حَدثني شَيخ مِن الأَعراب
الشاعر: ابن الهبارية · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر ابن الهبارية، من العصر الفاطمي، وتقع في 95 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حَدثني شَيخ مِن الأَعراب ... أعرفه بِالصدق في الخِطاب
قــــالَ خَــــرَجــــت رائِداً لأَهــــلي ... وَكانَ ذاكَ العام عام محل
فسرت مِن يبرين نصف ميل ... ثَــــم ضَــــللت لَقَــــم السَّبــــيــــل
وَكُنت إِذ ذاكَ غُلاماً يفعه ... لَكن قواي كُلها مُجتَمعه
قَلبي جَميع وَجِناني حاضر ... ماض عَلى الهَول جَسور شاطر
فَعِندَما أَيقنت إِني جائر ... عَن مَقصد قُمت كأنِّيـ حائِر
استرشد الرِّياح وَالنُّجوم ... قَد سترتها دوني الغُيوم
فَلاحَ لي شَخص قَريب مِني ... فارتَعت مِن ذاكَ وَساءَ ظَني
وَخلته الغول فَجاشَت نَفسي ... لأنَّهــــــا لَم تَــــــكُ أَرض إِنــــــس
حَتَّى إِذا ما اشتد مِنهُ خَوفي ... عَلقت نَضوى وَجذبت سَيفي
فَبانَ لي إِذ لمع الحُسام ... وَاِنجاب مِن لألائه الظَّلام
تَخل واثل فَقَصَدت قَصدَه ... وَقُلت أمسي وَأَبيت عِندَه
حَتَّى إِذا ما جِئته وَجَدته ... يَهفو عَلى رَوض كَما أردته
عُيون ماء وَرِياض أشبة ... تَسمَع لِلطيور فيها جلبة
فَقُلت هَذا مَنزل أنيق ... وَإِنَّهُ بِنجعتي خَليق
ثُم عَلقت ناقَتي في شَجرة ... وَنلت مِن بَعض النخيل ثَمَرة
ثُم صَعدت نَخلة لاهجعا ... في رَأسِها مِن الأَذى مُمتنِعا
وَاِنقَشَع السحاب عَن وَجه القَمَر ... وَبانَ لي ما كانَ يخفى وَظَهر
فَجاءَ ببر وَهزبرُ وَنمر ... وَالوَحش وَالطَّير جَميعاً تبتدر
وَجاءَت الأَنعام وَالبَهائم ... وَالهــــام وَالطُّيور وِالأَراقم
وَالحَشَرات جلها وَدَقها ... مفتنة في خُلقِها وَخَلقِها
وَارتفع العَنقاء فَوقَ دلبة ... وَهوَ أَمير الطَّير يَبغي الخطبة
فَقالَ حَمد اللَّه خَير نَطق ... وَشكره فَرض مُبين الحَق
الحَمد لِلَّه عَلى ما خَصَّني ... بِه مِن الخلق البَديع الحَسَن
أَفرَدني مِن لُطفِه وَحكمته ... بِصورة شاهِدة بِقدرته
حَتَّى لَقَد كَذَب بي الطَّغام ... وَشـــــك فـــــي وجــــودي الأَنــــام
لأَنَّهُم خَصوا بِضَعف وَصغر ... فَحَسِبوا مِثلهم كُل الصُّور
وَأَنكَروا ما خَرَق العادات ... فَـــــكَـــــذَبــــوا روايــــة الرواة
فَإِن يَكُن دينهُم التَّكذيب بي ... فَلَيسَ هَذا مِنهُم بِالعَجَب
فَإِنَّهُم قَد كَذبوا بِالصانع ... وَأَنكروا البَعث لِيَوم جامع
لجهلهم وَالجَهل شرشيمة ... جاءَت مَع الناس مِن المَشيمة
كَذاكَ تَكذيبهُم لجهلِهم ... وَخُبثِهم وَنقصِهم وَبُخلِهم
بِما يَرى مِن جود كَفي صدقه ... وَنَفسه الفاضلة الموفقه
إِذ لَم يَكونوا شاهدوا مِن البَشر ... بَعض الَّذي بِه لَقَد شاعَ الخَبَر
وَهُم عَبيد الحس وَالعَيان ... وَخصماء العَقل وَالبرهان
لا يَقبَلون شاهِداً غَير النَّظَر ... وَلا يطيعون العُقول وَالفكر
وَمِنهُم مَن يَجحَد المَلائِكة ... وَالجن أَيضاً وَالأُمور الشابِكة
كَذاكَ لَو لَم يَنظُروا السَّماء ... لأَنكَروا النُّجوم وَالأَنواء
سَقف رَفيع فَوقَهُم بِلا عَمَد ... ما فيهِ أَمت شائن وَلا أَود
وَخَيمة لَيسَ لَها أَطناب ... يَعجَز عَن أَوصافِها الإطناب
