قُــلتُ أَفــدنــيــهــا فَـقـالَ قـيـلا
الشاعر: ابن الهبارية · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر ابن الهبارية، من العصر الفاطمي، وتقع في 197 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قُــلتُ أَفــدنــيــهــا فَـقـالَ قـيـلا — وَلَيــــسَ كُــــل خَــــبَــــر عَـــليـــلا
كــــانَ بِـــمـــصـــر رَجُـــلٌ خَـــبـــاز — يَــقــذفــه بِــالرفــض مَـن يَـجـتـاز
وَكـــانَ فـــي كُــل غَــداةٍ يــفــتــح — دُكــانَهُ بِــالجــســر حــيـنَ يُـصـبِـح
ثُــم يَــقــوم قــائِمــاً فَــيَــخــطــب — وَيَــمــدَح الحــاكــم ثُــم يــطــنــب
وَيَــلعــن القــادر لَعـنـاً ظـاهِـرا — وَلَم يَـــكُـــن بِــذَنــبِهِ مُــســاتِــرا
عِــشـريـن عـامـاً وَإِذا مـا ذَكَـروا — بَــغــداد كــادَ قَــلبــهُ يَــنــفَـطـر
لِبــغــضــهــا وَبُــغــض مَـن بَـنـاهـا — وَود كُــــل النــــاس لَو يَـــراهـــا
وَكــانَ فــي بَــغــداد خَــبـاز دبـر — لَكـنـه بـالنـسـك فـيـهـا مُـشـتـهـر
فَــأَمــر القــادر حــيــنَ أَحــضَــره — وقــــالَ هَــــذي بــــدرة مـــبـــدره
فَـاِذهَـب إِلى مصر وَدَع عَنكَ العلل — وَانصب عَلى الخَباز اشراك الحِيَل
عَــســاكَ أَن تــقــدمــه العــراقــا — فَـــإنَّهـــُ قَــد شَــقــنــي شــقــاقــا
فَــمــر ذاكَ الشَّيـخ يَـبـغـي مـصـرا — حَــتَّى أَتــى جــيــزتـهـا وَالجـسـرا
وَصـــبـــح الخَـــبـــاز ثُــم دَفَــعــا — إِلَيــهِ دِيــنــاراً وَكَــيـداً صـنـعـا
فــلمــح الخَــبــاز ضَــرب القــادر — فَـــثـــارَ للغــيــظ كَــليــث خــادِر
وَضَــرب الشــيــخ إِلى أَن أثــخـنـه — وَشَـــتَـــمَ القـــادر ثُـــم لَعـــنـــه
وَقـــذفَ الديـــنـــارَ عَـــن يَــديــه — تـــطـــيـــراً إذ اســـمـــه عـــليــه
فَــجَــلَسَ الشَّيــخ قَــريــبـاً يَـبـكـي — وَالضـــرب فـــي أَضـــلاعِهِ وَالفَـــك
وَقـــــالَ قَـــــول وَاله كَـــــئيـــــب — شــر الخــلال بــغــضــة الغــريــب
شَـــيـــخ غَـــريـــب بـــائس كـــوفــي — مـــوحـــد مـــعـــتـــقـــد شـــيـــعــي
ضَـــرَبـــتــمــوه إِنَّهــا عَــجــيــبــه — مِـن مـثـلكـم في الدين مِن مُصيبه
قَــصَــدتــكــم للديــن مِــن بِــلادي — تَـــبَـــرمــاً بِــصُــحــبــة الأَعــادي
فَــسَــمــع الخَــبــاز ذاكَ فَــبَــكــى — وَجــاءَ يَــســعــى نَــحــوَهُ تَـنـسـكـا
مُـــعـــتَــذِراً مِــمــا جَــرى عَــلَيــه — مُــــقــــبــــلاً لِذَنــــبِهِ رجـــليـــه
يَــقــول خــلت الشــيـخ بَـغـداديـا — وَلَم أَخـــله مُـــؤمِــنــاً كــوفــيــا
وَســـاءَنـــي اســـم ذَلِكَ اللعـــيــن — فَـــكـــانَ مـــا فـــعــلتــه للديــن
