سَلِ العِيسَ وَالْبَرْقَ الَّذِي لاَحَ مِنْ نَجْدِ
الشاعر: ابن الحاج النميري · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن الحاج النميري، من العصر المملوكي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَلِ العِيسَ وَالْبَرْقَ الَّذِي لاَحَ مِنْ نَجْدِ ... مَتَى عَهْدُهَا بِالْجَزْعِ وَالَعَلَمِ الْفَرْدِ
وَهَلْ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِأَعْلاَمِ حَاجِرٍ ... وَمَا هِجْنَ لِي مِنْ لاَعَجِ الشَّوْقِ وَالْوَجْدِ
وَهَــــلْ وَرَدَتْ مَــــاءَ الأَثِــــيــــلِ وَدُونَهُ ... ظِبَاءٌ سَطَتْ أَلْحَاظُهَا النُّجْلُ بِالأُسْدِ
مَعَاهِدُ خَلَّفْنَ العِمَادَ بَوَاكِيَا ... فَمَحَّتْ مَغَانِيهَا كَحَاشِيَةِ الْبُرْدِ
أَلاَ هَلْ أَرَاهَا وَالحُمُولُ كَأَنَّهَا ... سَمَاءٌ حَدَا سَعْدٌ بِهَا أَنْجُمَ السَّعْدِ
وَهَلْ أَرَيَنْ بَانَ اللِّوَى وَمَنَازِلاً ... أَضَعْتُ بِهَا قَلْبِي وَصُنْتُ بِهَا مَجْدِي
وَكَانَ الْهَوَى هَزْلاً فَلَمَّاــ تَلَوْتُهُ ... بِمَنْ فِي القِبَابِ الحُمْرِ عَادَ إِلَى الجِدِّ
مِنَ الجَاعِلاَتِ النَّقْعَ بَعْضَ سُتُورِهَا ... فَمَا بُعْدُهَا يُسْلِي وَلاَ قُرْبُهَا يُجْدِي
عَقَائِلُ خَامَرْنَ العُقُولَ فَلَمْ يَبِنْ ... لَهَا الغَيُّ فِي شَرْعِ الغَرَامِ مِنَ الرُّشْدِ
فَقَدْتُ فُؤَادِي يَوْمَ عَارَضْنَنِي ضُحىً ... وَسَلَّمْنَ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ وَالْوُدِّ
وَلَمْ أَنْسَ لاَ أَنْسَ الْحُدَاةَ وَأَيْنُقاً ... بُرَاهَا سُرَاهَا بِالذَّمِيلِ وَبِالوَخْدِ
إِذَا الْتَفَتَتْ نَحْوَ الحُدُوجِ تَمَايِلَتْ ... وَمَا دَمْعُهَا دَمْعِي وَلاَ سُهْدُهَا سُهْدِي
خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ وَقْفَةٍ دُونَ رَامَةٍ ... فَأَشْكُو بِشُحِّ الشِّيحِ وَالْبَانِ وَالرَّنْدِ
وَيَا مُسْعِدِي مِنْ آلِ سَعْدٍ عَلَى هَوىً ... غَدَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ بَلْواهُ مَا عِنْدِي
وَرَاءَكَ إِلاَّ عَــــنْ تَــــلَهُّبــــِ زَفْــــرَتِــــي ... بِتِلْكَ الَّتِي تَزْدَادُ وَقْداً عَلَى وَقْدِ
سَرَى طَيْفُ سَلْمَى وَالنُّجُومُ كَأَنَّهَا ... مَطَافِلُ غِزْلاَنٍ تَحُومُ عَلَى وِرْدِ
وَلاَحَتْ سُيُوفُ الْبَرْقِ فِي رَاحَةِ الدُّجَى ... فَمَا اتَّخَذَتْ غَيْرَ الْغَمَامَةِ مِنْ غِمْدِ
