابـي اِنـزلوا فعرسوا — فَــاللَّيــل داج وَالرِّفـاق نـعـسـوا
فَــعــرس القَــوم بِــواد ذي شَــجــر — وَلَم أَزَل أربــؤهــم إِلى الســحــر
فـــي لَيـــلة ذات رِيـــاح وَمَـــطــر — لا نـجـم فـي سَـمـائِهـا وَلا قـمـر
حَــتّـى إِذا الفَـجـر بَـدا للنـاظـر — وَحــانَ حــيــنَ رحــلة المُــســافــر
هَـــب أَصـــيــحــابــي مِــن الرّقــاد — إِلى ظُهـــور الإبـــل وَالجِـــيـــاد
وَثـــوروا وَانـــطـــلقـــوا خــلســت — وَقُــلت لا ضــيــر إِذا احــتــبـسَـت
فَــظــلت فــي أَصــل كـنـاس للحـمـر — وَقَــد ســكــرت بِـاللغـوب وَالسـهـر
فَــنــمــت للحــيــن جَــمـيـع يَـومـي — ثَــم اِنــتَــبَهـت فَـرقـاً مِـن نَـومـي
فَــقُــمــت مَــرعــوبـاً مَـع الأَصـيـل — جـــوعـــان عَــطــشــان بِــلا دَليــل
اعــتــكــر اللَّيـل وَزادت حـيـرَتـي — فــي جــنــحِهِ وَجــوعَـتـي وَخـيـفَـتـي
وَلَم أَجـد فـي الحَـزم غَـير المَكث — فـي مَـوضِـعـي خَـوف التـوى وَاللبث
وَقُـــلت إِن ســـرت بِــغَــيــر هــادي — ضَــللت فــي أضــواج هَــذا الوادي
وَخِـــفـــت مِـــن سِـــبــاعــه وَجــنــه — وَلَم أَبــــل مِــــن سَهـــلِهِ وَحُـــزنِهِ
ثَــم هَـجَـمـت فـي مَـكـانـي جـاثِـمـاً — وَكُــنـتُ فـي ذاكَ الهُـجـوم حـازِمـا
وَلَم أزَل انــظُــر فــي النَــواحــي — وَأرهــــب الجَــــرس مِـــن الرِّيـــاح
حَــتَّى بَــدا شَـخـص فَـحـدقـت النَّظـَر — وَلَم أَكــد أثــبــتــهُ مِــن الحَــذَر
ثُــــم بَـــدا لي فَـــرَأيـــت رَجُـــلاً — شَـيـخـاً يُـنـاجـي صـاحِـبـاً مـكتهلا
قَــد أَكــثَـرا الخِـصـام وَالجِـدالا — وَأَعـــلَنـــا الشِّجــار وَالمَــقــالا
وَافــتــخــرا وَكَــثـرة المُـفـاخـرة — تَـدعـو إِلى العِـنـاد وَالمُـشـاجرة
فَـكـانَ قَـول الشَّيـخ قـومـي الهند — الحُــــكـــمـــاء العُـــلمـــاء اللد
لَهــــم عــــلوم وَحــــلوم وَفـــطـــن — وَحــكــمــة بــالغــة إِذ تــمــتـحـن
لَو لَم يَـكُـن من فضلِهم إِذ يختبر — فَــضــل الرِّجـال مـنـصـف وَيـعـتـبـر
إِلا الَّذي أَبــدوه فـي الشـطـرنـج — لِلنــاس مِــن عــلم سَـديـد النـهـج
جـــد عَـــظـــيـــم لَقـــبـــوه هَــزلا — يَــصــيــر الرأي الأفــيــن جــزلا
فــــيـــهِ إِشـــارات إِلى مَـــواعِـــظِ — نــــافِــــعـــة لِكُـــل واع حـــافِـــظ
قَــد رَسَــمــوهــا لِلهُــدى مِــثــالاً — أَن الحَــكــيــم يَـضـرب الأَمـثـالا
يَـعـنـون أن العَـيـش فـي التَدبير — وَلَيــسَ بِــالقــســمــة وَالتــقـديـر
وَالمَــرء لِلأَفــعــال مُــســتَــطـيـع — مُـــحـــكـــم يـــحــفَــظ أَو يــضــيــع
