الحَمدُ لِلَّهِ المُعيدِ المُبدي
الشاعر: علي بن الجهم · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر علي بن الجهم، من العصر العباسي، وتقع في ٣٣٥ بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الحَمدُ لِلَّهِ المُعيدِ المُبدي ... حَمداً كَثيراً وُهوَ أُهلُ الحَمدِ
ثُــــــمَّ الصَــــــلاةُ أَوَّلاً وَآخِــــــرا ... عَلى النَبِيِّ باطِناً وَظاهِرا
يا سائِلي عَن اِبتِداءِ الخَلقِ ... مَسأَلَةَ القاصِدِ قَصدَ الحَقِّ
أَخبَرَني قَومٌ مِن الثِقاتِ ... أولو عُــــــلومٍ وَأولو هَـــــيـــــئآتِ
تَقَدَّموا في طَلَبِ الآثارِ ... وَعَرَفوا حَقائِقَ الأَخبارِ
وَفَهِموا التَوراةَ وَالإِنجيلا ... وَأَحكَموا التَنزيلَ وَالتَأويلا
أَنَّ الَّذي يَفعَلُ ما يَشاءُ ... وَمَـــــن لَهُ العِـــــزَّةُ وَالبَــــقــــاءُ
أَنـــــشَـــــأَ خَــــلقَ آدَمٍ إِنــــشــــاءَ ... وَقَــــــدَّ مِــــــنــــــهُ زَوجَهُ حَــــــواءَ
مُبتَدِئاً ذلِكَ يَومَ الجُمعَهْ ... حَتّى إِذا أَكمَلَ مِنهُ صُنعَهْ
أَســــكَــــنَهُ وَزَوجَهُ الجِــــنــــانــــا ... فَكانَ مِن أَمرِهِما ما كانا
غَرَّهُما إِبليسُ فَاِغتَرّا بِهِ ... كَما أَبانَ اللَهُ في كِتابِهِ
دَلّاهُما المَلعونُ فيما صَنَعا ... فَأُهبِطا مِنها إِلى الأَرضَ مَعا
فَوَقَعَ الشَيخُ أَبونا آدَمْ ... بِجَبَلٍ في الهِندِ يُدعى واسِمْ
لَبَئسَما اِعتاضَ عَن الجِنانِ ... وَعَــــن جِوارِ المَلِكِ المَنّانِ
وَالضَعفُ مِن خَليقَةِ الإِنسانِ ... لا سِــــيَّمــــا فــــي أَوَّلِ الزَمــــانِ
ما لَبِثا في الفَوزِ يَوماً واحِدا ... حَتّى اِستَعاضا مِنهُ جُهداً جاهِدا
فَــــشَقيا وَوَرَّثا الشَقاءَ ... أَبناهُما وَالهَمَّ وَالعَناءَ
وَلَم يَزَل مُستَغفِراً مِن ذَنبِهِ ... حَــــتّــــى تَــــلَقّــــى كَلِماتِ رَبِّهِ
فَأمِنَ السَخطَةَ وَالعِقابا ... وَاللَهُ تَوّابٌ عَلى مَن تابا
ثُمَّ اِستَمَلّا وَأَحَبّا النَسلا ... فَحَمَلَت حَوّاءُ مِنهُ حَملا
وَوَضَعَت إِبناً وَبِنتاً تَوأَما ... فَــــسُرَّ لَمّا سَلِمَت وَسَلِما
وَاِقتَنيا الإِبنَ فَسُمِّيَ قايِنا ... وَعايَنا مِن أَمرِهِ ما عايَنا