فَــطَــلَب التــحــليــل مِـمـا فَـعَـلَه — وَتـــابَ مِـــن قَـــســـوتــه فَــحــلله
وَقـــالَ إِنـــي مـــثـــلكُــم خَــبــاز — وَحَــــقــــي الإكـــرام وَالإِعـــزاز
فَــاِصـطَـلَحـا وَاِتـفَـقـا وَاِصـطَـحـبـا — وَاِشــتَــرَكــا وَاتـجـرا وَاِكـتَـسَـبـا
وَزَوج المــصــري مِــنــهُ ابــنــتــه — وَأعــمــل الشــيـخ عَـلَيـهِ حـيـلتـه
وَلَم يَــزَل يــجــهَــد فـي التـشـنـع — وَكَـــثـــرَة النِــفــاق وَالتــصَــنــع
حَـــتَّى إِذا حـــالَ عَــلَيــهِ الحَــول — وَجـــاءَ شَـــعــبــان عــراه الوَيــل
وَلَجَّ فـــي البُـــكــاء وَالنــحــيــب — فَـقـالَ مـا يـبـكـيـكَ يـا حَـبـيـبـي
قـــالَ لَهُ شَـــوقــي إِلى الزيــاره — وَخــدمــة المَــشــاهـد المُـخـتـاره
وَالبَـــرَكـــات نـــازِلات فـــيــهــا — وَلَم يَـــزَل بِـــجُهــده يــطــريــهــا
وَيــورِد الفــاســدَ وَالصــحــيــحــا — مِــن فَــضـلِهـا وَيُـكـثـر المَـديـحـا
حَـتَّى اِشـتَهـى المـصري أَن يَزورَها — وَقـــالَ إِنـــي مــزمِــعٌ حُــضــورَهــا
لَكِـــنَّنـــي أَخــاف بَــطــش القــادر — فَــقَــد عَـرَفـت بَـغـضـه المـخـامـري
وَإِنَّنــــي أســــبــــه مُــــجـــاهِـــرا — فَــحَــق لي أَن أغــتــدى مــحــاذِرا
قــالَ لهُ الشــيــخُ ومــا يــدريــه — بـــحـــالنــا ومــن بــه يــأتــيــه
كَـــم مـــثــلنــا يَــزور كُــل عــام — مِـــن جـــهـــة الحِـــجــاز وَالشــآم
وَذاكَ عَـــنـــهُ غـــافـــل لا يَــدري — لأَنَّهـــُ مِـــن جَهـــلِهِ فـــي سُـــكـــر
فَــــلَم يَــــزَل بِـــقَـــولِهِ يـــغـــره — وَهــــوَ إِلى حــــمـــامـــه يَـــجـــره
حَـــتَّى إِذا مـــا قَــدم العِــراقــا — وَفـــارق الأَصـــحــابَ وَالرفــاقــا
فَــكــاتــب القــادر بِــالحَـقـيـقـه — فَــــأخَـــذَت خـــيـــولَهُ طَـــريـــقـــه
وَأحـــضَـــروه وَهـــوَ فـــي وَثــاقــه — لِســـوء مـــا قَــدم مِــن شَــقــاقــه
حَـتَّى إِذا مـا صـارَ عَـنـهُ القـادر — أَبـدى لَهُ بـشـر الخـدوع المـاكـر
وَقـــالَ حـــلوا قَـــيـــده وَالغــلا — وَأنـــكـــر الفـــعـــل بِهِ فـــحـــلا
وَبـــرَّهُ وَلَم يَـــزَل فـــي حُـــجــرَتِه — مــشــاهِــداً وَجــد فــي عــيــادتــه
ثُـــــم حَـــــبــــاه لَيــــلة بِــــأَلف — وَزادَ فـــــي إِكـــــرامِه وَاللطــــف
وَقــالَ لا تَــســب مَـن لا تَـعـرفـه — إِنَــكَ فـي اِغـتِـيـابِهِ لا تـنـصـفـه
وَرَدهُ مِــــن وَقــــتِهِ إِلى الوَطَــــن — وَبــغــضــه قَــد صــارَ حُـبـاً وَشـجـن
حَــتَّى إِذا مــا فَــتَــحَ الدكــانــا — وَشــاهــد الإِخــوانَ وَالجِــيـرانـا