وَقَدْ مَاسَ قَدُّ الغُصْنِ فِي حُلَّةِ الصَّبَا ... وَسَالَتْ دُمُوعُ الطَلِّ فِي وَجْنَة الْوَرْدِ
فَيَا قَلْبُ لاَ تَذْهَبْ عَلَى الْقُرْبِ حَسْرَةً ... فَأَحْسَنُ مِنْ قُرْبٍ وَفَاؤُكَ فِي بُعْدِ
وَيَا نَفْسُ لاَ يَأْخُذْ بِكِ الْيَأْسُ فِي الهَوَى ... مَآخِذَهُ فَالْوَصْلُ فِي عَقِبِ الصَّدِّ
وَقَدْ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... بِرَاجٍ وَيُعْطَى فَوْقَ مَا نَالَ مِنْ قَصْدِ
كَمَا أُوْسِعَ القَوْمُ الَّذِينَ حَوَتْهُمُ ... قَسَنْطِينَةٌ جُوداً وَرِفْداً عَلَى رِفْدِ
أَنَابُوا لِمَوْلاَنَا الْخَلِيفَةِ فَارِسٍ ... فَفَازُوا بِنَيْلِ السَّعْدِ وَالْعِيشَةِ الرَّغْدِ
وَلَوْلاَ ضِيَاءُ الشُّهْبِ وَالْبَدْرِ في الدُّجَى ... لَمَا سَارَ مَنْ يُهْدَى وَلاَ كَانَ مَنْ يَهْدِي
وَمِنْ بَيِّنَاتِ الْفَوزِ أَنْ يَنْظُرَ الْعِدَى ... لِمَا حَازَ مَنْ عَادَوْهُ مِنْ شَرَفٍ عِدِّ
وَلِلَّهِ يَــــــــــــا لِلَّهِ فَــــــــــــارِسٌ الَّذِي ... غَدَا كَاسْمِهِ وَالخَيْلُ خَوْفَ الرَّدَى تُرْدِي
وَتَأْبَى العُلاَ إِلاَّ السَّمَاحَةَ وَالنَّدَى ... وَسِرُّ التُّقَى إِلاَّ البَقَاءَ عَلَى العَهْدِ
وَمَا يَوْم كَالْيَوْمِ الَّذِي جَاءَ بِالَّتِي ... أَمَاطَتْ نِقَابَ النَّصْرِ فِي مَوْكِبِ العَضْدِ
عَرُوسٌ مِنَ الْفَتْحِ الْمُبِينِ تَزَيَّنَتْ ... فَقَامَتْ مِنَ الرُّمْحِ الْقَوِيمِ عَلَى قَدِّ
وَمَا أَضْحَكَتْ غَيْرَ الظُّبَا مِنْ مَبَاسِمٍ ... وَلاَ وَرَّدَتْ غَــــيْــــرَ الصَّوَارِمِ مِنْ خَدِّ
وَمَا نَشَرَتْ غَيْرَ الْعَجَاجِ ذَوَائِباً ... وَمَا نَظَمَتْ غَيْرَ الجَمَاجِمِ مِنْ عِقْدِ
وَمَا اتَّخَذَتْ غَيْرَ الخُيُولِ مَجَالِساً ... وَمَا افْتَرَشَتْ غَيْرَ الْمَآزِقِ مِنْ مَهْدِ
نَتِيجَةُ عَزْمٍ عَلَّمَ السُّمْرَ فِي الوَغَى ... طِعَانَ العِدَى وَالدِرْعُ مُحْكَمَةُ السَّرْدِ
وَآثَارُ مَأْثُورِ الْحَفِيظَةِ لَمْ تَزَلْ ... أَفَاعِيلُهُ وَقْفَاً عَلَى الشُّكْرِ وَالْحَمْدِ
أَزَارَ الْعِدَى لَجْأً وَأَزْحَفَ بِالرَّدَى ... شَرُوباً دِمَاءَ المَارِقِينَ عَلَى حَرْدِ
وَأَرْعَنَ كَالْبَحْرِ الْخِضَمِّ تَخُوضُهُ ... سَــــفَائِنُ لَكِنْ مِنْ مُضَمَّرَةٍ جُرْدِ
وَحَفَّتْ بِهَا الأَنْهَارُ لَكِنْ مِنَ الظُّبَا ... فَــــصَيَّرَتِ الأَعْدَاءَ لِلْجَزْرِ وَالْمَدِّ
وَمَا اتَّبَعَتْ يَوْماً قَسَنْطِينَةُ الْهَوَى ... هَوَاهَا وَلاَ كَانَ التَّمَنُّعُ عَنْ عَمْدِ