ثُــــمَّ أَغَبَّتـــ بَعدَهُ قَليلا ... فَوَضَعَت مُتئِمَةً هابيلا
فَشَبَّ هابيلُ وَشَبَّ قايِنُ ... وَلَم يَكُن بَينَهُما تَبايُنُ
فَقَرَّبا لِحاجَةٍ قُربانا ... وَخَــــضَعا لِلَّهِ وَاِستَكانا
فَقُبِلَ القُربانُ مِن هابيلِ ... وَلَم يَفُز قايِنُ بِالقُبولِ
فَثارَ لِلحينِ الَّذي حُيِّنَ لَهْ ... إِلى أَخيهِ ظالِماً فَقَتَلَهْ
ثُمَّ اِستَفَزَّ أُختَهُ فَهَرَبا ... وَفــــارَقا أُمّاً أَلوفاً وَأَبا
فَبَعَدَت دارُهُما مِن دارِهِ ... وَزَهَدا في الخَيرِ مِن جِوارِهِ
فَأَخلَفَ اللَهُ عَلَيهِ شيثا ... وَلَم يَزَل بِاللَهِ مُستَغيثا
حَــــتّــــى إِذا أَحَسَّ بِالحِمامِ ... وَذاكَ بَعدَ سَبع مية عامِ
كانَت إِلى شيثَ اِبنِهِ الوَصِيَّهْ ... وَلَيسَ شَيءٌ يعجزُ المَنِيِّهْ
أَنِ اِعبُدِ اللَهَ وَجانِب قايِنا ... وَكُن لَهُ وَنَسلِهِ مُبايِنا
فَلَم يَزَل شيثُ عَلى الإيمانِ ... مُعتَصِماً بِطاعَةِ الرَحمنِ
يَحفَظُ ما أَوصى بِهِ أَبوهُ ... لا يَــــتَــــخَطّاهُ وَلا يَعدوهُ
حَتّى إِذا ما حَضرَت وَفاتُهُ ... وَخافَ أَن يَفجَأَهُ ميقاتُهُ
أَوصــــى أَنــــوشــــاً وَأَنوشٌ كَهلُ ... بِمِثلِ ما أَوصى أَبوهُ قَبلُ
فَلَم يَزَل أَنوشُ يَقفو أَثَرَهْ ... لا يَتَعَدّى جاهِداً ما أَمَرَهْ
تَــــمَّ تَــــلاهُ إِبــــنُهُ قــــينانُ ... وَقَــــولُهُ وَفِــــعــــلُهُ الإيــــمــــانُ
ثُمَّ تَلا قينانَ مَهلائيلُ ... فَسَنَّ ما سَنَّتـــ لَهُ الكُهولُ
ثُمَّ اِستَقَلَّ بِالأُمورِ يَردُ ... اخنوخ وَهوَ في العُلومِ فَردُ
وَكــــانَ فــــي زَمــــانِهِ يــــوئيــــلُ ... الخــــالِعُ المُــــضــــلِّلُ الضِلّيلُ
أَوَّلُ مَن تَتَبَّعَ المَلاهِيا ... وَأَظهَرَ الفَسادَ وَالمَعاصيا
وَكانَ مِن نَسلِ الغَوِيِّ قاينِ ... وَغَيرُ بِدعٍ خايِنٌ مِن خايِنِ
فَاِغتَرَّ مِن أَولادِ شيثٍ عالَما ... حَتّى عَصَوا وَاِنتَهَكوا المَحارِما
وَخــــالَفــــوا وَصِــــيَّةــــَ الآبــــاءِ ... وَاِفتَتَنوا بِاللَهوِ وَالنِساءِ
وَلَم يَــــزَل يــــارِدُ يَألو قَومَهُ ... نُصحاً وَكانوا يُكثِرونَ لَومَهُ
حَتّى إِذا ماتَ اِستَقَلَّ بَعدَهُ ... إِدريسُ بِالأَمرِ فَأَورى زِندَهُ
