هي النّفس من ذكر الممات نفورُها
الشاعر: الستالي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر الستالي، من العصر المملوكي، وتقع في 62 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هي النّفس من ذكر الممات نفورُها ... مخافةَ مكروه إليه مصيرها
وما أمنُها أو خوفها في حياتها ... من الموت إلاَّ برُّها وفجورهُها
ولو أحسنَ استعدادَها لوفاتها ... لهانَ لذكراها عليه حُضورُها
من اتخذ البرهانَ والفحص عُدَّةً ... تبَيَّنَ ما حقَّ الأمور وزُورُها
وتفجأ بالرّوعاتِ منها عقولها ... ويُلفَى قليل الارتياع حَذورُها
عرفنا من الدُّنيا زوالَ نعيمها ... فما يدّعي مُختالها وفخُورُها
إلى منتهى أعمارنا فطويلها ... سواء إذا وافى المدى وقصيرُها
ومستمتعاتُ العيش من غير حِلَها ... عواريُّ مغرورٌ بها مستعيرُها
أحاول في دنيايَ زهداً وكيف لي ... بــــه ومُــــرادي أن يــــتــــمَّ سرورُها
ونجعل للأيام ذنباً بغدْرها ... ونزعم أنا يطَيّبنا غرورُها
متى غالب الدُّنيا من النّاس عاقلٌ ... بداهية لم يأت عنها نذيرُها
وفــــي كــــل يوم لا يزال محذّراً ... رواحُ المنايا بيننا وبكُورُها
كذلك أبناء القرون التي مضَت ... ألمٍ تتبيَن كيف آلت أُمورُها
تَعاَرَها ريبُ الزَّمان فأصبحت ... خراباً قُراها خاويات قصُورُها
ألا إنّهــــا روحُ الحــــيــــاة وظلُّها ... وزهرتها مع روضها وغديرُها
وأنــــواع حــــسن بين أنواع لذَّة ... تَــــــوالى أعـــــوامُهـــــا وشُهـــــورُهـــــا
مَلاة بها الأحزانُ فيها دفينة ... إلى يوم شجوٍ حادثٍ يستثيرُها
كيوم وجدنا فيه نبهان هالكاً ... وذلك من أيامنا قمطريرها
رزئنا هماماً يعلم الأزْدَ أنه ... إذا خطرت صيد الملوك خطيرُها
تبوأ من قحطان بيتاً تُقلُّهُ ... قواعدُ بنيان العتيك وسوُرُها
فطالَ به أصل المعالي وفرعها ... وطابَ لهُ خيرُ المساعي وخيرُها
وعاش حميدا لم يصبْه غنيها ... بلوم ولم يعدَمْ جَداه فقيرُها
فعزَّ علينا حملُ نبهانَ جُثّةً ... يميل بأعناق الرّجال سريرُها
وعزَّ علينا دَفْنُ نبهانَ عَزّة ... ثَوى ميّتاً في ظُلمةِ الأرْض نورُها
وما تركت مَخْفوةً بل كأنّما ... تضمّنها من كل نفسٍ ضميرُها
تُمثلُها تحت التُّراب كعهدنا ... بها وبأفكار القلوب تزُورُها
تدرّ عليها عَبرة إثر عَبرَةٍ ... وقلَّ لها من كل عينٍ دُرورُها
لَعاً لبني نبهان من كل عثرةٍ ... ولا نال ساداتِ العتيك عُثورُها
وأكْرمْ بها من عُصبةٍ عُمَريَّةٍ ... كرامٍ سجاياها رحاب صُدُورُها
صِلابٍ على غمزِ العُداة كعوبَها ... صِعابٍ على قرع الخطوب صُخورُها
فلا تَرحٌ في غُمّةٍ يستَفزّها ... ولا فرحٌ في نعمة يستَطيرُها
رأت دَهرَها قد جاءَها من صروفهِ ... بما جاءت الأملاك قدماً دُهورُها
فما ضرعت فيه ولا خشعت لهُ ... لتَرضى معاليها وتَبقى أُجورُها
مــــقــــابِلةٌ بالصّبر كلَّ مُلمَّةٍ ... فتنجاب غَمّاها ويجلو مَريدُها
وكاظمة في عفةٍ وسكينةٍ ... أسى أخوة في السن بانَ كبيرُها
وزينةُ دنياها وصاحبُ سِرِّها ... وعاضدُها في أمرها ومُشيرُها
أَسودُ شَرىً غيلت بواحد غيلها ... فغير عجيب نأمُها وزَئيرها
خليقٌ بأن يأسى عليه جزوعها ... ويلتزمَ الصَّبرَ الجميلُ صبورُها
مُصابٌ لعمري فادحٌ في نفوسها ... ولكنه في مجدها لا يُضيرُها
تعالى بها عن كل سام علوها ... وخَــــلّصها من كلّ ذام طُهورُها
فما لبني نبهان حيٌّ مناظِرٌ ... إذا فُضَلاءُ النّاس عُدَّ نظيرُها
فمن كعليّ أو كذُهلٍ ويعرُبٍ ... لعُظمى نجلّيها ونُعمى نميرُها