قـــامَ عَـــلى عـــادَتِهِ خَـــطــيــبــاً — وَلَم يَــكُــن فــي فــعــلِهِ مُـصـيـبـا
وَمَـــــــدح القـــــــادر أَي مَــــــدح — مُـــعـــتَــذِراً مِــن جــرحِهِ وَالقَــدح
وَلَم يَــزَل يَــدعــو لَهُ وَيَــشــكُــره — وَبِـالجَـمـيـل فـي الدعـاء يَـذكـره
فَـــبَـــلَغَ الحـــاكـــم ذاكَ عَـــنـــهُ — فَـــســـاءهُ مــا قَــد أَتــاه مِــنــه
وَاِشــتــاطَ مِــمــا أَبـلَغـوه وَغَـضـب — وَأَصــبَــحَ الخَــبـاز وَهـوَ قَـد صـلب
وَرقـــعـــة فـــي حَـــلقِهِ مُـــعَـــلقَه — نَـحـنُ صَـلَبـنـاه فَـخـلوا المـخرقه
بِــــكَــــف مَــــن كـــانَ لَهُ يُـــوالي — وَذاكَ مِـــن مَـــحــاســن الأَعــمــال
لا يـــلتـــحــف بِــإثــمــه وَعــاره — خَـيـر الأُمور الصَّبر في المَكاره
وَالرفـق فـي التـدبـيـر وَالتـلطف — لمـــا يَـــشــا وَأَنــتَ لَم تــعــنــف
عــــادَ إِلى عــــادَتِهِ صَــــبــــيــــحُ — وَإِنَّهـــــُ مـــــحـــــدث فَـــــصــــيــــحُ
قــالَ فَــلَمــا شــاعَــت الأَخــبــار — وَاِنــــتَــــشَــــرَت بِـــذَلِكَ الآثـــار
كَــذبَهــا جَــمــيــعــهــا الأَمــيــر — بِــــنَــــقــــدِهِ لأَنَّهـــُ تَـــحـــريـــر
لَكِـــنَّهـــُ صَــدقَهــا فــي الظــاهــر — تَــــوصــــلاً بِهـــا إِلى الســـرائر
فَــزيــن النــعــمـة وَاِسـتَـقـصـاهـا — وَمَــنَّ بِــالمُهــجَــة إِذ أَبــقــاهــا
وَقــالَ إِن النــفــي خَـيـر لي وَلَك — وَمَــن نَــفــى عَـن أَرضِهِ فَـقَـد هَـلَك
فَــجــئت هَــذا البَــلَد الغَــريـبـا — وَلَم أَجــد فــي ربــعــه نَــســيـبـا
قــالَ لَهُ الطــاووس قَــد عَــرَفـتـه — وَكُـــل مـــا شَـــرَحـــتــه فَهــمــتــه
وَهـوَ هَـجـيـن الأَصـل حـيـنَ يـنـسـب — وَالعـــرق دَســـاس إلَيـــهِ يـــجــذب
كـــانَـــت لَهُ أُم مــن العــقــاعــق — أشــبــهــهــا فــي هَــذِهِ الخَــلائق
إِن الأُصـــول تَـــجــذب الفُــروعــا — وَالعـــرق دَســـاس إذا أطـــيـــعــا
مـــا طـــابَ فــرع أَصــلهُ خَــبــيــثُ — وَلا زَكـــا مِـــن مَـــجـــدِهِ حَــديــثُ
قَـد يَـبـلغـون رتـبـاً فـي الدنـيا — وَيُـــدرِكـــون وَطـــراً مِـــن عــليــا
لَكِـنـهُـم لا يَـبـلغـون فـي الكَـرَم — مَــبــلَغَ مَــن كــانَ لَهُ فــيـهِ قَـدم
قــالَ لَهُ البــوم وَلِلبــوم حــكــم — مــغــالطــاً فــي قَــولِهِ وَقَـد ظَـلَم
خَــل الأُصـول فَـالكَـريـمُ مـن كـرم — لا يُـكـرم الفرع إِذا الأَصل لوم
قــالَ لَهُ الطــاووس حَــقــاً قـلتـا — وَنــعــم يــا صــاحــب مــا ذَكَـرتـا
لَكـــنَّ مَـــن تَــقــابَــلَت أَطــرافــه — فــي طــيــبِهــا وَكــرمــت أَسـلافـه