وَذَلِكَ العَــــــدل بِــــــلا خِــــــلاف — لَو وفــــق الرِّجــــال لِلإنـــصـــاف
قــالَ لَه الكَهــل وَقَــومـي الفـرسُ — الحُـــكـــمـــاء مـــا بِـــذاكَ لَبـــس
لَهُــم سِــيــاســات وَتَــدبـيـر حـسـن — كَالشّرع عَدلاً في الفُروض وَالسنَن
وَمــلكــهــم مــعــتـضـد بِـالحـكـمـه — كَــأَنَّهــُم قَــد أيــدوا بـالعـصـمـه
لا نَـعـبـد الأَصـنـام وَالأَوثـانا — وَلا نَـرى الظُـلم وَلا العُـدوانـا
وَالعَــيــش بِــالرزق وَبِـالتـقـديـر — وَلَيــسَ بِــالرَأي وَلا التــدبــيــر
وَقَــد وضَــعــنــا النــرد لِلمـثـال — لَو فـــطـــنـــت بَـــصــائر الرِّجــال
وَمـا قَـصـدنـا بِـالفـصـوص اللعـبا — حـاشـا لَنـا لَكـن قَـصَـدنا الأَدَبا
وَإِنَّمـــا ســـمـــى لعـــبــاً حــيــله — تَـخـفـى بِهِ مـا فـيـهِ مِـن فَـضـيـلَه
وَإِنَّمــــا يَــــعـــشـــقـــه الرِّجـــال — لأَنَّهــــُ لَعــــب كَــــمــــا يُـــقـــال
وَلَو دَروا أَن المُــــــــراد الأَدَبُ — بِـــوضـــعِهِ وَصُــنــعِهِ مــا لَعــبــوا
فَــالحَــق قَــد تــعــلمــه ثَــقــيــل — يــــأبــــاه إِلا نَـــفَـــر قَـــليـــل
وَأَنـــمـــا أَخـــفـــيــت المَــصــالح — وَمــوه القَــول الشَّفـيـق النـاصـح
وَدَلَســـــتُ بِـــــظـــــاهـــــر اللذات — كَـــم راحـــة تَـــكـــمــن فــي أَذاة
كَـــمـــثـــلمـــا رَكــبــت الأَلحــان — وَوضـــعـــت للحــكــمــة العــيــدانُ
يَــظــنــهــا الجـاهـل لَهـواً وَلَعـب — وَلَو دَرى بِــوضــعِهــا مــاذا طُــلب
مِــن راحــة الروح وَبَـسـط النـفـس — وَهـــزهـــا لطــبــعــهــا بِــالأنــس
لَم يَــسـتَـمـع قـط الغـنـاء وَنَـفـر — عَــنــهُ لان الحَــق مـا فـيـهِ وَطـر
قــالَ لَهُ الهــنــدي هَــذي حــجَـتـي — سَــلَكــت فــيــمــا جـئتـه مَـحـجـتـي
شَــطــرنــجــنـا لمـثـل هَـذا وَضـعـا — أَول فَــن فــي العُــلوم اِخــتـرعـا
وَفَـــضـــله بـــاد بِـــغَــيــر مــيــن — مــا أَوضَــح الصُّبــح لذي عَـيـنـيـن
وَإِن بُـــرهـــانـــي فـــيــه ظــاهِــر — وَالحَــق لا يَــدفــعــه المــكـابِـرُ
يَــكــفـيـك مِـن شـاهـد مـا ذكـرتـه — أَمــر بِــعَــيــنــي هَــذهِ نَــظــرتــه
أعــــدل قــــاض قَــــلد العـــيـــانُ — وَلَيـــسَ فَـــوقَ حُـــكـــمِهِ بُـــرهـــانُ
إِن الأَمــيــر المــزيــديَّ صــدقــه — بِــنَــفــسِهِ الفــاضــلة المــوفـقـة
نــالَ العُــلا وَســاسَ أَمــر مـلكـه — حَــتّـى غَـدا مـنـتَـظِـمـاً فـي سـلكـه
وَلَيــسَ شَــيــء غَــيــره يُــســاعــده — بَـل كُـل شَـيـء فـي الوَرى يُـعانده