وَلَكِنْ لِتَحْظَى بِاقْتِرَابِ خَلِيفةٍ ... يدِينُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الحِلِّ وَالعَقْدِ
وَإِنَّ بِقَاعِ الأَرْضِ كَالنَّاسِ بَعْضُهُمْ ... غَدَا غَيْرَ مَجْدُودٍ وَآخرُ ذَا جَدِّ
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى يَوْمَ فَتْحِهَا ... عَجَائِبَ قَدْ جَلَّتْ عَنِ الْحَصْرِ وَالْعَدَّ
أَتَتْهَا جُيُوشٌ زَاحِفاتٌ كَأَنَّهَا ... مَعَ النَّصْرِ قَدْ كَانَتْ هُنَاكَ عَلَى وَعْدِ
فَأَذْعَنَ أَهْلُوهَا وَجَاءَ أَمِيرُهُمْ ... لأَكْرَمِ مَوْلىً شَأْنُهُ الرِّفْقُ بِالْعَبْدِ
فَأَعْطَيْتَهُ حَتَّى الْحَيَاةَ مَوَاهِباً ... لِرَبِّكَ مِنْهَا مَا تُعِيدُ وَمَا تُبْدِي
وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الحَاضِرِ الشَّهْمِ بَيْنَ مَنْ ... غَدَا وَهْوَ مَحْصُورٌ وَمَنْ مَرَّ فِي لَحْدِ
وَمَنْ كَانَ جَيشُ الرُّعْبِ يُفْنِي عِدَاتَهُ ... فَذَاكَ غَنِيٌّ فِي الْحُرُوبِ عَنِ الْجُنْدِ
مَتَتْتَ وَبَعْدَ الْمُلْكِ أَسْجَحْتَ مُنْعِماً ... فَلِلَّهِ مَا أَسْدَيْتَ فَضْلاً وَمَا تُسْدِي
وَيَا حُسْنَ فَتْحٍ عَمَّ تَصْحِيفُهُ الْعِدَى ... وَمَقْلُوبُهُ وَافَى لَهُمْ مُزْعِجَ الْوَفْدِ
هُمُ الْعَرَبُ الْعَرْبَاءُ لاَ دَرَّ دَرُّهُمْ ... وَلاَ حَوَّمُوا بِالعِيسِ إِلاَّ عَلَى ثَمْدِ
سَــــلَبْتَهُمُ بِالسَّيْفِ أَمَّ قُرَاهُمُ ... فَمَا ظَفِرُوا مِنْهَا بِغَوْرٍ وَلاَ نَجْدِ
وَقَدْ أَشْبَهُوا الْخَنْسَاءَ حُزْناً فَكُلُّهُمْ ... يَنُوحُ عَلَى صَخْرٍ وَيَشْكُو مِنَ الْفَقْدِ
أُتِيحَتْ لَهُمْ فِيهَا الدَّوَاهِي دَوَاهِماً ... فَأَعْطَتْهُمُ كُلَّ الْهُمُومِ وَلَم تَكْدِ
وَأَنْسَتْهُمُ نَهْداً عَلَى الصَّدْرِ مُعْجبِاً ... حُرُوبُ إِمَامٍ جَاءَ صَدْراً عَلَى نَهْدِ
إِمَام هُدىً قَادَ الْجِيَادَ إِلَى الوَغَى ... سِرَاعاً كَمَا طَارَ الشَّرَارُ مِنَ الزَّنْدِ
فَمَرَّتْ رِيَاحٌ كَالرِّيَاحِ سَحَابُهَا ... دُمُـــــوعُهُـــــمُ خَــــوْفَ الْمَــــذَلَّةِ والطَّرْدِ
فَهَذِي رِمَاحُ الخطِّ تُشْرعُ نَحْوَهُمْ ... صُدُوراً بِهَا مَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الحِقْدِ
وَهَذِي السُّيُوفُ البِيضُ تَرْتَدُّ نَحْوَهُمْ ... لِتَشْفِيرِهَا بِالْفَتْكِ مِنْ كُلِّ مُرْتَدِّ
مِنَ البَاتِرَاتِ الآكِلاَتِ غُمُودَهَا ... فَوَاحِل لاَ عَنْ فِكْرَةٍ لاَ وَلاَ جَهْدِ
