عُج بِالمَطيِّ عَلى اليَبابِ الغامِرِ

الشاعر: أبو اسحاق الألبيري · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر أبو اسحاق الألبيري، من المغرب والأندلس، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

عُج بِالمَطيِّ عَلى اليَبابِ الغامِرِ ... وَاِربَع عَلى قَبرٍ تَضَمَّنَ ناظِري

فَسَتَستَبينُ مَكانَهُ بِضَجيعِهِ ... وَيَنِمُّ مِنهُ إِلَيكَ عَرفُ العاطِرِ

فَلَكَم تَضَمَّنَ مِن تُقىً وَتَعَفُّفٍ ... وَكَــــريــــمِ أَعراقٍ وَعِرضٍ طاهِرِ

وَاِقرَ السَلامَ عَلَيهِ مِن ذي لَوعَةٍ ... صَدَعَتهُ صَدعاً ما لَهُ مِن جابِرِ

فَعَساهُ يَسمَحُ لي بِوَصلِ في الكَرى ... مُتَعاهِداً لِيَ بِالخَيالِ الزائِرِ

فَأُعَلِّلَ القَلبَ العَليلَ بِطَيفِهِ ... عَــــلّي أُوافــــيهِ وَلَستُ بِغادِرِ

إِنِّيـــ لَأَستَحيِيِهِ وَهُوَ مُغَيَّبٌ ... في لَحدِهِ فَكَأَنَّهُ كَالحاضِرِ

أَرعــــى أَذِمَّتــــَهُ وَأَحــــفَــــظُ عَهــــدَهُ ... عِندي فَما يَجري سِواهُ بِخاطِري

إِن كانَ يَدثُر جِسمُهُ في رَمسِهِ ... فَهَوايَ فيهِ الدَهرَ لَيسَ بِداثِرِ

قَطَعَ الزَمانَ مَعي بِأَكرَمِ عِشرَةٍ ... لَهفي عَلَيهِ مِن أَبَرِّ مُعاشِرِ

ما كانَ إِلّا نَدرَةً لا أَرتَجي ... عِوَضاً بِها فَرَثَيتُهُ بِنَوادِرِ

وَلَو أَنَّنــــي أَنــــصَــــفتُهُ في وُدِّهِ ... لَقَضَيتُ يَومَ قَضى وَلَم أَستَأخِرِ

وَشَقَقتُ في خِلبِ الفُؤادِ ضَريحَهُ ... وَسَقَيتُهُ رَبَداً بِماءِ مَحاجِري

أَجِدُ الحَلاوَةَ في الفُؤادِ بِكَونِهِ ... فيهِ وَأَرعاهُ بِعَينِ ضَمائِري

لَسَأَلتُ مَغفِرَةً لَهُ وَتَجاوزاً ... عَنهُ مِنَ الرَبِّ الجَوادِ الغافِرِ

أَخلِق بِمِثلي أَن يُرى مُتَطَلِّباً ... حَــــــوراءَ ذاتَ غَــــــدائِرٍ وَأَســــــاوِرِ

مَقصورَةً في قُبَّةٍ مِن لُؤلُؤٍ ... ذُخِرَت ثَواباً لِلمُصابِ الصابِرِ

لَخَلت ذِراعي وَاِنفَردَتُ فَإِن أَكُن ... تاجَرتُ فيها كُنتُ أَربَحَ تاجِرِ

وَلَئِن حُرِمتُ وَلَم يَفُز قِدحي بِها ... فَأَنا لَعَمرُ اللَهِ أَخسَرُ خاسِرِ

مَن جاوَزَ السِتينَ لَم يَجمُل بِهِ ... شُغلٌ بِجُملٍ وَالرَبابِ وَغادِرِ

بَل شُغلُهُ في زادِهِ لِمَعادِهِ ... فَالزادُ آكَدُ شُغلِ كُلِّ مُسافِرِ

وَالشَيخُ لَيسَ قَصارُهُ إِلّا التُقى ... لا أَن يَهيمَ صَبابَةً بِجَآذِرِ

نَفَرَت طِباعُ الغِيدِ عَنهُ كَراهَةً ... وَمِنَ العَناءِ عَلاقَةٌ بِمُنافِرِ

هَل يَلتَقي قِرنٌ بِقِرنٍ في الوَغى ... إِلّا بِأَزرَقَ أَو بِعَضبٍ باتِرِ

وَإِذا تَقَحَّمَ أَعزَلٌ في مَأزِقٍ ... كانَ الأَسيرَ وَلَم يَكُن بِالآسِرِ

ما يَشتَهي نَهداً وَلَحظاً فاتِراً ... إِلّا خَـــــلِيٌّ فـــــي زَمــــانٍ فــــاتِــــرِ

