قال نَعم خَرَجت في جَماعة
الشاعر: ابن الهبارية · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر ابن الهبارية، من العصر الفاطمي، وتقع في 106 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قال نَعم خَرَجت في جَماعة ... تاجرة لكلنا بِضاعة
وَكانَ فينا ناسك تَقي ... طَريقه في زهدِهِ مهدي
حَتَّى إِذا سِرنا وَجد السير ... قالَ الصَّلاة فافعلوها خَير
فَــــلامَهُ أَصحابهُ وَقالوا ... سر فَالقَضاء جائز يا مال
فَالجَمع للركب المجد رخصه ... فانتهز الفُرصة قَبل الغصه
هَذا طَريق شاسع مَجهول ... وَالليث لا تَأمنه وَالغول
فَخالف القَوم جَميعاً وَنزل ... إِن الخِلاف لمشوم لَم يَزَل
حَــــتَّى إِذا أحــــرَم بِالصلاة ... أَتاه مِن بَين يَديهِ آت
قــــالَ لَهُ وَقــــدم الســــلامــــا ... عَلَيهِ للخدعة عم ظَلاما
ما أَنتَ يا شَيخ وَذا المَكان ... وَهوَ خلاء ما بِهِ إِنسان
وَما الَّذي تصنعه وَتفعله ... فَإنَّني أنكره وَأجهله
وَالشَّيخ في صلاته مَشغول ... وَعقله بنسكه مَعقول
ثُمَ قَضى صَلاته وَسلما ... وَأَظهر الغلظة وَالتجَهما
وَقالَ يا جاهل عَمّ تَسأَل ... ألست تَدري أَي شَيء أفعل
أَكافر أَنتَ فَأَنتَ تنكر ... عَلى مَن دين الهدى ما تبصر
قالَ لَهُ ما زدتني علماً فَقُل ... ماذا الَّذي تفعله يا ذا الرجل
فَإِنَّني لَم أَرَ قَط غَيرَكا ... يَسير في هَذا الطَّريق سَيرَكا
قال أمجنون ألست تعرف ... أَم أَنتَ عَن نَهج السبيل تصدف
هَذي صَلاة الناس فَرض واجب ... عَلَيهم وَلَيسَ عَنها راغب
وَقص أمر الشرع قصاً وَشرح ... فَصاحَ ذاكَ الشخص عَمداً وَانطرح
يَظهر أَني قَد عَرَفتُ رَبي ... وَلَم أَكُــــن أعرفه لِذَنبي
ليخدع الشيخ فَلا يَسير ... رَحيله حَتّى تَفوت العير
ففطن الشَّيخ لما أراده ... وَاِغتاله بِمكره وَكاده
وَقالَ ما أقدر أَن أَريما ... وَأظهر التوجع العَظيما
هَذا الفَتى لَم يَعرف الرحمانا ... وَلا رَســــول اللَّه إِلا الآنــــا
وَالآن قَد أسلم بَل قَد آمنا ... وَاحسرتاه لَو وَجَدت مَأمَنا
لَو أَنَّهـــــُ عـــــاش لَكــــان وَلدي ... وَعدة عَظيمة مِن عددي
وَزَوج تلك الطفلة الحَسناء ... وَفاز بالنعمة وَالثراء
فَإِنَّني شَيخ كَثير المال ... فرد مِن الأَعمام وَالأَخوال
وَلَيس لي وَلد سِوى بَنيه ... وَالبنت في قَلب الشَّقيق كيه
وَلَيس في أَرضي من أَهواه ... لَهـــــا وَلا ذو شَـــــرف أَرضــــاه
كُـــــلهـــــم لي حــــاســــد عَــــدوٌّ ... لَيس لَهُم مِن حَسدي هُدو
وَحَسرة أَن يأخذوا مِن بَعدي ... مالي الَّذي جَمَعتهُ بِكَدي
لَو عاشَ هَذا كان نعم الصهر ... واشتد مني بِقواه الظَهر
لكنه قَد ماتَ مِن خُشوعه ... وَنَفسه تَسيل مِن دُموعه
ففهم الفاتك قَصد الناسك ... فلج في الحيلة وَالتهالك
وَلَم يَفق مِن سُكره وَلا انتفع ... بِقَوله وَإِنَّما الحَرب خدع
فأيقن الناسك أَن سحره ... ما رد عَنهُ كَيده وَمكره
فَقامَ مِن مَكانه يُنادي ... أَصحابه وَاللَّيل ذو اسوداد
قَد مات إِنسان فَعودوا وَاشهدوا ... جهازه كَما أمرتم وَاجهَدوا
فَخَشي الفاتك أَن يسمعه ... رَفيقه الأَدنى وَأَن يمنعه
فَقامَ مِن صرعته مبادراً ... مغالباً بفتكه مكابرا
قال لَهُ الناسك قف قَليلاً ... إِن الجَميل يَفعل الجَميلا