كــانَ خَـليـقـاً بِـالعَـلاء وَالكَـرَم — وَبَــزَغَــت فـي أَصـلِهِ خـيـر الشـيَـم
قــالَ لَهُ الطــاووس خَـلّ مـا مَـضـى — وَذكـــرهُ فَـــإِنَّهـــُ قَـــد اِنــقَــضــى
واعـمـل لَنـا فـي حـيـلة تُـنـجينا — مِـن شَـرِّ مـا نَـلقـى فَـقَـد أرديـنا
فَــقــالَ عِــنــدي حــيــلة عَـجـيـبـه — تَـنـجـو بِهـا مِـن هَـذِهِ المُـصـيـبـه
نَـــمـــوت فـــيـــهــا فَــإِذا رَآنــا — مَــوتــى بِــلا مَــنــفَـعَـةٍ أَلقـانـا
وَأَقـــبـــل الصـــيـــاد وَهــوَ جَــذل — فــأفــلتـتـنـا مِـنـهُ تِـلكَ الحـيـل
فَـأظـهـرا المَـوت فَـألقـى البوما — وَقــالَ مَـن يَـأخُـذ ذا المَـشـؤومـا
وَنَــتــف الطــاووس حَــتّــى سَــمـطـه — مَــــحَــــبــــةً لِريــــشِهِ وَخــــرطــــه
فَـــلقـــي العـــنـــاء وَالعَــذابــا — مَــن شــاوَرَ الأَعـداء مـا أَصـابـا
وَذَهَـــب الصـــيــاد عَــنــهُ وَبَــقــى — مُــنــطَــرِحـاً فـي حـيـرة لمـا لَقـى
وَقــالَ لَو أَنــي أَجــدت مــا جَــرى — عَــليَّ مِــن جَـورِ الأَنـيـسِ مـا أَرى
فَـــإِنَّهـــُم لا يــذبَــحــونَ مــثــلي — قَـــصـــدهـــم حـــســنــي دونَ أَكــلي
فَــلم فَــعــلتُ مــا فَـعَـلتُ خـائِفـا — مِـنـهـم فَـأَصـبَـحـت سَـليـبـاً تالِفا
كَــذاكَ مَــن يَــســتَـصـحـب الأَعـادي — يـــردونَهُ بِـــالغـــش وَالإِفـــســاد
قـــالَ لَهُ البـــومُ أَخَـــذت ثَـــأري — مِـــنـــكَ وَبَـــردت غَـــليـــل صَـــدري
وَجـــاءهُ يَـــنـــقـــره وَيَـــضـــربــه — وَلَم يَـــزَل مُـــجــتَهِــداً يــعــذبــه
قــالَ لَهُ وَيــحَــك مـا ذَنـبـي أَنـا — تَـأخـذنـي ظُـلمـاً بِـذَنـب مـن جَـنـى
أَيـــؤخـــذُ البـــريُّ بـــالســقــيــم — وَالرجـــل المُـــحــســن بِــاللئيــم
قــالَ نَــعــم ثَــأري عِـنـدَ الجـنـس — وَلَيــسَ يَــشــقـى غَـيـر ذاكَ نَـفـسـي
قـالَ جَـمَـعـت الجَهـل وَالجُـبن مَعاً — عـيـبـان مـا ظَـنـنـت أَن يَـجـتَـمِعا
جُـبـنـاً عَـلى العَـدو وَالجَهـل عَلى — سِـواه فـي القَـبـيـح نـاراً تَصطلي
حَــــتَّى إِذا أَدمـــاهُ مـــرَّ عَـــنـــهُ — وَقَـد شَـفـى الحـقـد القَـديـم مِـنه
فَــلَم يُــطــق سَــعـيـاً وَلا حِـراكـا — وَعـــايَـــن الحــيــرة وَالهَــلاكــا
فَــجــاءهُ أَبــو الحـصـيـن الثَّعـلب — وَمـــا أَطـــاقَ هَـــرَبـــا فَـــيَهـــرب
فَـــاِنـــتــاشَهُ فــي فَــمــه وَعــادا — لِيُـــطـــعـــم الزوجـــة وَالأَولادا
حَــــتَّى إِذا جــــاءَ بِهِ إِلَيــــهــــم — أَلقـــاه مِـــن أَنــيــابِهِ لَدَيــهِــم
وَقــد رأَي المَـوت عـيـانـا فَـدَعـا — رَبـاً لَطـيـفـاً بِـالوَرى قَـد صَـنَـعا
لَهُ وَقَــد ظَــلَّ حَــزيــنــاً مــحـرجـا — مَـن يَـتـقـي اللَّه يُـصـادف مَـخـرَجا