وَهُوَ حَنوخ بِالبَيانِ أَعجَما ... صَــــلّى عَــــلَيهِ رَبُّنا وَسَلَّما
أَوَّلُ مَــــبــــعــــوثٍ إِلى العِبادِ ... وَآمِــــرٍ بِــــالخَــــيــــرِ وَالرَشــــادِ
وَأَوَّلُ النــــاسِ قَــــرا وَكَــــتَبا ... وَعَلِمَ الحِسابَ لَمَّاـــ حَسَبا
فَلَم يُطِعهُ أَحَدٌ مِن أَهلِهِ ... وَاِختَلَطوا بِقايِنٍ وَنَسلِهِ
فَــــرَفَــــعَ اللَهُ إِلَيــــهِ عَــــبــــدَهُ ... مِن بَعدِ ما اِختارَ المَقامَ عِندَهُ
وَصارَ مَتوشَلَخٌ مُستَخلَفا ... مِن بَعدِ إِدريسَ النَبِيِّ المُصطَفى
فَحَذَّرَ الناسَ عَذاباً نازِلا ... فَلَم يَجِد في الأَرضِ مِنهُم قابِلا
غَيرَ اِبنِهِ لَمكٍ فَأَوصى لَمكا ... وَصِيَّةً كانَت تُقىً وَنُسكا
فَــــوَعَــــظَ النــــاسَ فَــــخالَفوهُ ... وَنَــــفــــروا عَــــنــــهُ وَفارَقوهُ
فَأَرسَلَ اللَهُ إِلَيهِم نوحا ... عَبداً لِمَن أَرسَلَهُ نَصوحا
فَعاشَ أَلفاً غَيرَ خَمسينَ سَنَهْ ... يَدعو إِلى اللَهِ وَتَمضي الأَزمِنَهْ
يَدعوهُمُ سِرّاً وَيَدعو جَهرا ... فَلَم يَزِدهُم ذاكَ إِلّا كُفرا
وَاِنهَمَكوا في الكُفرِ وَالطُغيانِ ... وَأَظــــهَروا عِبادَةَ الأَوثانِ
حَتّى إِذا اِستَيأَسَ أَن يُطاعا ... وَحَجَبوا مِن دونِهِ الأَسماعا
دَعا عَلَيهِم دَعوَةَ البَوارِ ... مِن بَعدِ ما أَبلَغَ في الإِنذارِ
وَاِتَّخـــــَذَ الفُـــــلكَ بِــــأَمــــرِ رَبِّهِ ... حَتّى نَجا بِنَفسِهِ وَحِزبِهِ
وَأَقبَلَ الطوفانُ ماءً طاغِيا ... فَلَم يَدَع في الأَرضِ خَلقاً باقِيا
غَيرَ الَّذينَ اِعتَصَموا في الفُلكِ ... فَسَلِموا مِن غَمَراتِ الهُلكِ
وَكــــــانَ هــــــذا كُـــــلُّهُ فـــــي آبِ ... قَبلَ اِنتِصافِ الشَهرِ في الحِسابِ
فَعَزَموا عِندَ اِقتِرابِ المَعمَعَهْ ... أَن يَركَبوا الفُلكَ وَأَن يَنجوا مَعَهْ
وَكــــانَ مِــــن أَولادِ نوحٍ واحِدُ ... مُــــخــــالِفٌ لِأَمــــرِهِ مُــــعــــانِــــدُ
فَبادَ فيمَن بادَ مِن عِبادِهِ ... وَسَــــلِمَ البــــاقونَ مِن أَولادِهِ
سامٌ وَحامٌ وَالصَغيرُ الثالِثُ ... وَهُوَ في التَوراةِ يُدعى يافِثُ
فَأَكثَرُ البيضانِ نَسلُ سامِ ... وَأَكثَرُ السودانِ نَسلُ حامِ
وَيافِثٌ في نَسلِهِ عَجائِبُ ... يَأجوجُ وَالأَتراكُ وَالصَقالِبُ