الوَقـــــت وَالقِـــــران وَالرِّجــــال — وَهـــوَ بِـــلُطـــفِ رَأيـــهِ يَــحــتــال
بِــــــجـــــده وَلطـــــفـــــه وَكَـــــده — وَحــذقــه فــي كَــيــدِهِ لا جــنــده
فــبــان أَن الأَمــر بِــالمــحــاله — كَـــفـــى بِـــمـــا ذَكَـــرتـــهُ دَلاله
أَول رَمــز فـي اِعـتِـبـار الطَّبـَقـه — لأَنَّهـــا عِـــنـــدَهُـــم مـــحـــقــقــه
لا يَــلعَــبــنَّ أَبَــداً مَــع مُــحـسـن — مـــجـــود فـــذاكَ فـــعــل الأَرعــن
كَــــذاكَ لا تُـــحـــارب القـــويـــا — مِـــن العَـــدو إِن تَـــكُـــن ذَكــيــا
فَــإِن مــن حــارب مــن لا يَــقــوى — بِـــحَـــربِهِ جَـــر عَـــلَيــهِ البَــلوى
وَحــارب الأَكــفــاء وَالأَقــرانــا — فَــالمَـرء لا يُـحـارب السـلطـانـا
وَإِن مــن رُمــوزِهــا لَو يــعــتـبـر — لاعــبــهــا بِــأَمــرِهــا وَيَـفـتَـكـر
يا أَيُّها الإِنسان كُن في الدنيا — كَـلاعـب الشـطـرنـج وانـحُ المَعنى
مــحــتــرِزاً مِــن العَــدو مُــحـتَـرس — تَــنــج وَتَــســلم مِــن أَذاه وَتـكـس
فَـالحـيـن فـي الأَهـوان وَالتـجوز — وَالحَـزم كُـل الحَـزم فـي التـحـرز
وَانــتــهــز الفُـرصـة إِن الفُـرصـة — تَــعــود إِن لَم تَــنـتـهـزهـا غَـصـه
وَاِسـبـق إِلى الأَجـود سَـبـق نـاقِد — فَــسَــبـقـك الخَـصـم مِـن المـكـابـد
كَـسَـبـق أَهـل الشـام أَصـحـاب عَـلى — كَـيـداً إِلى مـاء الفُـرات السلسل
فَــلَم يَــزَل أَهــل العِـراق هـيـمـا — حَـتّـى جَـلوا دُجـى الوَغى البَهيما
وَالشــاه لا يـخـضـر عِـنـدَ الشـاه — فَـــإِنَّهـــا مِــن أَعــظَــم الدَّواهــي
وَقَــد رَأيــنـا أَمـس فـي زَمـانِـنـا — وَحَـسـبـنـا المُـدرك فـي عـيـانـنـا
لَمــا أَتــى طــغــرلنــكُ بَــغــذاذا — وَلَم يَــجــد مِــنــهُ امــرؤ مـعـاذا
جـــاءَ إِلَيـــهِ المـــلك الرحـــيــم — مُــســتَــقــبــلاً فَــقــالَ لا تـريـم
واسـتـحـضـر الشـطـرنـج للمـلاعبه — إِشــارة مِــنــهُ إِلى المُــحــارَبــه
حَــتّــى إِذا تَــوَســطــا فـي اللعـبِ — جــاءَ ابــن مــيـكـال بِـأَمـر عـجـب
صــافــح عَــمــداً شــاهــه بِــشـاهـه — للطــفـه فـي الكَـيـد وَانـتِـبـاهـه
فــرد ذاكَ ابــن بــويــه مــنـكـراً — فَــلج طــغــرلنــك حَــتّــى أَكــثَــرا
قـــــالَ لَهُ وَغـــــلط الرحـــــيـــــم — وَقَــد لعــمــري يَــغــلط الحَــكـيـم
مــا جَــرت العــادة أن الشــاهــا — يَــدخــل بــيــتَ الشــاه قـالَ آهـا
فَــلم دخــلت بَــيــتــنــا وَضــحـكـا — أخـــطـــأ غـــرّ للرســـوم تـــركـــا
ثُــــمَ أَشـــارَ أَن خـــذوه فـــاخـــذ — وَقــامَ مِــن بَــيــن يَــديــهِ وَجـبـذ