فَـــقـــالَ لِلأُنــثــى أَنــا عَــليــل — وَإِن جِــســمــي فــاعــلمــي نَــحـيـل
وَعـــاقـــل لا يَــأكُــل العَــليــلا — تـــحـــرزاً لا ســيــمــا نَــحــيــلا
فَـــإِنَّهـــُ يـــعـــديــهِ بِــالســقــام — وَأكــــثــــر الداء مِـــن الطَّعـــام
فَـــلَو صَـــبَـــرت مُـــدة عَــن أَكــلي — كَـــيـــمـــا تَـــزول عــلَّتــي وَسِــلِّي
وَرُبَّمــا سَــمــنـت أَيـضـاً فَـالسـمـن — يــطــيــب اللحــم وَيــرطـب البَـدَن
وَهــــا أَنــــا لَدَيـــكُـــم أَســـيـــر — مــثــلي لا يَــســعــى وَلا يَــطـيـر
فَــنـاجـت الأُنـثـى بِـذاكَ الذكـرا — قــالَ لهــا خَــديــعــة مــا ذكــرا
فَـــغَـــضِـــبَـــت مِــن قَــولِهِ وَقــالَت — أَكـــل العَـــليـــل عـــلة مــازالَت
تــريــد أَن تَــقــتُــلنــا بِــلحـمـه — أَخــاف أَن يــعــديــنــا بِــســقـمـه
فَـــغـــلبـــتـــه قـــال أَنـــت أَدرى — لَســت بِــدان مِــنــهُ حَــتَّى يَــبــرا
قـــالَ لَهـــا إِنِّيـــ أَخـــاف غَــدره — وَلَســـت بِـــالآمـــن وَيـــك مــكــره
فَــاســتَــحــلِفــيــه لي بِــالطــلاق — فَــرُبَّمــا يَــصــدق فــي المِــيـثـاق
قــالَت لَهُ إِحــلف لأَجــلي فَــحَــلَف — لا نــاله مــادامَ ذا سَــقـمٍ تـلف
فَـظَـلَّ يَـسـعـى نَـحـوَ حـجـر الثَّعـلب — وَيــرتَــعــي مِــن مــطــعــم وَمَـشـرَب
حَــــتَّى إِذا صَـــح وَطـــالَ ريـــشـــه — وَصــارَ لا يُــمــكــن مــن يَــحــوشَه
طــارَ إِلى غُــصــن رَفــيــع فَــوقَــع — عَـــلَيـــهِ وَهــوَ آمــن أَن يــتــبــع
قـالَت لَهُ الأُنـثـى وَخـافَت بَعلَها — وَقَــد رَأَت مِــمــا جَــنَـتـهُ جَهـلَهـا
قَــد خُــنــت بِـالعُهـود وَالأَيـمـان — غَـدراً وَمـا الغَـدر مِـن الأَيـمـان
فَــعــد إِلَيـنـا آمـنـاً لا خـائِفـاً — فَـلَسـت تَـخـشـى عِـنـدَنـا المتالفا
فَــقــد أَلفــنــاك وَعــدت كَــالوَلَد — وَلَســت مـا عـشـت لَدَيـنـا مُـضـطَهـد
قــالَ لَهــا خــدعــت وَالحَـرب خـدع — فَـاسـتيئسي لا تَطمَعي في أَن أقَع
وَعـــادَ مَـــســـروراً إِلى أنـــثــاه — وَقَـــصَّ للطـــيـــور مـــا عـــانـــاه
قـالَت لَهُ الأُنـثـى عَـجيب ما جَرى — وَفَـــضـــله بـــاد لِمَـــن تَـــفَـــكَّرا
يــخــدعـك البـوم زَمـان المـحـنـه — وَهــوَ سَــفــيــه لَيـسَ فـيـهِ فـطـنـه
وَتــــخـــدع الثـــعـــلب وَهـــوَ داه — لَيــــسَ بِـــذي جَهـــل وَلا ســـفـــاه
إِذ جـــــاءَت الدولة وَالسَّعـــــاده — تَـــمـــت لَكَ الحـــيـــلة وَالإرادَه
وَالفَــضــل نَــقـص فـي زَمـان الحَـد — وَالنَّقــص فَــضــل فــي أَوان الجــد