وَمِن بَني سامِ بنِ نوحٍ إِرَمُ ... وَاَرْفَــــخْــــشَــــدٌ وَلاوِذٌ وَغَــــيــــلَمُ
فَكَثُرَت مِن بَعدِ نوحٍ عادُ ... وَشاعَ مِنها العَيثُ وَالفَسادُ
وَعادُ مِن أَولادِ عوصِ بنِ إِرَمْ ... وَمِن بَني عوصٍ جَديسٌ وَطَسَمْ
فَــــأَرسَلَ اللَهُ إِلَيهِم هودا ... فَجَرَّدَ الحَقَّ لَهُم تَجريدا
فَــــعانَدوهُ شَرَّ ما عِنادِ ... وَاِنهَمَكوا في الكُفرِ وَالإِلحادِ
فَقالَ يا رَبِّ أَعِزَّ القَطرا ... عَنهُم فَعَدّاهُم سِنينَ عَشرا
وَأَرسَلَ الريحَ عَلَيهِم عاصِفا ... فَلَم تَدَع مِن آلِ عادٍ طائِفا
وَكانَ وَفدٌ مِنهُم سَبعونا ... ساروا إِلى مَكَّةَ يَستَقونا
فَاِبتَهَلوا وَرَفَعوا أَيديهِمُ ... وَكانَ لُقمانُ بنُ عادٍ مِنهُمُ
فَسَأَلَ البَقاءَ وَالتَعميرا ... فَعاشَ حَتّى أَهلَكَ النُسورا
وَوافَــــــقَــــــت دَعـــــوَتُهُ إِجـــــابَهْ ... إِذ لَم يَكُن بِمُرتَضٍ أَصحابَهْ
وَأَثمَرَت ثَمودُ بَعدَ عادِ ... فَسَكَنَت حِجراً وَبَطنَ الوادي
فَأَرسَلَ اللَهُ إِلَيهِم صالِحا ... فَتىً حَديثَ السِنِّ مِنهُم راجِحا
فَلَم يَزَل يَدعوهُمُ حَتّى اِكتَهَلْ ... وَلَم يُجِبهُ مِنهُمُ إِلّا الأَقَلْ
وَأَحــــضَــــروهُ صَــــخــــرَةً مَلساءَ ... وَقالوا أَخلِص عِندَها الدُعاءَ
فَهَل لِمَن تَعبُدُهُ مِن طاقَهْ ... أَن تَتَشَظّى وَلَداً عَن ناقَهْ
فَاِنفَلَقَت حَتّى بَدا زَجيلُها ... عَن ناقَةٍ يَتبَعُها فَصيلُها
فَعَقَروا الناقَةَ لِلشَقاءِ ... فَعاجَلَتهُم صَيحَةُ الفَناءِ
فَتِلكَ حِجرٌ مِن ثَمودٍ خالِيَهْ ... فَهَل تَرى في الأَرضَ مِنهُم باقِيَهْ
ثُمَّ اِصطَفى رَبُّكَ إِبراهيما ... فَلَم يَزَل في خَلقِهِ رَحيما
فَكانَ مِن إِخلاصِهِ التَوحيدا ... أَن هَجَرَ القَريبَ وَالبَعيدا
وَشَــــرَعَ الشَــــرائِعَ الحِــــسانا ... وَكَسَرَ الأَصنامَ وَالأَوثانا
وَقـــــالَ لوطٌ إِنَّنـــــي مُهـــــاجِـــــرُ ... وَبِالَّذي يَأمُرُ قَومي آمِرُ
ما قَد تَوَلّى شَرحَهُ القُرآنُ ... وَفي القُرانِ الصِدقُ وَالبَيانُ
فَشَكَرَ اللَهُ لَهُ الإيمانا ... وَخَصَّهُ الحُجَّةَ وَالبُرهانا
وَقَمَعَ النُمرودَ عاتي دَهرِهِ ... بِحُجَجِ اللَهِ وَحُسنِ صَبرِهِ
