سَقَى اللَّهُ بِالأَجْرَعِ الْفَرْدِ دَارَاً
الشاعر: ابن الحاج النميري · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر ابن الحاج النميري، من العصر المملوكي، وتقع في 78 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَقَى اللَّهُ بِالأَجْرَعِ الْفَرْدِ دَارَاً ... لأَمْرٍ بِهَا الشَّوْقُ وَالْبَرْقُ ثَارَا
وَقَفْتُ بِهَا مُرْسِلاً عَبْرَةً ... تُطِيلُ السَّحَائِبُ مِنْهَا اعْتِبَارَا
وَلَمْ أَرَ مِنْ قَبْلِ ذَا الدَّمْعِ مَاءً ... يُؤَجِّجُ فِي الْقَلْبِ مِنِّيَ نَارَا
وَكَمْ ظَلْتُ فِيهَا أَنَا وَالنَّسِيمُ ... غَدَاةَ التَّفَرُّقِ نَشْكُو ضِرَارَا
كَأَنَّ اللَّوَاحِظَ أَعْدَيْنَنَا ... فَكُلُّ عَلِيلٍ يُدِيمُ اعْتِذَارَا
وَكَمْ جِئْتُهَا خَلْفَ بَرْقٍ لَمُوعٍ ... كِلاَنَا لَعَمْرِيَ يَحْدُو الْقِطَارَا
وَفَوْقَ الرَّوَاجِلِ أَحْوَى الجُفُونِ ... بِبُعْدٍ وَإِنْ ظَلَّ يُدْنِي مَزَارَا
حَكَى الظَّبْيَ لَحْظاً وَجِيداً وَفَرْعاً ... وَبِالرَّغْمِ مِنْهُ حَكَاهُ نِفَارَا
وَلَمْ أَنسَ لاَ أَنْسَ يَوْمَ النَّوَى ... ذَوَائِبَ فِي لَيْلِهَا الصَّبُ حَارَا
وَحُسْنَ الثُّغُورِ الَّتِي خِلْتُهَا ... حُبَاباً عَلَى خَمْرَةِ الرِّيقِ دَارَا
وَقَـــــالُوا هُـــــوَ الدُّرُّ أَصْــــدَافُهُ ... قِبَابٌ فَأَجْرَيْتُ دَمْعِي بِحَارَا
وَكَمْ بِالْحِمَى مِنْ غَزَالٍ رَعَى ... بِنَجْدٍ فُؤَادِي وَخَلَّى الْعَرَارَا
وَشَمْسٍ تَوَارَتْ لَنَا بِالحِجَابِ ... وَلَكِنْ حِجَاب قُلُوبِ الغَيَارَى
فَأَعْقَبَهَا اللَّيْلُ وَهْوَ القَتَامُ ... يُقِلُّ السَّحَائِبَ وَهْيَ الْمَهَارَى
وَيَا مَنْ رَآنِي أَجِدُّ اصْطِبَاحاً ... بِكَأْسِ الْغَرَامِ وَأَبْلَى اصْطِبَارَا
وَعَاطِلَةِ الْجِيدِ حَلَّيْتُهَا ... بِشِعْرِي نِظَاماً وَدَمْعِي نِثَارَا
وَجَاهَرْتُ بِالْحُبِّ لَمَّاــ بَدَتْ ... فَلَمْ أَرَ بَدْراً يُحِبُّ السِّرَارَا
وَقَالُوا حَكَى اللَّحْظَ مِنْهَا فُؤَادِي ... صَدَقْتُمْ وَلَكِنْ حَكَاهُ انْكِسَارَا
فَيَا مُبلِياً عُمْرَهُ فِي الطِّعَانِ ... كَفَتْكَ الطِّعَانَ قُدُودُ الْعَذَارَى
وَيَا كَاسِراً لِي جُفُونَ الظِّبَاءِ ... كَفَى الحَّبَّ كَسْرُ الجُفُونِ احْوِرَارَا
وَمَا اشْتَعَلَ الرَّأْسُ مِنِّيَ شَيْباً ... فَــــأَوْدَعَ إِلاَّ ضُلُوعِي السِّرَارَا
وَقَدْ نَبَتَتْ حَبَّةُ الْقَلْبِ فِي ... خَمِيل مُسِيلِ الدُّمُوعِ ادِّكَارَا
لَعَمْرُ الْهَوَى وَالعُهُودِ الَّتِي ... بِذِكْرِي لَهَا سَاكِنُ الْغَوْرِ غَارَا
لَقَدْ فَرَّقَ الْبَيْنُ إِلاَّ شُجُونِي ... وَبَــــلَّتْ دُمُــــوعِــــي إلاَّ الأَوَارَا
وَأَرَّقَنِي وَالعُيُونُ هُجُوعٌ ... حَمَامٌ كَقَلْبِي بِذِي الأثْلِ طَارَا
وَقَدْ هِجْتُهُ مِثْلَ مَا هَاجَنِي ... فَأَبْكِي مِرَاراً وَيَبْكِي مِرَارَا
وَمِمَّاــ نَفَى النَّوْمَ عَنِّيَ بَرْقٌ ... ظَنَنَّاهُ بَيْنَ الثَّنَايَا افْتِرَارَا