مَقالة مني استمعها وافهم ... وارحم فَما يَرحم مَن لَم يرحم
إِني شَيخ لَيسَ بي حراك ... يَخشى وَما مِن عادَتي العراك
وَلَيس في قَتلي غَير العار ... إِذا قَصَدت قَتلتي وَالعار
قال وَما العار الَّذي يَلحقني ... إِن كانَ إثم فاحش يرهقني
فَقال شَيخ عاجز ضَعيف ... يَأنف أن يقتله الشريف
لا فخر في ذاك وَلا شَجاعة ... بَل فيهِ عار ظاهر الشناعة
يا صاح ما سَمعت أَن مالكا ... أمهل عثمان لأجل ذلكا
وَصــــد عَــــنــــهُ إذ رآه وحــــده ... مستسلماً قَد حادَ عَنهُ جُنده
قـــــال لَه مـــــحــــمــــد إِذ ولى ... اقتله يا مالك قال كَلا
إِني أَخاف أَن تَقول العرب ... وَالعار لا يُنجيكَ منهُ الهَرَب
النخعى كان شَيخاً عاجِزاً ... وَالفَخر لَو قتلته مبارزا
مُرتجزاً مُحتمياً بِقَومِه ... فما انتَهى مُحَمَّد للومِه
فَهَــــكَذا مَكارِمُ الأَخلاق ... وَشَــــرَف النــــفوس وَالأَعراق
وَهَــــكَذا إِذ بيت الشراة ... وَكانَ مِن عاداتِها البيات
قال لَهُم عَمروالقَنا لا تَعجلوا ... بقتلهم وَهُم نيام تخجلوا
وَأيقظوهم بحوامي الخَيل ... وَأنذروهم وَاحذَروا مِن مَيل
فَإن قتل غافل أَو نائم ... عار وَبئسَ القَتل للأكارم
قالَ لَهُ الشاطر أَن الغَلبه ... أَن يُدرك الإِنسان ما قَد طَلَبَه
وَالقَصد أَن أَظفر كَيفَ كانا ... وَالشّهم مَن يَنتَهز الامكانا
وَلَست للأمثال منكَ استمع ... وَلا بهذي الترهات انخدع
تُريد أَن تَخدَعَني لتسلما ... وَأنثني أعض كَفي نَدَما
وَالعاقل الكافي من الرِّجال ... لا يَنثَني بزخرف المقال
وَإِنَّما يخدَع كُل عاجز ... غمرٍ ضَعيف عوده للغامز
أَما سمعت قصةَ الظليم ... وَفتكه بالناجش المليم
فَقال لا قال رَأَيت ناجِشا ... كَأَنَّهُ مثل الفنيق جائِشا
قَد لطف الحيلة حَتّى اِصطادَهُ ... وَشَــــده فــــي حَــــبلِه وَقاده
قالَ لَهُ الظليم لِم أَخذتني ... وَما الَّذي مِن أَجلِه قَصَدتَني
قالَ لَهُ شَيخ معيل عائل ... وَلي بَــــنات حالَهن حائل
تسعة أَطفال صِغار فَبَكى الظ ... ظليم مِما قالَهُ وَضَحِكا
قالَ لَهُ الصياد هَذا عَجَب ... مستظرف بَل سفه وَلَعب
في لَمحة الطرف بُكاء وَضحك ... وَناجذ باد وَدَمع منسفك
قالَ الظليم ما عَرَفت سَببه ... غَير عَجيب في الأُمور المعجبه
هِيَ الَّتي قَد خفيت أَسبابها ... وَاشتبهت عَلى النهى أَبوابها
وَإِن ما رَأيته مِن فعلي ... مستغرباً عَن سَبب وَأَصل
قالَ لَهُ الشَّيخ وَما ذاكَ السَّبب ... أبنهُ لي إن البيان مُستَحب
قالَ بُكاي لفراخي إنَّهم ... قَد خيبت فيَّ الليالي ظنَهُم
خَرَجتُ كَي أَرعى لَهُم وَأرجعا ... فَقَد وَقَعت الآن هَذا المَوقِعا
وَإِنَّهُم يَنتَظِرونَ رَجعَتي ... يا وَيلَهُم لَو يَعلمون صرعتي
فذكر الشَّيخ بِهم أَولاده ... وَليــــنــــت قــــولتــــه فُــــؤاده
لَو لَم يَكُن حُكم القَضاء أوثقه ... لحــــله مِن وَقتِهِ وَأطلقه
لَكنه أَبدى لَهُ التجلدا ... إِن الشــــقــــي لَشــــقي أَبدا
وَقالَ هَذا سَبب البُكاء ... لَيــــس بِه عَــــلي مــــن خفاء
فَلم ضحكت قالَ منكَ ضحكي ... فَأمر أمثالك جداً مضحكي
خَرَجت تَبغي الرزق للعيال ... وَالرزق في بيتك كَالجِبال
قــــالَ وَما ذَلِكَ قالَ كنز ... في دارِكُم حَيث تشد العنز