وَجَعَلَ الحِكمَةَ في أَولادِهِ ... وَاِختارَهُم طُرّاً عَلى عِبادِهِ
وَجَعَلَ الأَمرَ لِإِسماعيلِ ... فَهُــــــوَ أَسَــــــنُّ وَلَدِ الخَـــــليـــــلِ
وَوَلَدَت هــــاجَــــرُ قَــــبــــلَ ســــارَهْ ... وَقَبلَها بُلِّغَتِ البِشارَهْ
مِــــن رَبِّهــــا وَسَــــمِــــعَت نِداءَ ... قَــــد سَــــمِــــعَ اللَهُ لَكِ الدُعــــاءَ
وَأُسكِنَت في البَلَدِ الأَمينِ ... وَشَبَّ إِسماعيلُ في الحَجونِ
وَكانَ يَوماً عِندَهُ جِبريلُ ... وَعِندَهُ النَبِيُّ إِسماعيلُ
وَهوَ صَغيرٌ فَاِشتَكى الظَماءَ ... فَخَرَجَت هاجَرُ تَبغي الماءَ
فَهَمَزَ الأَرضَ فَجاشَت جَمجَما ... تَفورُ مِن هَمزَتِهِ أَنْهُرَ ما
وَأَقبَلَت هاجَرُ لَمّا يَئِسَت ... فَراعَها ما عايَنَت فَأَبلَسَت
وَجَعَلَت تَبني لَهُ الصَفائِحا ... لَو تَرَكَتهُ كانَ ماءً سائِحا
وَجاوَرَتهُم جُرهُمٌ في الدارِ ... راغِبَةً في الصِهرِ وَالجِوارِ
فَــــوَلَّدوا النِــــساءَ وَالرِجالا ... خَـــــؤولَةٌ شَـــــرَّفَـــــت الأَخـــــوالا
وَوَطَّنــــوا مَكَّةَ دَهراً داهِرا ... حَتّى إِذا ما قارَفوا الكَبائِرا
وَبَــــدَّلوا شِــــرعَةَ إِبراهيمِ ... وَشَبَّهوا التَحليلَ بِالتَحريمِ
أَجلَتهُمُ عَنها بَنو كِنانَهْ ... فَــــدَخَــــلوا بِــــالذُلِّ وَالمَهــــانَهْ
وَوَلي البَــــيــــتَ وَأَمــــرَ النــــاسِ ... الأَكرَمونَ مِن بَني إِلياسِ
فَلَم تَزَل شِرعَةُ إِسماعيلِ ... في أَهلِهِ واضِحَةَ السَبيلِ
حَتّى اِنتَهى الأَمرُ إِلى قُصَيِّ ... مُــــجَــــمِّعــــٍ خَــــيــــرِ بَني لُؤَيِّ
فَسَلَّمَ الناسُ لَهُ المَقاما ... وَالبيتَ وَالمَشعَرَ وَالحَراما
وَصارَتِ القوسُ إِلى باريها ... وَصــــادَفَت رَمِيَّةٌ راميها
وَإيطَنَت في أَهلِها المَكارِمُ ... وَرُفِعَت لِشَيدِها الدَعائِمُ
وَوَرَّثَ الشَيخُ بَنيهِ الشَرَفا ... وَكُلُّهُم أَغنى وَأَجدى وَكَفى
وَاِسمَع حَديثَ عَمِّنا إِسحاقا ... فَــــإِنَّنــــي أَســــوقُهُ أَنــــساقا
جاءَ عَلى فَوتٍ مِن الشَبابِ ... وَمِــــئَةٍ مَــــرَّت مِــــن الأَحــــقــــابِ
فَــــــأَيَّدَ اللَهُ بِهِ الخَــــــليــــــلا ... وَعَضَدَ الصادِقَ إِسماعيلا