وَقَدْ أَعْجَزَ السُّحْبَ عَنْ بَذْلِهِ ... فَتُهْدِي لُجَيْناً وَيُهْدِي نُضَارَا
لَحَا اللَّهُ قَلْبِيَ كَمْ ذَا الْهَوَى ... وَقَدْ رَدَّ دَهْرِي شَبَابِي المُعَارَا
وَعَادَ نصُولاً بِطُولِ الْخِضَابِ ... فَأَدْرَكَ فِي مُنْغِصِ الشَّيْبِ ثَارَا
أَرَى الطِّبَّ عَارَا وَلَوْ قُلْتُ آهاً ... عَلَى زَمَنِ الْحَيْفِ لَمْ يَكُ عَارَا
رُبُوعٌ مَتَى تَرِبَتْ بِالْحَجِيجِ ... جَعَلْنَا الشُّعُورَ عَلَيْهَا شِعَارَا
مِنَ المُوقِدَاتِ جِمَارَ الْهَوَى ... إِذَا مَا رَمَى الصَّبُّ فِيهَا الْجِمَارَا
سَفَكْنَا الدُّمُوعَ بِهَا وَالدِّمَا ... فَرَاقَتْ خُدُودُ البِطَاحِ احْمِرَارَا
وَلِلَّهِ جــــمْــــعٌ وَجَمْعِي بِهَا ... لِشَمْلِ المُحِبِّينَ أمْسَوْا حَيَارَى
وَمَوْقِفُنَا وَالدُّجَى مسْكَةٌ ... فَكَفُّ الصَّبَاحِ تَزِيدُ انْتِشَارَا
وَقَدْ فَجَّرَ الفجر نَهْرَ النَّهَارِ ... فَغَاصَتْ حَصَى الشُّهْبِ فِيهِ جِهَارَا
أَأُمَّ القُرَى هَلْ لِبَذْلِ الْقِرَى ... سَبِيلٌ فَمَا غِبْتُ عَنْكِ اخْتِيَارَا
وَلَكِنْ ذُنُوبِي أَطَلْنَ انْتِزَاحِي ... وَصَيَّرْنَ أَيَّامَ أُنْسِي قِصَارَا
وَكَــــمْ حجَّةٍ أَصْبَحَتْ حُجَّةً ... عَلَيَّ فَلَمْ تُجْدِ إِلاَّ اعْتِذَارَا
بِنَفْسِيَ رَكْبٌ بِبَرْحِ الْهَوَى ... تَرَاهُمْ سُكَارَى وَمَا هُمْ سُكَارَى
صَحِبْتُهُمُ وَالدُّجَى فَاحِمٌ ... فَأَشْعَلْتُ وَجْدِي حَتَّى اسْتَنَارَا
فَلِلَّهِ عَيْنُ امْرِىءٍ أَبْصَرَتْ ... رَوَاحِلَهَا فِي بُرَاهَا تَبَارَى
طَوَالَعَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ... بِشَعْثٍ تَمُدُّ الأَكُفَّ افْتِقَارَا
أَهِلَّة سَيْرٍ تُسَمَّى مَطَايَا ... بِأَفْلاَكِ أُفْقٍ تُسَمَّى قِفَارَا
وَلَمَّاــ أَتَيْنَا نَؤُمُ العَقِيقَ ... جَرَى كَاسْمِهِ دَمْعُ عَيْنِي ابْتِدَارَا
وَأَسْرَى إِلَى الْحَرَّةِ الصَّبُّ يَطْوِي ... عَلَى الوَجْدِ فِيهَا ضُلُوعاً حِرَارَا
وَأَنْضَيْتُ ثَوْبَ الْهَوَى إِذْ دَنَا ... إِليَّ النَّقَا وَالْتَمَسْتُ الدِّيَارَا
وَعِنْدَ المُصَلَّى أَعَدْتُ الصَّلاَةَ ... عَلَى الْمُصْطَفَى وَالْتَثَمْتُ الجِدَارَا
وَأَقْبَلْتُ أُهْدِي بِبَابِ السَّلاَمِ ... إِلَيْهِ سَلاَماً وَأُبْدِي الوَقَارَا
وَقُلْتُ أَيَا نَفْسِي لاَ تَجْزَعِي ... وَلاَ تَسْأَمِي لِلْخَلاَصِ انْتِظَارَا
فَإنَّ الشَّفَاعَةَ قَدْ أُوْجِبَتْ ... لِكُلِّ امْرِىءٍ ذَلِكَ القَبْرَ زَارَا
وَهَذَا النَّبِيُّ الكَرِيمُ الَّذِي ... يُقِيلُ العِثَارَ وَيَرْعَى الْجِوَارَا
رَسُـــــولٌ أَتَـــــى رَحْــــمَــــةً لِلْوَرَى ... عَلَى حِين خَافُوا بَوَاحاً بَوَارَا
رَفِيعُ الْمَنَاسِبِ عَماً وَخَالاً ... مَنِيعُ الجَوَانِبِ أَهْلاً وَجَارَا
نَمَتْهُ إِلَى الْغُرِّ مِنْ هَاشِمٍ ... مَحَاتِدُ طَالَتْ وَطَابَتْ نِجَارَا
وكُثْرُ المَعَالِي إِذِ المَجْدُ نَزْرٌ ... إِذَا زَهْرَةُ الْحَمْدِ أَعْلَتْ فَخَارَا