حَسبيَّ كِتابُ اللَهِ فَهُوَ تَنَعُّمي ... وَتَأَنُّسي في وَحشَتي بِدَفاتِري

أَفتَضُّ أَبكاراً بِها يَغسِلنَ مَن ... يَفتَضُّهُنَّ بِكُلِّ مَعنى طاهِرِ

وَإِذا أَرَدتُ نَــــزاهَةً طالَعتُها ... فَأَجولُ مِنها في أَنيقٍ زاهِرِ

وَأَرى بِها نَهجَ الهِدايَةِ واضِحاً ... يَنجو بِهِ مَن لَيسَ عَنهُ بِجائِرِ

قَد آنَ لي أَن أَستَفيقَ وَأَرعَوي ... لَو أَنَّني مِمَّنـــ تَصِحُّ بَصائِري

فَلَكَم أَروحُ وَأَعتَدي في غَمرَةٍ ... مُتَرَدِّداً فيها كَمِثلِ الحائِرِ

وَأَرى شَبابي ظاعِناً في عَسكَرٍ ... عَنّي وَشَيبي وافِداً بِعَساكِرِ

فَغَدَت مُظَفَّرَةً عَلَيَّ وَلَم تَزَل ... قِدماً مُعَلّاةً قِداحُ الظافِرِ

وَلَقَد رَأَيتُ مِنَ الزَمانِ عَجائِباً ... جَرَّبتُها بِمَوارِدي وَمَصادِري

فَوَجَدتُ إِخوانَ الصَفاءِ بِزَعمِهِم ... يَلقاكَ أَمحَضُهُم بِعَرضٍ سابِري

وَلَرُبَّما قَد شَذَّ مِنهُم نادِرٌ ... وَأُصولُنا أَن لا قِياسَ بِنادِرِ

وَإِذا نَبا بِيَ مَنزِلٌ أَو رانَبي ... صَفَّقتُ عَنهُ كَالعُقابِ الكاسِرِ

فَأَجوبُ أَرضاً سَهلُها كَحُزونِها ... عِندي وَأَوَّلُ قَطرِها كَالآخَرِ

وَلَقَد عَجِبتُ لِمُؤمِنٍ في شِدقِهِ ... جَرَسٌ كَناقوسٍ بِبَيعَةِ كافِرِ

لَيسَ يُهَينِمُ دائِباً وَلَم يَرى ... أَنَّ اللِسانَ كَمِثلِ لَيثٍ هاصِرِ

وَلَو أَنَّني أَدعو الكَلامَ أَجابَني ... كَإِجابَةِ المَأسورِ دَعوَةَ آسِرِ

لَكِن رَأَيتُ نَبِيَّنا قَد عابَهُ ... مِن كُلِّ ثَرثارٍ وَأَشدَقَ شاعِرِ

فَصَمَتُّ إِلّا عَن تُقىً وَلَرُبَّما ... قَذَفَت بِحارُ قَريحَتي بِجَواهِرِ

ما اِستَحسَنوا طولَ الخَطابَةِ بَل رَأَوا ... تَقصيرَها مَهما اِرتَقوا بِمَنابِرِ

وَلَمّا رَأَوا سَردَ الكَلامِ بِسائِغٍ ... إِلّا لِعَـــــبـــــدٍ قـــــارِئٍ أَو ذاكِـــــرِ

فَالعَيُّ في الإِكثارِ لا في مَنطِقٍ ... يُهدي إِلى الأَلبابِ نَفثَةَ ساحِرِ

وَلَقَد أَقولُ لِبَعضِ مَن هُوَ عاذِلي ... في القَصدِ في شَأني وَلَيسَ بِعاذِري

لَمّا رَأَيتُ الأَرضَ أَصبَحَ ماؤُها ... رَنقاً كَفَتني مِنهُ حَسوَةُ طائِرِ

وَلَو أَنَّني أَرضى القَذا في مَشرَبي ... لَكَرَعتُ كَرعَةَ ظامِئٍ بِهَواجِرِ

وَعَبَرتُ بَحرَ الرِزقِ أَلتَمِسُ الغِنى ... حِرصاً عَلَيهِ وَكُنتُ أَمهَرَ ماهِرِ

لَكِنَّني عَوَضتُ مِنهُ عِنايَةً ... بِقَناعَةٍ وَتَجَمُّلٍ في الظاهِرِ

فَمِنَ الغِنى ما قَد يَضُرُّ بِأَهلِهِ ... وَالفَقرُ عِندَ اللَهِ لَيسَ بِضائِرِ

وَلَقَد أَصَبتُ مِنَ المَطاعِمِ حاجَتي ... وَمِنَ المَلابِسِ فَوقَ ما هُوَ ساتِري