وَعَــــجِــــبَت سارَةُ لمّا بُشِّرَت ... بِهِ فَــــصَــــكَّتـــ وَجهَها وَذُعِرَت
قــــالَت وَأَنّــــى تَــــلِدُ العَجوزُ ... قــــيــــلَ إِذا قَــــدَّرَهُ العَــــزيــــزُ
وَقــــيــــلَ مِن وَرائِهِ يَعقوبُ ... مَقالَةٌ لَيسَ لَها تَكذيبُ
فَــــتَــــمَّ وَعــــدُ اللَهِ جَلَّ ذِكرُهُ ... وَغَلَبَ الأَمرَ جَميعاً أَمرُهُ
فَكانَ مِن قِصَّةِ يَعقوبَ النَبِي ... ما لَيسَ يَخفى ذِكرُهُ في الكُتُبِ
قَــــد أَفــــرَدَ اللَهُ بِذاكَ سورَهْ ... مَعروفَةً بِيوسِفٍ مَشهورَهْ
وَماتَ يَعقوبُ بِأَرضِ مِصرِ ... مِن بَعدِ تِسعٍ كَمُلَت وَعَشرِ
وَإِنِّمـــــا طـــــالَعَ مِــــصــــرَ زائِرا ... لِيــــوسِــــفٍ ثُمَّ ثَوى مُجاوِرا
حَتّى إِذا أَيقَنَ بِالحِمامِ ... أَوصى بِأَن يُقبَرَ بِالشآمِ
فَحَمَلَ التابوتَ حَتّى قَبَرَهْ ... يوسُفُ بِالشامِ عَلى ما أَمَرَهْ
ثُمَّ أَتى مِصرَ فَعاشَ حِقَبا ... حَتّى قَضى مِن الحَياةِ أَرَبا
وَكانَ مِن أُسرَتِهِ سَبعونا ... أَتوهُ مَع يَعقوبَ زائِرينا
وَكانَ فِرعَونُ يَليهِم قَسرا ... فَسامَهُم سوءَ العَذابِ دَهرا
فَبَعَثَ اللَهُ إِلَيهِم موسى ... مِن بَعدِ ما قَدَّسَهُ تَقديسا
فَــــخَــــلَّصَ القَــــومَ مِن العَذابِ ... وَهُم عَلى ما قيلَ في الحِسابِ
سِوى الذَراري وَالرِجالِ العُجفِ ... مِــــن الرِجــــالِ سِــــتَّ مِيةِ أَلفِ
وَنَقَلَ التابوتَ ذو العَهدِ الوَفي ... موسى وَفي التابوتِ جِسمُ يوسُفِ
لَم يَثنِهِ عَن ذاكَ بُعدُ العَهدِ ... وَلا الَّذي مَــــــرَّ بِهِ مِـــــن جُهـــــدِ
وَبَينَهُم إِحدى وَخَمسونَ سَنَه ... وَمِــــئَةٍ كــــامِــــلَةٍ مُمتَحَنَه
وَمَكَثوا في التيهِ أَربَعينا ... وَلَم يَعيشوا مِثلَها سِنينا
وَماتَ هارونُ بنُ عِمرانَ النَبِي ... مِن قَبلِ موسى في مَنامٍ طَيِّبِ
وَقــــيــــلَ ما أُخِّرَ عَن أَخيهِ ... إِلّا لِأَمرٍ قَد قُضِي في التيهِ
ثُمَّ تَنَبّا يوشَعُ بنُ نونِ ... وَصِيُّ موسى الصادِقِ الأَمينِ
فَخاضَ بَحرَ أُردُنَ العَميقا ... وَجَعَلَ البَحرَ لَهُ طَريقا
وَحَرَقَت مَن خانَ في أَريحا ... وَفَتَحَ اللهُ بهِ الفُتوحا
وَقالَ لِلشَمسِ قِفي فَوَقَفَت ... وَرَدَّها مِن قَصدِها فَاِنصَرَفَت