وَكَوكَب يَنظُر في كُلِّ بَلَد ... كَــــأَنَّهـــ مَسامت كُل أَحَد
لَو فَكروا في جرم ذاكَ الكَوكَب ... حَتّى يَرى بِمشرق وَمَغرب
فـــــي حـــــالة وَاحـــــدة كَـــــأَنَّهُ ... فَوقَك أَو عَلَيك مِنهُ جنه
وَالأَرض فيها عبرة للمعتبر ... تخبر عَن صُنع مَليك مُقتدر
تُسقى بِماء واحد أَشجارها ... وَنــــبــــعة واحِدَة قرارها
وَالشَّمس وَالهَواء لَيسَ تَختَلف ... وَأُكلُها مُختلِفٌ لا يَأتَلِف
لَو أَن ذا مِن عَمل الطَّبائع ... أَو أَنَّهُ صَنعة غَير صانع
لَم يَختَلف وَكانَ شَيئاً وَاحِداً ... هَل يُشبِه الأَولاد إِلا الوالد
لَو طــــبــــخ الطَّباخ أَلف قدر ... بِالماء وَاللَّحمِ وَحُب البر
ما جاءهُ مِن بَعضِها سِكباج ... وَلا قَــــــلِيــــــاتٌ وَشـــــوربـــــاج
بَل كُلها هَريسة إِذ أَصلها ... مُتفق لَم يَتَفاوَت أَكلها
الشمس وَالهَواء يا مُعاند ... وَالماء وَالتُراب شَيء واحد
فَما الَّذي أَوجَب ذا التفاضلا ... إِلا حَكيم لَم يَرده باطِلا
وَزَعَموا أن النُّجوم صانِعه ... وَأنَّهــــا ضــــائِرة وَنــــافِــــعــــه
فــــي ســــاعَــــة يــــولَد ألف ألفِ ... وَحالهم نِهاية في الخلف
فَواحِد يَموت في مَكانه ... وَواحِد يَعيش في أَقرانه
وَواحِد ذو ثَروة تَطغيه ... وَواحد شبعته تَكفيه
وَواحِــــد بــــرّ عَليم ناسك ... وَواحِــــد غُــــرّ جَهــــول فــــاتِــــك
وَواحِد عَبد ذَليل مُضطَهد ... وَواحد ملك عَظيم معتمد
تــــخــــالف لَيــــسَ لَهُ نِهــــايــــه ... في بَعضِهِ مِن كُلهِ كِفايَه
لَو كانَ هَذا صَنعة الطَّبائع ... لاتفقوا في الحال وَالصَّنائع
بَل هوَ مِن فعل حَكيم قادر ... وَخالِق للعالمين فاطِر
وَبَعضهم يَقتل بَعضاً ظُلما ... وَلا يَخاف حَرجاً أَو إِثما
تَراهُم تَحتَ البُرود الضافية ... كَأَنَّهُم طلس الذِّئاب الضارِية
يَسعون بِالغيبة وَالنَّميمة ... وَيخلقون الفِتَن العَظيمة
حِرصاً عَلى الدُنيا الَّتي لا تَبقى ... وَاللَّهُ ما في الخَلق مِنهُم أَشقى
وَيَدعونَ أنَّهُم خَير الأُمم ... وَأَنَّهــــُم ذوو عــــقــــول وَحِكَم
وَأنَّهــــُم أَخَــــص بِــــاللَّه مَعاً ... مِن غَيرِهم فَظالم مَن ادعا
هَيهات ما أَجدرَهم مِن رَبِهم ... بِصَرفهم عَن بابِهِ وَحجبهم
لأَنَّهُم ما يَفعَلونَ ما حتم ... وَلَيسَ يَرضون بِكُل ما حكم
يُخالِفونَ حُكمه وَأَمره ... وَيأمَنونَ بَطشه وَمكره
قَد ضمن الرزق لَهُم وَقالا ... كَفَيتُم فَأحسنوا الأَعمالا
فَسَألوا مِن غَيرهِ ما ضمنه ... وَضيعوا وَما أَتوا بِحسنه
إِن رُزِقوا مالا كَثيراً بَطروا ... أَو حرموه سَخطوا وَفجروا
يَدَّخِرون وَالشقي المُدخر ... ما فيهُم ذو فطنة فَيعتَبر
بِمَن مَضى مِن قَبلهم مِن الأُمم ... كَيفَ مَضوا وَخَلفوا هَذي النِّعَم
فَلَيتَني أَبصَرت فيهِم رجلا ... حبراً ألد في الخِصام جَدَلا
يَعتمد الإنصاف في المُجادلة ... لا يَقصد اللجاج وَالمماحلة
فَإِن من مَقصودِه العِناد ... كَالجمل المصعب لا يَنقاد
وَلَو رَأى لِلخَــــصــــم كُــــل آيــــه ... مــــا زادَهُ ذاكَ سِــــوى غوايه
فَإِنَّهُم قَد شاهَدوا آيات ... لرســــل الرَّحــــمن مُعجِزات