قـالَت لَهُ العَـنـقـاء حَـقـاً قـلتـا — عَــلمــت يــا هَــذا وَمــا جــهـلتـا
لَكــن فــي الأنــس عُـيـوبـاً أُخـرى — وَأَنــــتُــــم مــــنـــي بِـــذاكَ أَدرى
كُــفــرهــم بِــرَبــهــم وَفــســقــهــم — وَقَــتــلهــم أَنــفــسـهـم وَحـمـقـهـم
وَبُــخــلهــم وَالمــال غَــيــر بــاق — وَحــرصــهــم وَالعَــيــش بِــالأَرزاق
وَجَــمــعــهــم وَقَــد دَروا بِـالمَـوت — وَحــزنــهــم عِــنـدَ الردى وَالفَـوت
قـالَ الصـبـا أَتـثـبـت المَـعـبودا — أَم أَنــتَ مِــمَـن يـظـهـر الجـحـودا
قــالَ وَهَــل يُــمــكـن فـي العُـقـول — إِنــكــارك الصــانــع يــا خَـليـلي
قـــالَت عـــلمـــت أنَّهـــُ حَـــكـــيــم — وَأنَّهـــــُ بـــــفــــعــــلهِ عَــــليــــم
قـالَ نَـعـم لا شَـكَ لي فـي حـكمته — وَعــــلمــــه وَحـــلمـــه وَقـــدرتـــه
قـــالَ فَـــكُــلُّ مــا جَــرى وَيَــجــري — بِــــحـــكـــمـــة قـــدرهـــا للأمـــر
فَــقــالَ زدنــي لَيــسَ هَـذا يَـكـفـي — إِنَّ العَــليــل دائِمــاً يَــسـتَـشـفـي
قـــال لَهُ إِن اخـــتـــلاف الخَـــلق — وَخَـــبـــطـــهـــم فــي بــاطــل وَحَــق
دلالة واضِـــــحـــــة للمــــقــــدره — وَلَيــسَ لِلمُــفــسـد فـيـهـا مَـعـذِره
وَكُـــلَّمـــا ركـــب فـــي المَــخــلوق — مِــن اِخــتِــلاف الطَّبــع وَالفُــروق
يَـــــــــدل أَنَّ اللَّه رَب قـــــــــادِر — مَــقــدوره يَــعـجـز عَـنـهُ الحـاصـر
ثُــم اِبــتَــلاهــم نـاهـيـاً وَآمِـرا — لِيَــعــلم الأَعــمــال وَالســرائِرا
وَمُــؤمِــنــاً مِــن خَــلقِهِ وَكــافِــرا — وَوافــــيــــاً بِــــعَهـــدِهِ وَغـــادِرا
لِيــــجـــزِي المُـــؤمـــن بِـــالثَّواب — وَيـــجـــزِي الكــافِــر بِــالعِــقــاب
قــالَ وَمــا فــي ذاكَ قُــل وأوضــح — فَــلَســت لِلتـكـليـف بِـالمُـسـتَـصـلِح
قــالَ جَهــلت الحَـق إِن المَـصـلحـه — بــاديــة أَســرارهــا مُــسـتـمـلحـه
لأَنَّهــــُ فَــــرَّق بَــــيــــنَ الخَــــلق — فـــي جُـــمــلة الأَحــوال أَي فَــرق
فَـــخَـــلق المَــعــدن وَالنــبــاتــا — وَالحَــيــوان خَــلَقــوا أشــتــاتــا
وَالحَـــيـــوان صـــامـــت وَنـــاطـــق — وَفــــائق فــــي عــــلقـــه وَمـــائِق
وَهـــمـــلٌ أَهـــمـــله مـــا كَـــلفــه — وَنــــاطــــق كَــــلفـــه فَـــشـــرفـــه
كَـيـلا يَـكـون الخَلق شَيئاً وَاحِدا — فَــتــنـقـص القُـدرة نَـقـصـاً زائِدا
فَــالقــادِر الحَــق عَـلى الأطـلاق — مـن أَوجـد الأَضـداد فـي الأَخلاق
وَجــمــعــت صــنــعــتــه الأَضــدادا — تَــصَــرفــا فــيــهــا كَــمــا أَرادا
كَــذاكَ فَــاِعــلَم خَـلق الأَصـنـافـا — جَــمــيــعــهــا تَـخـتَـلف اِخـتِـلافـا