فَــكُــن كَــثـيـر الحـفـظ وَالتـوقـى — وَســالِكــاً فــيــهِ سَــبــيـل الرفـق
وَفــتــش الأُمــور عَــن أَســرارِهــا — كَـم نـكـتَـةٍ حـتـفـك فـي إظـهـارها
لا تــشـرهـن فَـتَـأخُـذَن مـا تَـرَكـا — وَانــظــر لِمــاذا تـرك الرخ لكـا
فَـــرُبَّمـــا كـــانَـــت لَهُ مَــكــيــده — فـــي تَـــركِهِ عــادتــه الســديــده
انـظـر وَفَـكـر أَبَـداً فـي العاقبة — فَـــإنَّهـــا عَــن العُــقــول غــائِبَه
لا تــشــرهــن إِلى حــطــام عـاجِـل — كَــم أكــلةٍ أَودَت بِــنَــفـس الآكـل
وَبِـئسـت العـادة فـاحذرها الشره — وَقــس بِــمــا رَأيـتـه مـا لَم تَـره
وَاكـرم الخـيـم العَـفـاف وَالظـلف — وَالأُم الأَخــــلاق حــــرص وَصــــلف
وَاحـذر فَـكَـم مـن سَـكـرة مَـسـمومه — حــرص النُّفــوس عــادَةٌ مَــذمــومــه
لا سِــيــمــا مــا كــانَ مِــن عَــدوّ — كَـــم صَـــبــوَة جــاءتــكَ مِــن ســلو
لا تَـفـتح الدست وَلا الحَرب مَعاً — وَاِقـنَـع بـسـلم مـا وَجَـدت مـقـنعا
وَاِدفـع اِسـاءات العِـدى بِـالحُسنى — وَلا تـخـل يُـسـراك مـثـل اليُـمـنى
وَاحـفـظ قَـليـل المـال وَالكَـثيرا — وَاحـرس صَـغـيـر الجُـنـد وَالكَبيرا
لا تــحـقـرن راجِـلاً فـي الفَـيـلَق — فَـــرُبَّمـــا غــلبــتــه بِــالبــيــذق
لا تَـعـطـيـن شَـيـئاً بِـغَـير فائِدَه — فَــإِنَّهـا مِـن السَّجـايـا الفـاسِـدَه
لا تَـــيـــأَسَـــن مِـــن فَــرج وَلُطــف — وَقـــوة تَـــظـــهـــر بَـــعـــدَ ضَــعــف
فَـــرُبَّمـــا جـــاءكَ بَـــعــد اليــاس — روح بِــــلا كَــــد وَلا التِـــمـــاس
فَــإِن رَأَيـت النَّصـر قَـد لاحَ لَكـا — فَـلا تَـقـصـر وَاحـتَـرز أن تـهـلكا
وَالبَـغـي فَـاحـذره وَخـيـم المَرتع — وَالعُـجـب فَـاتـركـه شَـديد المَصرَع
عِـنـد تَـمـام البَـدر يَـبـدو نَـقصه — ورُبَّمـــا ضـــر الحَـــريـــص حِــرصــه
كَــم بـطـرَ الغـالب بَـغـيـا فَـتَـرك — عَــنــهُ التــوقـي وَاِسـتَهـانَ فَهـلك
فــرقــع الخــرق بــلطـف واجـتـهـد — وَامـكـر إِذا لَم يَنفَع الصدق وَكَد
كَــذاكَ فــي صَــفــيــن كـانَ الأَمـر — لَم يـنـج أَهـل الشـام إِلا المَكر
لَمــا رَمــوا بِـالصـيـلم العَـظـيـم — وَعَــجِــزوا دَعــوا إِلى التَـحـكـيـم
وَاحـرص لِتَـأخـذ بِـالخـداع مـا له — وَلا تــــبــــق رجــــمــــة رِجــــاله
لا تـحـقـرن مِـنـهـم صَغيراً محتقر — فَــرُبَّمــا أَســالَت النــفـس الأبـر
أضـعـفـهُ مـا اِسـتَـطَـعـت أن ضـعـفه — يــدنــي وَإِن طــالَ مَــداه حــتـفـه
وَأَبـــذل لَهُ نَـــفـــائس الأَمـــوال — تَـــدفـــع بِهــا شَــدائد الأَهــوال