تَجُودُ عَلى نَارِ الوَغَى بِنُفُوسِهَا ... كَأَنَّ سُيُوفَ الْهِنْدِ بَعْضُ بَنِي الْهِنْدِ
سَتَتْرُكُهُمْ فِي الأرْضِ لِلنَّاسِ عِبْرَةً ... وَلَيْــــسَ لاَِمْــــرٍ شَــــاءَهُ اللَّهُ مِــــنْ رَدِّ
فَسِرْ فِي ضَمَانِ اللَّهِ مُلْكُكَ فَوْقَ مَا ... تَسَنَّى قَدِيماً لِلرَّشِيدِ وَلِلْمَهْدِي
وَلاَ تُبْدِ شَمْسَ الشَّرْقِ فَالْغَرْبُ مُطْلِعٌ ... شُمُوسَ هُدىً تُبْدِي لِذِي الرُّشْدِ مَا تُبْدِي
بَقِيتَ سَعِيداً فِي الْمُلُوكِ مُخَلَّداً ... وَلاَ زِلْتَ تَهْدِينَا إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ
وَدُونَكَ مَدْحاً شَبَّهَ المِسْكَ عَرْفُهُ ... فَطَيِّبُهُ يُنْسِي أَبَا الطَّيِّبِ الكِنْدِي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- العماد: عمد: العَمْدُ: ضِدُّ الخطإِ فِي الْقَتْلِ وَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ. وَقَدْ تَعَمَّده وتعمَّد لَهُ وعَمَده يعْمِده عَمْداً وعَمَدَ إِليه وَلَهُ يَعْمِد عَمَدًا وتعمَّده واعتَمَده: قَصَدَهُ، وَالْعَمْدُ الْمَصْدَرُ مِنْهُ. … (لسان العرب)
- النجل: نجل: النَّجْل: النَّسْل. الْمُحْكَمُ: النَّجْل الْوَلَدُ، وَقَدْ نَجَلَ بِهِ أَبوه يَنْجُلُ نَجْلًا ونَجَلَه أَي ولَدَه؛ قَالَ الأَعشى: أَنْجَبَ أَيَّامَ والِداهُ بِهِ، ... إِذ نَجَلاهُ فَنِعْم مَا نَجَلا قَالَ الْفَارِس … (لسان العرب)
- بالجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- بواكيا: كيأ: كاءَ عَنِ الأَمر يَكِيءُ كَيْئاً وكَيْأَة: نَكَل عَنْهُ، أَو نَبَتْ عَنْهُ عينُه فَلَمْ يُرِدْهُ. وأَكاءَ إِكاءَةً وإِكاءً إِذَا أَراد أَمْراً ففاجَأَه، عَلَى تَئِفَّة ذَلِكَ، فَرَدَّه عَنْهُ وهابَهُ وجَبُنَ عَنْهُ[ … (لسان العرب)
- تلوته: (تِلْوَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاتِّبَاعُ. يُقَالُ: تَلَوْتُهُ إِذَا تَبِعْتَهُ. وَمِنْهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يُتْبِعُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَلَوْتُ الرَّجُل … (مقاييس اللغة)
- حاجر: حجر: الحَجَرُ: الصَّخْرَةُ، وَالْجَمْعُ فِي الْقِلَّةِ أَحجارٌ، وَفِي الْكَثْرَةِ حِجارٌ وحجارَةٌ؛ وَقَالَ: كأَنها مِنْ حِجارِ الغَيْلِ، أَلبسَها ... مَضارِبُ الْمَاءِ لَوْنَ الطُّحْلُبِ التَّرِبِ وَفِي التَّنْزِيلِ: وَق … (لسان العرب)