ومن مثل نبهان ومثل محمّدٍ ... إذا حاجة الملهوف عزَّ عسيرُها
ولسنا نرى في النّاس مثل محمّدَ ... ولا عمرٍ والحاج عانٍ أسيرُها
وما عمر يأتي ظهور بمثله ... وأمثال نبهان عديم ظُهورُها
وما شبَّهوا بمحمدٍ ومحمّدٌ ... على الأرض إلا أن يكون نشورُها
بنو عمرٍ ساداتُ قحطان كلّها ... كبير فما فيها يقال صغيرُها
ملوكٌ تساوى فضلُها كلُ واحدٍ ... نظرتَ إليه قلت هذا أميرُها
ينابيع أرْزاق الورى وغيومها ... كــــواكــــب أفــــلاك الورى وبدورُها
وما النّاس إلا سائل يستميحها ... مواهبَها أو خائفٌ يستجيرُها
مُحاميةٌ للخائفين حصُونها ... وطاميةٌ للمعتفين بحورُها
مكارمُها معلومةٌ وحلومها ... وطاعتُها ملزومةٌ وشكورُها
إذا نشرت أخلاقها وسط مشهدٍ ... تُضوّع منها مسكُها وعبيرُها
وأحياؤها ملءُ العيون محلَّها ... وأمواتها حشوَ القلوب قبورُها
فطالت معاليها ودام نعيمُها ... وذلَّ معاديها وعزَّ نصيرُها
أبا القاسم اسلمْ يا أبا الحَسَن اغتبطْ ... أبا العرب أبلغْ غايةً تسْتخيرُها
ويابا المعالي عشْ وأقبلَ بالمنى ... إليك أبا عبد الإله بشيرُها
ودم يا أبا عبد الإله ويا أبا ... المعمر في نعماءَ تلقَ حبورُها
كذلك أبلُغايا با المعَمَّر يا أبا ... مــــحــــمــــدٍ للسّــــراء جــــمٌ وفورُها
وعشت أبا عبد الإله بنعمةٍ ... يُظلُّ أبا عبد الإله ستُورُها
وجاد على مفقودكم كلَّ ليلةٍ ... أفاويق من مُزن السَّواري مطيرُها
وعاشَ لكمْ يا با المعمَّر سالكاً ... سبيل أبيه بالصّلاح يسيرُها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اتخذ: تخذ: تَخِذ الشيءَ تَخَذاً وتَخْذاً؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، واتَّخَذَه: عَمِلَهُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ؛ أَراد اتَّخَذُوهُ إِلهاً فَحُذِفَ الثَّانِي لأَن الِاتِّخَاذَ دَلِيلٌ عَلَي … (لسان العرب)
- استعدادها: عدد: العَدُّ: إِحْصاءُ الشيءِ، عَدَّه يَعُدُّه عَدّاً وتَعْداداً وعَدَّةً وعَدَّدَه. والعَدَدُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً؛ لَهُ مَعْنَيَانِ: يَكُونُ أَحصى كُلَّ شَيْءٍ مَعْدُودًا فَيَكُونُ نَصْب … (لسان العرب)
- البرهان: بره: البُرْهَة والبَرْهَة جَمِيعًا: الحِينُ الطَّوِيلُ مِنَ الدَّهْرِ، وَقِيلَ: الزمانُ. يُقَالُ: أَقمت عِنْدَهُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ كَقَوْلِكَ أَقمت عِنْدَهُ سَنَةً مِنَ الدَّهْرِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: أَقمت عِنْدَهُ … (لسان العرب)
- بالروعات: روع: الرَّوْعُ والرُّواع والتَّرَوُّع: الفَزَعُ، راعَني الأَمرُ يَرُوعُني رَوْعاً ورُووعاً؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، كَذَلِكَ حَكَاهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وإِن شِئْتَ هَمَزْتَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه … (لسان العرب)
- برها: رهأ: الرَّهْيَأَةُ: الضَّعْفُ والعَجْزُ والتَّواني. قَالَ الشَّاعِرُ: قَدْ عَلِمَ المُرَهْيِئونَ الحَمْقَى، ... ومَنْ تَحَزَّى عاطِساً، أَو طَرْقَا والرَّهْيَأَةُ: التَّخْلِيط فِي الأَمر وَتَرْكُ الإِحْكام، يُقَالُ: جَاء … (لسان العرب)
- حضورها: حضر: الحُضورُ: نَقِيضُ المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارَةً؛ ويُعَدَّى فَيُقَالُ: حَضَرَه وحَضِرَه[[. قوله: [فيقال حضره وحضره إلخ] أَي فهو من بابي نصر وعلم كما في القاموس]]. يَحْضُرُه، وَهُوَ شَاذٌّ، و … (لسان العرب)