فَــالمَــرء يــفـدي نَـفـسـه بِـوَفـره — عَــســاه أَن يَــنـجـو بِهِ مِـن أَسـره
كَـذاكَ فـي الشـطـرنج يَفدى الشاه — بِــغَــيــرِهِ مِــن فَــرط مـا يَـغـشـاه
وَإِن أَتــى فــي جَــحــفــل عَــظــيــم — مِـــن المَـــوالي وَمِـــن الصَّمـــيــم
فَــإِن تَــكُـن كـثـرتـهـم مـجـتـمـعـه — لطـمـع فـي النَّهـب قَـد جـاوا مَعَه
فَـاشـغـلهـم بِـالنـهـب عَـنهُ واعكر — عَـــلَيـــهِ وَهــوَ آمــن لَم يَــشــعــر
كَــذاكَ قَــيــس بــن زُهــيــر فـعـلا — بِـــآل بَـــدر إِذ أَتــوه جَــحــفَــلا
لَمـــا أَتـــى حُــذيــفــة بــن بَــدر — فـــي عَـــدَد سَـــد فـــجـــاج البـــر
قــالَ الرَّبــيــع عِــنــدَهــا لِقَـيـس — أَشـــر فَـــأَنـــتَ حُـــوَّلٌ ذو كَـــيـــس
فَــقــالَ قَــيــس نـاصِـحـاً يـا عَـبـس — الحَـــق بـــاد لَيـــسَ فـــيــهِ لَبــس
مــا فــيــهــم ذو حَــنــق عَــلَيـنـا — وَمـــا لَهُـــم مِـــن بـــرةٍ لَدَيــنــا
بَــل كُــلُّ مَــن جــاءَ لحــرص وَطَـمـع — وَلَو حَـوى شَـيـئاً مِـن النـهـب رجع
وَلَم يُــحــارب عَــن بَــنــي ذبـيـان — مــخــاطــراً بِــالنــفــس وَالحـصـان
فــخــلَّفـوا الأَمـوال وَالأَثـقـالا — وَغــــادَروهــــا لَهُــــم أنـــفـــالا
فَــكــانَ مــا دبَّر قَــيــس وَافـتـرق — جَـيـش الفَـزاري جَـمـيـعـاً وَانـطلق
وَجــاءَهُــم وَهُــم عَــلى الهــبــاءة — فَــســاءَ قَــيـسـاً أعـظـم المـسـاءة
وَرُبَّمـــا ضـــرَّك بَـــعـــض مـــالكـــا — وَســاءَكَ المــحــســن مِــن رِجـالكـا
حَــــتّــــى تَـــود أنـــهُ لَم يَـــكُـــن — يَــوم رَأَيــت شَــخــصــه فـي الزَّمَـن
إِن اعــتــضـاد الشـاه بِـالفـرزان — مَــوعِــظَــة فــي الســر للســلطــان
لِيــتَــقــي فــي الخَـطـب بِـالوَزيـر — مُـــفَـــوضـــاً إِلَيـــهِ فــي الأُمــور
وَكُــــل إِنــــســــان فَـــلا بُـــدَ لَه — مِــن صــاحــب يَــحــمـل مـا أَثـقَـله
مـــعـــاضــد فــي رَأيــهِ وَنــصــحــه — مـــوافـــق فـــي حَـــربِهِ وَصُـــلحـــه
وَصـــاحـــب للســـر ذي كـــتـــمـــان — مـــخـــالص فــي الســر وَالإعــلان
وَالشـاه قَـد يَـحـمـل فـي الأَحيان — وَحــــربــــهُ أغــــيــــظ للأقــــران
وَذاكَ عِــــنــــدَ شــــدة شَــــديــــده — وَشَــــوكـــة وَشـــيـــكـــة حَـــديـــده
ســار ابــن مَــروان لِحَـرب مـصـعـب — وَقـــالَ إن ســـارَ سِـــواي يـــغــلب
وَالحَـزم كُـل الحَزم في المُطاوَلَة — وَالصَّبـر لا فـي سُـرعـة المُزاوَلَة
بِـــذاكَ شَـــيـــخ العَـــرَب المُهــلبُ — فــي حَــربِه الشــراة كــانَ يـغـلب