أَحــسَــن خَـلق الفـيـل وَالبَـعـوضـه — بِــحــكـمـة عَـلى النـهـى مَـعـروضـه
وَقــتــلهــم نُــفــوســهُــم فَهَــكَــذا — بَـعـضـهـم يَـلقـى مِن البَعض الأَذى
فَــإِن فــي الوحــش وَفــي الطـيـور — مــا شِــئت مِــن ظُــلم وَمِــن شُــرور
وَقَـــد مَـــضـــى جَـــواب ذا وَعُــذره — وَقَـــد بَـــدا لَو اِعــتــبــرت ســرهُ
فَــأيــقــن العَــنـقـاء أَنَّ الحَـقـا — كــانَ مَــعَ الصــبــا وَقــالَ صـدقـا
فَــاِنــقــادَ للحــق وَقــالَ الإنــس — جـــنـــس شَــريــف مــا بِــذاكَ لَبــس
ثُــم دَعــانــي خــاليـاً فَـاِعـتَـذَرا — وَتــابَ مِــن ذمــهــم وَاِســتَــغـفَـرا
وَقـــالَ قُـــل للمـــلك العَـــظــيــم — قَــد تــبــت مِــن مَـقـالي الأَثـيـم
وَبــانَ مــا كــانَ خَــفــيــاً عَــنــي — وَخـــابَ فـــي ذَم الأَنـــام ظَـــنــي
لَكِـــنـــنــي أعــجــب مِــن فــعــاله — بِـــنـــصــرة الأنــس وَمِــن جــداله
عَــنــهُــم وَهُــم أَعـداؤُهُ بِـالطـبـع — وَكُـــلهُـــم يـــقـــصــده بِــالســبــع
وَبَــعــضــهُــم يَــنـفـي وجـود الجـن — وَبَــعــضــهُــم يــعــمــهــم بِـاللعـن
وَبَــعــضـهُـم يـطـعَـن فـي أَخـلاقِهـم — وَبَــعــضــهُــم يَـعـوذ مِـن طـراقـهـم
وَبَــعــضــهُــم يــنــســب كُــل نــكــر — إِلَيــهــم عِــنــدَ اِحـتـيـال الغَـدر
وَبَــعــضــهُــم يــحــيــل بِــالذُنــوب — عَـــلَيـــهـــم وَفـــاحـــش العُـــيــوب
مـا تَـسـتَـحـق الإنـس مِـنـهُ نَـصـرا — بَـل اِسـتَـحَـقـوا مـقـتـه وَالهَـجـرا
قـــالَت لَهُ خُـــذ الجَـــواب مـــنــي — وارو الَّذي اذكـــر فـــيــهِ عَــنــي
العــاقِــل الفــاضِــل لا يُــجــازى — بِـــسَـــيــء فَهــوى مِــن المَــخــازي
إِذا فَــعــلت مـثـل فـعـل الجـاهـل — ســـاويـــتــهُ فــي دقــة الشَّمــائل
أفـضـل عَـلى النَّظـيـر يـبدُ فَضلكا — أَحـسـن إِلى المُـسـيء يظهر نبلكا
وَاِنــصــف المَــظــلوم تَــدَع سَـيـدا — وَأَعــطِ أَعــداءك تَــلقــى أَمــجَــدا
وَصــيــة النــبِــي صِــل مَـن قَـطَـعَـك — فَــضــلاً عَــلَيـهِ وَأَنِـل مـن مَـنـعـك
افــعــل جَـمـيـلاً تَـلقَهُ وَتـجـزَ بِه — فَـإِن فـعـل النـاس غَـيـر مُـشـتَـبـه
اصـفـح عَـن الجـانـي وَعُـد بحلمكا — يــظــهــر خَــفــيَّ جَهــلِهِ بِـعـلمِـكـا
وَنَـحـنُ نـجـزي عَنهُم في ذا اللسن — نُـقـابـل القَـبـيـح بالفعل الحَسَن
وَبَـيـنـنـا الأَنـسـاب أَيـضـاً توجب — غــيــرتــنــا عَـلَيـهـم إِذ نَـكَـبـوا
قـالَ أَبِـن لي مـوضـحاً ذاكَ النسَب — فَـقَـد أَتـيـت بِـالَّذي قُـلت العَـجَـب
أَلســتُــمُ نــاراً وَهُــم مِــن طــيــن — لَيــسَ الأُســود كَـالظِّبـاء العـيـن