فَلم يزدهم ذاكَ غَير كُفر ... وَعَــــمــــه عَن الهُدى وَخسر
إِذ لَم يَكُن في عَزمِهِم أَن يُؤمِنوا ... قَد عَلِموا بِكُفرِهم وَأَيقَنوا
أَسأَلهم وَلا يَقولوا مينا ... بِأَي شَيء فضلوا عَلَينا
وَنَحنُ لا نُشرك بِاللَّه وَلا ... نَقنَط مِن رَحمَتِهِ إِذ نَبتَلي
أذكر مِن عُيوبهم ما أذكر ... وَإِنَّني مِن ذِكرهم استغفر
فَقالَت الطيور مثل قَولِه ... وَضَجت الوَحش به مِن حَولِه
وَقالَت الأَنعام وَالسباع ... لَقَد أَصابَ الملك المُطاع
فَقال لي الشيخ فَأدرَكتَني ... حمية الطَّبع وَحركتني
وَساءَ في مَقاله وَشفني ... وَهَزني لِلقَول وَاستخفني
ثُم هَمَمت بِالجَواب ناصِراً ... جنسي فَقَد ألزَمنا المعايرا
ثُـــــم ذَكَـــــرت أَنَّنــــي وَحَــــيــــد ... بِــــيــــنَهُــــم وَأَنَّهــــُم عَــــديــــد
فَقُلت حفظ النَفس أَولا قُصِد ... وَبَعد ذاكَ للفَخار أَجتهد
وَإِن أَضَعت مُهجَتي لَم أَحفَظ ... عرضي وَكَيف بعدَها تيقظي
وَكُنتُ مثل مَن أَضاعَ المالا ... لِطَــــلَب الربح فَقَد أَحالا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- استرشد: رشد: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى الرشيدُ: هُوَ الَّذِي أَرْشَد الْخَلْقَ إِلى مَصَالِحِهِمْ أَي هَدَاهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا، فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعل؛ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَنْسَاقُ تَدْبِيرَاتُهُ إِلى غَايَاتِهَا عَ … (لسان العرب)
- بالصدق: صدق: الصِّدْق: نَقِيضُ الْكَذِبِ، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً. صَدَّقه: قَبِل قولَه. وصدَقَه الْحَدِيثَ: أَنبأَه بالصِّدْق؛ قَالَ الأَعشى: فصدَقْتُها وكَذَبْتُها، ... والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُهْ وَيُقَال … (لسان العرب)
- جائر: جير: جَيْرِ: بِمَعْنَى أَجَلْ؛ قَالَ بَعْضُ الأَغفال: قَالَتْ: أَراكَ هارِباً لِلْجَوْرِ ... مِنْ هَدَّةِ السُّلْطانِ؟ قُلْتُ: جَيْرِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرَّكُوهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وإِلا فَحُكْمُهُ السُّكُونُ … (لسان العرب)
- جسور: جَسَرَ: جَسَرَ يَجْسُرُ جُسُوراً وجَسارَةً: مَضَى ونفَذ. وجَسَرَ عَلَى كَذَا يَجْسُر جَسارَةً وتَجاسَر عَلَيْهِ؛ أَقدم. والجَسُورُ: المِقْدامُ. وَرَجُلٌ جَسْر وجَسُورٌ: ماضٍ شجاعٌ، والأُنثى جَسْرَةٌ وجَسُورٌ وجَسُورَةٌ. … (لسان العرب)
- سترتها: ستر: سَتَرَ الشيءَ يَسْتُرُه ويَسْتِرُه سَتْراً وسَتَراً: أَخفاه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: ويَسْتُرُونَ الناسَ مِن غيرِ سَتَرْ والستَر، بِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ سَتَرْت الشَّيْءَ أَسْتُرُه إِذا غَطَّيْته فاسْتَتَر هُوَ. وتَسَ … (لسان العرب)
- شاطر: شطر: الشَّطْرُ: نِصْفُ الشيء، والجمع أَشْطُرٌ وشُطُورٌ. وشَطَرْتُه: جعلته نصفين. وفي المثل: أَحْلُبُ حَلَباً لكَ شَطْرُه. وشاطَرَه مالَهُ: ناصَفَهُ، وفي المحكم: أَمْسَكَ شَطْرَهُ وأَعطاه شَطْره الآخر. وسئل مالك بن أَنس: … (لسان العرب)