دَفينة قَديمة عادية ... مِن كُل نَقد جملة سنيه
فَفرح الشَّيخ بِذاكَ وَنشط ... وَهم أَن يطلقه وَقَد غَلط
وَما لمن غل القَضاء مُطلق ... وَما لمن حَل القَضاء موثق
فَقالَ إِن أطلقته لَما ذكر ... مِن غَير أن أعمل في ذاك النظَر
أطلقت نَقداً عاجِلاً بِكَفي ... لِمَـــــوعـــــد لعـــــله ذو خـــــلف
وَلامَني الناس وَقالوا جاهل ... فَعاذري فيما فعلت عاذل
فعلم الظليم أن حيلته ... ما وافقت غرته وَغيلته
فَقالَ ما أصنع قَد وَقَعت ... وَكدت لَكِني ما انتفَعت
لابُد مِن فكر وَلُطف حيله ... يَكون لي إِلى المُنى وَسيله
إِنِّيـــ في قبضته أسير ... وَلَيس لي مِن جورهِ مجير
إِلا الإِله القادر الغَفور ... بِلُطفِه ينجبر الكَسير
أَقلُّ مِما أَنا فيهِ لا أَرى ... سَأَفتَرِي بَيِّنَةً لِما جَرى
وَأَرتجي مِن خالِقي رَبِّ الوَرى ... نقلي مِن الأَسر إِلى دارِ القِرى
فَقالَ حَتَّى يَسمَع الصَّياد ... لنــــفــــســــه وَفَهمُه المُرادُ
شَيخ حَكيم عاقل أَريب ... بِقول أَمثالي يَستَريب
لا تَسمَع الدَّعوى بِغَير شاهد ... لا سيما ما كانَ مِن مُعاند
لَو أَنَّني أَورَدت ألف بينه ... لصدق ما أذكره معينه
مــــــــا زادهُ ذَلِكَ إِلا صَــــــــدا ... عَـــــمـــــا ذكــــرت أَبَــــداً وَردا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- الخلاف: خلف: اللَّيْثُ: الخَلْفُ ضِدُّ قُدّام. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ تَكُونُ اسْمًا وظَرفاً، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا جَرت بِوُجُوهِ الإِعراب، وَإِذَا كَانَتْ ظَرْفًا لَمْ تَزَلْ نَصْبًا عَ … (لسان العرب)
- جائز: جيز: الجِيزَةُ: النَّاحِيَةُ وَالْجَانِبُ، وَجَمْعُهَا جِيزٌ وجِيَزٌ. وعِبْرُ [عَبْرُ] النَّهْرِ: جِيزَتُه. وجِيزَةُ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ إِليها يُنْسَبُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الجِيزي. والجِيزُ: جَانِبُ الْو … (لسان العرب)
- رخصه: رخص: الرَّخْصُ: الشَّيْءُ النَّاعِمُ اللَّيِّنُ، إِن وَصَفْت بِهِ المرأَة فرُخْصانُها نَعْمَةُ بَشَرتها ورِقّتُها وَكَذَلِكَ رَخاصةُ أَنامِلها لِينُها، وإِن وَصَفْت بِهِ النَّبَات فرَخاصَتُه هَشاشَتُه. وَيُقَالُ: هُوَ رَ … (لسان العرب)
- زهده: زهد: الزُّهد والزَّهادة فِي الدُّنْيَا وَلَا يُقَالُ الزُّهد إِلَّا في الدين خَاصَّةً، والزُّهد: ضِدُّ الرَّغْبَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَالزَّهَادَةُ فِي الأَشياء كُلِّهَا: ضِدُّ الرَّغْبَةِ. زَهِدَ وزَهَدَ، وَ … (لسان العرب)
- شاسع: شسع: شِسْعُ النَّعْلِ: قِبالُها الَّذِي يُشَدّ إِلى زِمامِها، والزِّمامُ: السيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ، وَالْجَمْعُ شُسُوعٌ، لَا يكسَّر إِلا عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ. وشَسِعَتِ النعْلُ وقَبِلَتْ وشَرِكَتْ إِذا … (لسان العرب)
- فالجمع: لصاب ولُصوبٌ. وفلانٌ لَحِزٌ لَصِبٌ: لا يكاد يعطي شيئاً. ولَصِبَ الخاتَمُ في الإصبع، وهو ضدُّ قَلِقَ. واللواصب في شعر كثَيِّر [[هو قوله، كما في المقاييس (لصب) : لواصب قد أصبحت وانطوت * وقد طول الحى عنها لباثا]] : الآبار ا … (الصحاح)