وَشَــيــخــكُــم إِبــليـس تـاهَ وَفـخـر — عَـــلى أَبـــيــهــم آدم ثُــم كَــفَــر
قــالَ نَــعــم فَــالنَّســَب القَــريــب — يَـــعـــرفــه المــحــقــق اللبــيــب
قــرابــة التــكــليــف وَالخــطــاب — مـا بَـيـنـنـا أَدنـى مِـن الأَنـساب
نَــحــنُ جَــمــيـعـاً أَهـل عَهـد اللَّه — خــاطــبــنــا بِـالأَمـر وَالنـواهـي
وَالنــطــق وَالعَـقـل فَهـل صَـدقـتـا — يــا مــلك الطــيــر بِـمـا ذَكـرتـا
وَالمَــرء يــحــيــي جــاهِـداً أَخـاه — وَهـــوَ إِذا مـــا عــد مــن أَعــداه
أَمــا ســمــعــت قــصــة العَــدليــن — وأَنَّهـــا صـــدق بِـــغَـــيـــر مَـــيــن
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الحاكم: الحَاكِمُ : فا.-: صاحب السلطة؛ الحاكم الماهر في فنِّ حكم الرِّجال هو الذي يستغلُّ عيوبهم لردع فسادهم.-: القاضي فَاصْبِروا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ. - بأمره: الذي لا يُردُّ له أمْرٌ/ ال …
- القادر: القَادِرُ : فا.- عليه: المتمكِّن منه حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَنَتْ وظَنَّ أهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أوْ نَهَاراًْ فَجَعَلْنَاهَا حصيداً.- في الرِّزق على ا …
- بالجسر: جَسَرَ: جَسَرَ يَجْسُرُ جُسُوراً وجَسارَةً: مَضَى ونفَذ. وجَسَرَ عَلَى كَذَا يَجْسُر جَسارَةً وتَجاسَر عَلَيْهِ؛ أَقدم. والجَسُورُ: المِقْدامُ. وَرَجُلٌ جَسْر وجَسُورٌ: ماضٍ شجاعٌ، والأُنثى جَسْرَةٌ وجَسُورٌ وجَسُورَةٌ. …
- بالرفض: رفض: الرَّفْضُ: تركُكَ الشيءَ. تَقُولُ: رَفَضَني فَرَفَضْتُه، رَفَضْتُ الشيءَ أَرْفُضُه وأَرفِضُه رَفْضاً ورَفَضاً: تركتُه وفَرَّقْتُه. الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفْضُ التَّرْكُ، وَقَدْ رَفَضَه يَرْفُضُه ويَرْفِضُه. والرَّفَضُ …
- بالنسك: نسك: النُّسْكُ والنُّسُك: الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ وَكُلُّ مَا تُقُرب بِهِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ لِثَعْلَبٍ: هَلْ يُسَمَّى الصَّوْمُ نُسُكاً؟ فَقَالَ: كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ عزَّ وَجَلَّ يسمى نُسُكاً. نَسَك لله تَ …
- بذنبه: الذَّنَبَةُ : ذُنَابة الوادي، أي موضع إنتهاء مسيله.
- بناها: بَنى فلان بيتاً من البُنيان. وبَنى على أهله بِناءً فيهما، أي زفها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ. وكان الاصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله بان. وبنى قصورا، شدد للكثرة. وابْ …
- خباز: الخُبَّازُ : الخُبَّازَى أو الخُبازَى، وهو نبات من الفصيلة الخُبَّازية، يُطبخ ورقُه ويؤكل.