وَقَــــدْ رَحِــــمَ اللَّهُ أَرْحَــــامَهَــــا ... بِنُورٍ أَضَاءَ وَمَا إِنْ تَوَارَى
فَـــــلَوْ زَارَهُ الْبَـــــدْرُ بَــــانَ لَهُ ... مِنَ الشَّمْسِ عَنْهُ القُصُورُ اضْطِرَارَا
شَفِيعٌ إِذَا النَّارُ نَارُ الْجَحِيمِ ... أَقَامَتْ شَرَاراً وَلَفَّتْ شَرَارَا
وَلَوْلاَ حَيَا الْغَيْثِ أَضْحَتْ هَشِيماً ... خَمَائِل زَهْرٍ شَذَاهَا اسْتدَارَا
لِمَــــــوْلِدِهِ جَــــــلَّ مِـــــنْ مَـــــولْدٍ ... خَبَتْ نَارُ فَارِسَ وَالْمَاءُ غَارَا
وَإِيوَانُ كِسْرَى تَدَاعَى سُقوطاً ... فَأَبْدى انْكِسَاراً وَذَلَّ افْتِقَارَا
وَحُقَّ لِذِي العَقْلِ حُسْنُ افْتِكَارٍ ... إِذَا مَا أَبَى الْعَقْلُ إِلاَّ افْتِكَارَا
وَلاَحَـــــــــتْ لآِمِـــــــــنَــــــــةٍ أُمِّهِ ... قُصُورٌ بِبُصْرَى تَرَاءَتْ قَرَارَا
وَيَا حُسْنَهَا بَعْدَ إِذْ جَاءَهَا ... يُصَاحِبُ فِي البِيدِ قَوْماً تجَارَا
وَأَرْخَتْ سُتُوراً عَلَيْهَا الغَمَامُ ... تَمَارَى بِمَكَّةَ مَنْ قَدْ تَمَارَى
وَشُقَّ لَهُ الْبَدْرُ نِصْفَيْنِ لَمَّا ... تَمَارَى بِمَكَّةَ مَنْ قَدْ تَمَارَى
وَصُبْحاً أَشَارَ لأَصْنَامِهَا ... فَظَلَّتْ سَوَاقِطَ لَمَّاــ أَشَارَا
وَأَلْقَى أَنَامِلَهُ فِي الإنَاءِ ... فَأَنْبَعَ مِنْهَا مِيَاهاً غِزَارَا
وَلَوْ فَاضَ حِسًّاـ كَمَا فَاضَ مَعْنىً ... نَدَاهُ لَفَاقَ الْبِحَارَ انْفِجَارَا
هُوَ القَاتِلُ الْمَحْلَ لَمَّاـ دَعَا ... فَصَيَّرَ فِي الغَابِرِينَ الغِبَارَا
وَأَرْسَلَهَا فِي بُرُودِ النَّسِيمِ ... جَوَارِيَ سُحْبٍ هَوينَ ابْتِكَارَا
وَحَــــنَّ لَهُ الْجِــــذْعُ يَــــوْمَ النَّوَى ... حَنِينَ الرَّوَاحِلِ تَحْوِي العِشَارَا
وَجَاءَتْ لَهُ الشَّجَرُ الْعَادِيَاتُ ... تَجُرُّ عُرُوقاً مُلِئْنَ ثِمَارَا
وَلَمَّاـــ قَضَتْ حَقَّهُ أَسْرَعَتْ ... بِرُجْعَى امْتِثَالاً لَهُ وَائْتِمَارَا
وَسَلَّمَ حَبراً عَلَيْهِ الحِجَارُ ... فَأَبْهَجَ أَهْلَ الحِجَا وَالحِجَارَا
وَسَبَّحَ فِي الكَّفِّ مِنْهُ الحَصَا ... فَمَا كَفَّ لَكِنْ أَخَا الْبِرَّ بَارَى
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التفرق: فرق: الفَرْقُ: خِلَافُ الْجَمْعِ، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً وفَرَّقه، وَقِيلَ: فَرَقَ لِلصَّلَاحِ فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْريقاً، وانْفَرَقَ الشَّيْءُ وتَفَرَّق وافْتَرقَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: لَا يُفَرَّقُ بَيْ … (لسان العرب)
- ببعد: بعد: البُعْدُ: خِلَافُ القُرْب. بَعُد الرَّجُلُ، بِالضَّمِّ، وبَعِد، بِالْكَسْرِ، بُعْداً وبَعَداً، فَهُوَ بِعِيدٌ وبُعادٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أَي تَبَاعَدَ، وَجَمَعَهُمَا بُعَداءُ، وَافَقَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فَعيل الذي … (لسان العرب)