وَذَلَّلَ المُـــــــلوكَ حَـــــــتّــــــى ذَلَّتِ ... وَقُــــلِّلَت فــــي عَــــيــــنِهِ فَقَلَّتِ
وَأَسكَنَ الشامَ بَني اِسرائيلِ ... وَعداً مِن الرَحمنِ في التَنزيلِ
ثُــــمَّ تَنَبّا وَقَفاهُ كَالِبُ ... وَقــــالَ لِلأَسباطِ إِنّي ذاهِبُ
وَخَلَّفَ الحَليمَ حَزقائيلا ... ابنَ العَجوزِ بَعدَهُ بَديلا
وَكَثُرَت مِن بَعدِهِ الأَحزابُ ... وَنَصَبوا بَعلَهُمُ وَعابوا
فَقالَ إِلياسُ بنُ ياسينَ لَهُم ... وَهُوَ نَبِيٌّ مُرسَلٌ مِن رَبِّهِم
أَنِ اِعبُدوا اللَهَ وَأَلقوا بَعلا ... فَاِستَكبَروا وَأَوعَدوهُ القَتلا
فَلَم يَزَل مُستَخفِياً سَيّاحا ... حَتّى دُعِي بِالمَوتِ فَاِستَراحا
وَقيلَ في التَوراةِ إِنَّ فَرَسا ... أَتاهُ في صَباحِهِ أَو في مسا
حَــــــتّــــــى إِذا رَكِـــــبَهُ إِليـــــاسُ ... غابَ فَلَم يَظهَر عَلَيهِ الناسُ
وَلَم يَزَل اِبنُ الخطوبِ اليَسَعُ ... يَردَعُهُم دَهراً فَلَم يَرتَدِعوا
وَسُلِبوا التابوتَ مِن بَعدِ اليَسِعْ ... وَماتَ اليادُ اِسمُهُم مِن الحَذعْ
وَظَهَــــرَت عَــــلَيــــهِــــمُ الأَعــــداءُ ... وَعَمَّهُم بَعدَ الهُدى العَماءُ
فسأَلوا نبيَّهم سُمويلا ... أنَّ يستقيل الملكَ الجليلا
وَسَــــــأَلوهُ أَن يُــــــوَلّي والِيــــــا ... عَلَيهِمُ يُقاتِلُ الأَعادِيا
وَعاهَدوهُ أَن يُطيعوا أَمرَهُ ... وَأَن يُــــعِزّوهُ وَيُعلوا قَدرَهُ
فَبَعَثَ اللَهُ لَهُم طالوتا ... فَاِتَّبَعوهُ وَغَزوا جالوتا
وَكـــــانَ داودُ أَقـــــامَ بَـــــعـــــدَهُ ... فــــي أَهــــلِهِ ثُــــمَّ أَتاهُ وَحدَهُ
وَكَــــلَّمَــــتــــهُ صَــــخــــرَةٌ صَمّاءُ ... نادَتهُ حَيثُ يَسمَعُ النِداءُ
خُذني فَإِنّي حَجَرُ الخَليلِ ... يُقتَلُ بي جالوتُ عَن قَليلِ
وَكانَ أَيضاً سَأَلَتهُ قَبلَها ... صَخرَةُ إِسحاقَ النَبِيِّ حَملَها
فَشاهَدَ الحَربَ عَلى أَناتِهِ ... وَاِصطَكَّتِ الأَحجارُ في مُخلاتِهِ
وَكُلُّها يَطمَعُ في إِسدائِهِ ... مُــــنــــتَقِمٌ لِلَّهِ مِن أَعدائِهِ
فَــــنــــالَ داودُ بِــــبَــــعــــضِهِــــنَّهْ ... جــــالوتَ إِذ كانَت لَهُ مَظَنَّهْ
فَــــــــأَهـــــــلَكَ اللَهُ لَهُ عَـــــــدُوُّهْ ... وَفازَ بِالمُلكِ وَبِالنُبُوَّهْ