لا تــحـرج الخَـصـم فَـفـي إحـراجِه — جَــمــيــع مــا تــكـره مِـن لجـاجـه
إِن عـــديـــاً إِذ تَـــعَـــدى الحَــدّا — وَجـــاءَ فـــي قَــتــل بَــجــيــر إِدَّا
واحــــرج الحــــرث لاقــــى شــــرا — وجـــر مـــن إحـــراجـــه مــا جــرَّا
وَالعـقـد كَـالخـنـدَق فـي التّحصين — وَضَــربــه العَــرضــي كَــالكَــمــيــن
فَـــإِنَّمـــا الرِّجـــال بِـــالإخــوان — وَاليَـــد بِـــالســاعــد وَالبَــنــان
كَــــذَلِكَ السُّلـــطـــان بِـــالرِّجـــال — وَالمــال لا مــلك بِــغَــيــر مــال
لا تَــطــلب الغــايــة بِــاللجــاج — وَكُـــن إِذا كَـــوَيـــت ذا إنـــضــاج
فَـمـا أَتى القائم مِن أَهل اللعب — ذو قُــــوة ظــــاهــــرة إِلا غــــلب
وَقـــل مـــا يَـــلعَـــب بِــالقَــوائم — إِلا فَــتــى بِــالحَـرب غَـيـر عـالم
فَـــإِنَّهـــُ بَـــغـــى عَـــلى الرِّجـــال — وَذاكَ مِــــــن دَقـــــائِق الخـــــلال
فَــــالبَــــغـــي داء مـــا له دَواء — لَيــــسَ لمــــلك مَــــعــــهُ بـــقـــاءُ
لا تَـغـتـرر فـيـهـا بِـفَـضـل قـوتك — فَـــرُبَّمـــا وَقَـــعـــت جــوف هــوتــك
قَـــول زُهَـــيــر إِذ بَــغــى لِخــالد — عَــلى الَّذي أذكــر مِــنــهُ شـاهِـدي
إقــنــع إِذا حــارَبـتَ بِـالسـلامـة — وَاحــذر فـعـالاً تـوجـب النـدامـة
فَـــإن رَأَيـــت وَجــه غَــلب لائِحــاً — فَــكُــن لأَقـفـال الدسـوت فـاتِـحـا
فَــالتـاجـر الكَـيـس فـي التِّجـارة — مَــن خــافَ فـي مَـتـجـره الخَـسـارة
يَــجــهَــد فـي تَـحـصـيـل رَأس مـاله — ثُــم يَــروم الربــح بِــاحــتـيـاله
وَإِن هُـوَ اِسـتَـخـفـى عَـن المُبارَزَه — فَـأنـتَ أَحـظـى مِـنـهُ بِـالمـنـاجـزه
فَــاخــدعــه كَــي يَــظــهــر لِلقــاء — إِن الخِــــــداع آيـــــة الدهـــــاء
كَـذلكَ المَـنـصـور كـادَ اِبـنَي حسن — فَــظَهَــرا بَــعـد اخـتِـفـاء للمـحـن
مِــن عـقـد الفـيـل أَو الفـرزانـا — أَو غَــــيـــرِهِ وَطَـــلب الأَمـــانـــا
فَـــكَـــيــدُهُ حَــتّــى يَــحــل عــقــده — مـــفـــتــتــحــاً بِــيَــده مــا سَــدَّه
هَــذا قَـليـل مِـن كَـثـيـر مـا ذكـر — بـلعـب الشـطـرنـج فـافهم وَاعتبر
قــالَ لَهُ صــاحِـبـه اسـمـع وافـهـم — فَـــإِنَّمـــا العُـــلوم بـــالتــعــلم
فـي النـرد أَيـضـاً حـكـمـة عَـظيمة — تــدركــهــا الخَــواطـر السـليـمـة
فـي النـاس مـن تـسـعـده الأَقدار — وَفــــعـــله جَـــمـــيـــعـــه إِدبـــار
فَـــلا يَـــزال بِــقَــبــيــح خُــرقِــة — يُـــفـــســـد حـــال جَــاهــه وَرزقــه