وَأَنا لَعَمرُكَ مُكَرَّمٌ في جيرَتي ... وَمُعَظَّمٌ وَمُبَجَّلٌ بِعَشائِري

وَغَداً بِمَيدانِ السِباقِ سَنَلتَقي ... فَيُرى الثَقيلُ مِنَ الخَفيفِ الضامِرِ

وا سَوأَتا إِن كُنتُ سُكَّيتاً بِهِ ... أَرجو اللِحاقَ عَلى هَجينٍ عاثِرِ

وَالوَيلُ كُلُّ الوَيلِ لي إِن لَم يَكُن ... مَولايَ في تِلكَ الشَدائِدِ ناصِري

إِنّــــــي لَأَشــــــكُـــــرُهُ عَـــــلى آلائِهِ ... فَهُوَ الوَفيُّ بِعَهدِهِ لِلشّاكِرِ

وَإِلَيهِ أَضرَعُ في إِنابَةِ مُخلِصٍ ... فَهُوَ الَّذي أَرجو لِسَدِّ مَفاقِري

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:

  • الزائر: زير: الزِّيرُ: الدَّنُّ، وَالْجَمْعُ أَزْيارٌ. وَفِي حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ: كُنْتُ أَكتب الْعِلْمَ وأُلقيه في زيرٍ لنا؛ الزِّيرُ: الحُبُّ الَّذِي يُعْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ والزِّيارُ: مَا يُزَيِّرُ بِهِ البَيْطارُ الدَّابّ … (لسان العرب)
  • العاطر: عطر: العِطْرُ: اسْمٌ جَامِعٌ للطِّيب، وَالْجَمْعُ عُطورٌ. وَالْعَطَّارُ: بائعُه، وحِرْفَتُه العِطَارةُ. وَرَجُلٌ عاطرٌ وعَطِرٌ ومِعْطِير ومِعْطارٌ وامرأَة عَطِرةٌ ومِعْطيرٌ ومُعَطَّرة: يَتَعَهَّدَانِ أَنفُسهما بِالطِّيبِ … (لسان العرب)
  • الغامر: غمر: الغَمْرُ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ. ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ: مَاءٌ غَمْر كثيرٌ مُغَرِّقٌ بَيِّنُ الغُمورةِ، وَجَمْعُهُ غِمار وغُمور. وَفِي الْحَدِيثِ: مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كمَثَلِ نهْرٍ غَمْر؛ الغَمْرُ، بِفَتْحِ … (لسان العرب)
  • اليباب: يَبَبَ: أَرْضٌ يَبابٌ أَي خرابٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ خَرابٌ يَباب، وَلَيْسَ بِإِتْبَاعٍ. التَّهْذِيبُ: فِي قَوْلِهِمْ خَرابٌ يَبابٌ؛ اليَبابُ، عِنْدَ الْعَرَبِ: الذي لَيْسَ فِيهِ أَحد؛ وَقَالَ ابْنُ أَبي رَبِيع … (لسان العرب)
  • بالخيال: خيل: خَالَ الشيءَ يَخَالُ خَيْلًا وخِيلَة وخَيْلة وخَالًا وخِيَلًا وخَيَلاناً ومَخَالَة ومَخِيلَة وخَيْلُولَة: ظَنَّه، وَفِي الْمَثَلِ: مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ أَي يَظُنَّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ ظَنَنْتُ وأَخواتها الَّتِي تَدْخ … (لسان العرب)
  • بالمطي: قال تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة : 33] أي: يمدّ مَطَاهُ، أي: ظهرَه، والمَطِيَّة: ما يركب مطاه من البعير، وقد امتطيته ركبت مطاه، والمِطْوُ: الصاحبُ المعتمد عليه، وتسميته بذلك كتسميته بالظّهر. (مفردات الراغب)
  • بطيفه: طيف: طَيْفُ الْخَيَالِ: مَجِيئُهُ فِي النَّوْمِ؛ قَالَ أُمية بْنُ أَبي عَائِذٍ: أَلا يَا لَقَوْمِي لِطَيْفِ الخيالِ، ... أَرَّقَ مِنْ نازِحٍ ذِي دَلال وطافَ الخَيالُ يَطِيفُ طَيْفاً ومطَافاً: أَلَمَّ فِي النَّوْمِ؛ قَالَ … (لسان العرب)
  • بغادر: غدر: ابْنُ سِيدَهْ: الغَدْرُ ضدُّ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الغَدْرُ تَرْكُ الْوَفَاءِ؛ غدَرَهُ وغَدَر بِهِ يَغْدِرُ غَدْراً. تَقُولُ: غَدَرَ إِذا نَقَضَ الْعَهْدَ، وَرَجُلٌ غادِرٌ وغَدَّارٌ وغِدِّيرٌ وغَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • تَفُتُّ فُؤادَكَ الأَيّامُ فَتّا
  • قصيدة