حَـــتّـــى تَــرى ســعــوده نــحــوســاً — وَيَــنــثَــنــي ذاكَ النَّعـيـم بـوسـا
كــمــثــل مــن تــســعــده الفُـصـوص — وَفــــعــــله مُــــزيـــف مـــغـــمـــوص
كَــمــا جَـرى فـي نَـوبـة المـخـلوع — وَقـــصـــة الطـــائع وَالمُـــطـــيـــع
وَمِـــنـــهُــم بِــعــكــســه اللبــيــب — الجــــاهـــد المـــوفـــق الأَديـــب
إِن كــاده الدَّهــر بِــسـوء عـنـفـه — قــابــل بَــلواه بِــحُــســن لطــفــهِ
فَـــنـــالَ بــالرفــق وَبِــالتَــأَنــي — مـا لَم يَـنَـل بـالحـرص وَالتـعـنـي
فَـيَـغـتَـدي وَهـوَ الفَـقـيـر ذا نَشب — وَعـــقـــله وَلُطــفــه كــانَ السَّبــب
فَــلا يَــبــيــن ســوء فــعـل دَهـره — عَــلَيــهِ مِــن تَــدبـيـره فـي أَمـره
مــــثـــل عَـــليـــل يَـــلزم الدواء — فَـــيَـــقــهــر الأَمــراض وَالأَدواء
فَــذاكَ مــثــل مَــن يَــجــور الفــصُّ — عَـــليـــهِ فَهــوَ بِــالأَذى مُــخــتَــص
وَهــوَ بِــحُـسـن اللعـب وَالتَـدبـيـر — يَــســد خــرق الفَــص بِــالتــقـديـر
يَــصــلح إِفــســاد الفُـصـوص حـذقـه — وَيَــرقــع الخـرق العَـظـيـم رفـقـه
كَــذَلِكَ المَــأمــون فــي تَــدبـيـره — نـالَ المُـنى في البُعد مِن سَريره
وَمِــنــهُــم مَــن يَــجـمَـع الحـاليـن — فَــيَــغــتَــدي وَهـوَ سَـخـيـن العَـيـن
مــثــل بَـنـي بـويـه لَمـا اِنـقَـضَـت — أَيـامـهُـم مـا اِصـطَـلَحوا حَتى مَضَت
فَــمــثــل ذاكَ الجـاهـل المَـجـدود — وَعَــكــس ذاكَ العــاقــل المَـحـدودُ
كـــمـــحــســن فــي نَــقــلِهِ وَضَــربِهِ — مـــثـــل مـــعـــيـــن جَـــدِّهِ بــلبــه
مـثـل ابـن مَـنـصـور وَلا مـثـل لَهُ — فَــلا تــشــبــه مَــجــده يـا أَبـلَه
أَورثـــه المَـــجـــد دَبـــيــس جــده — ثُـــم أَعـــانَ الإرث مِـــنـــهُ جــده
فَــقــالَ سَــيـف الدَّولة المَـسـعـود — كَـــأَنَّهـــُ فـــي قَـــومِهِ مَـــعـــبــود
بِــــــرَأيــــــهِ وَجـــــوده وَبَـــــأسِه — وَحـــكـــمـــه وَرفـــقـــه بِـــنــاســه
يَـــرتَـــبـــط الدَولة وَالسَـــعــادة — وَيَــقــتَــضــي بِــشُـكـرِهـا الزِيـادة
فَهَـــذِهِ فـــيـــهِ رُمـــوز أَربَـــعـــه — فَـاغـتـاظَ مِـنـهُ خَـصـمـهُ إِذ سَـمِـعَه
فَــقــالَ أَيــضــاً وَهــوَ غَــيـر آفـك — فـي قَـولِهِ وَالصـدق ديـن النـاسـك
فــي مَــدحِهِ النـرد وَفـيـهِ حـكـمـة — أُخــرى لِمَــن كـانَ بَـعـيـد الهـمـة
لأنــهــم حَــكــوا بِهِ أَمـر الفـلك — وَالجارِيات الزهر في ذات الحبك
يَــطــلب بَــعــضــاً فَــيَــنــال كــلا — كَـــم مـــكـــثـــر عــادَ بِهِ مــقــلا
فَــبَــعــضــهُــم يَـأنـيـه مـا يُـريـد — فــمــثــله فــي أَمــرِهِ الســعــيــد
وَبَــعــضـهُـم يَـأتـيـه ضـد مـا رَجـا — فَـيَـغـتَـدي مِـنـهـا مُـغـيـظاً مُحرجا
وَبَــعــضــهُـم فـي مَـوضـع مُـسـتـأسـر — كَـــأَنَّهـــ مـــعـــتـــقـــل مـــحـــيــر
فُهــوَ أَســيــر فــي يَــدَيــهـا عـان — مُــحــتَــرق القَــلب لَمــا يُــعـانـي
وَكُـــلمـــا عــاتــبــهــا وَسَــبــهــا — غَــيــظــاً عــصـتـه وَأطـاعـت رَبـهـا
كَــذاكَ مَــن يُــنــكــر حُــكــم رَبــه — وَلا يَــكــون راضِــيــاً بِــكــســبــه
وآخــــذاً مــــا جـــاءهُ بِـــشُـــكـــر — فَــقَــد أَتــى فــي فــعــله بــنـكـر
قـــالَ لَهُ الهـــنــدي وَهــوَ صــادق — لَكــن لَنــا فَــضـل عَـلَيـكُـم سـابـق
تَــصــنــيــفــنــا كَــليــلة وَدمـنـة — يــقــضــي لَنــا بــحـكـمـة وَفـطـنـة
كَــم فــيــهِ مِــن مَــوعــظَــةٍ وَعــلم — وَحــكــمــة تــعــجــب أَهــل الفـهـم
قـــالَ لَهُ الفـــرســـيُّ فـــي سِــواه — لَو كُــنــت ذا عــلم بِه مــعــنــاه
قـــال وَمـــا رَأَيــتــهُ قــالَ أَجَــل — ذاكَ لِنَــقــص فــيـك لَيـسَ يـحـتـمـل
لَيــسَ يــضــر البَــدر فــي سَــنــاه — أَنَّ الضَــــريــــر قَــــط لا يــــراه
كَـم حـكـمـة ضَـجـت بِهـا المَـحـافـل — مَــليــحــة وَأنــتَ عَــنــهــا غـافـل
سَــمــعــت بِــاللَّه حَـديـث النـاسـك — إِذ راعَهُ اللَّيـــل بـــلص فـــاتـــك
فَـقـال لم أسـمـعـه فـاذكـر أسـمع — لا تَـنـفَـع الأَخـبار إِلا مَن يَعي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البصره: البَصْرَةُ : الأرض الغليظة.-: الحجارة الرخوة فيها بياض ج بِصارٌ، وبها سميت مدينة البَصْرة، والبَصْرتان: البَصرةُ والكوفة.
- بواد: وَأَدَ: الوَأْدُ والوَئِيدُ: الصوتُ الْعَالِي الشديدُ كَصَوْتِ الْحَائِطِ إِذا سَقَطَ وَنَحْوِهِ؛ قَالَ المَعْلُوط: أَعاذِل، مَا يُدْرِيك أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ، ... لأَخْفافِها، فَوْقَ المِتانِ، وئِيدُ؟ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ …
- خبطنا: خبط: خَبَطَه يَخْبِطُه خَبْطاً: ضَرَبَهُ ضرْباً شَدِيدًا. وخبَط البعيرُ بِيَدِهِ يَخْبِطُ خبْطاً: ضَرَبَ الأَرض بِهَا؛ التَّهْذِيبُ: الخَبْطُ ضرب البعير الشيءَ بخُفِّ يدِه كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: تَخْبِطُ الأَرضَ بِصُمٍّ و …
- داج: الدَّاجُّ : الذين مع الحُجَّاج من المُكَارين والأَعْوانِ والتُجَّار؛ أَقبَلَ الدَّاجُّ والحاجُّ.
- سمائها: سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُق …
- ضروب: الضَّرُوبُ : الكثير الضَّرْب الشديدُه.