وَكـــــانَ طـــــالوتُ لَهُ حَـــــســـــودا ... فَـــــــأَظـــــــفَــــــرَ اللَهُ بِهِ داودا
وَكانَ قَد أَسَّسَ بَيتَ المَقدِسِ ... بــــورِكَ فــــي الأَساسِ وَالمُؤَسِّسِ
وَإِنَّمــــا تَــــمَــــمَّهُ سُلَيمانْ ... مِن بَعدِهِ حّتى اِستَقَلَّ البُنيانْ
وَكانَ قَد وَصّاهُ بِاِستِمامِهِ ... داودُ إِذ أَشفى عَلى حِمامَهِ
وَقامَ بِالمُلكِ سُلَيمانُ المُلِكْ ... نَحوَ اَربَعينَ سَنَةً حَتّى هَلَكْ
وَكــــانَ مِن أَولادِهِ عِشرونا ... مِن بَعدِهِ بِالمُلكِ قائِمونا
ثُمَّ أَزالَ المُلكَ بُختَنَصَّرُ ... عَنهُم فَقامَ بَعدَهُم وَقَصَّروا
وَخَرَّبَ الشَقِيُّ بَيتَ المَقدِسِ ... وَكانَ مَشغوفاً بِقَتلِ الأَنفُسِ
وَماتَ بِالرَملَةِ عَن بَنينا ... مِن بَعدِهِ بِالمُلكِ قائِمينا
فَقَتَلَ الأَخيرَ مِن بَنيهِ ... دارا وَصـــــارَ مُـــــلكُهُــــم إِلَيــــهِ
وَكــــــانَ فــــــي زَمـــــانِهِ أَيّـــــوبُ ... الصابِرُ المُحتَسِبُ المُنيبُ
وَبَعدَ أَيّوبَ اِبنُ مَتّى يونُسُ ... وَفـــــيـــــهِ لِلَّهِ كِــــتــــابٌ يُــــدرَسُ
وَيونِسٌ وَلّى فَقامَ شَعيا ... فَأَنزَلَ اللَهُ عَلَيهِ الوَحيا
وَقيلَ إِنَّ الخِضرَ مِن إِخوانِهِ ... وَإِنَّهــــُ قَــــد كــــانَ في زَمانِهِ
وَزَكَرِيّاءُ وَيَحيى الطاهِرُ ... قَد أَنذَروا لَو أَغَنتَ المَناذِرُ
كِلاهُما أُكرِمَ بِالشَهادَهْ ... فَــــسَــــعِــــدا وَأَيَّمــــا سَــــعــــادَهْ
وَكانَ يَحيى أَدرَكَ اِبنَ مَريَمِ ... طِفلاً صَغيراً في الزَمانِ الأَقدمِ
وَبَعدَ ذاكَ مَلَكَ الإِسكِندَرُ ... وَالإِسمُ ذو القَرنينِ فيما يَذكُرُ
وَكانَ عيسى بَعدَ ذي القَرنينِ ... بِنَحوِ خَمسينَ وَمائَتَينِ
يَنقُصُ حَولاً في حِسابِ الرومِ ... بِذِكرِهِ في الخَبَرِ المَعلومِ
وَكانَ في أَيّامِهِ الأَشغانون ... وَهُــــم مُــــلوكٌ لِلبِــــلادِ غَرين
فَجَذَّهُم بِالسَيفِ أَردَشيرُ ... ثُمَّ اِبنُهُ مِن بَعدِهِ سابورُ
وَاِنقَطَعَ الوَحيُ وَصارَ مُلكا ... وَأَعلَنوا بَعدَ المَسيحِ الشِركا
فَخَصَّ بِالطَولِ بَني اِسماعيلِ ... أَضافَهُم بِالشَرَفِ الجَليلِ
فَــــلَزِمَــــت مَكَّةَ وَالبَوادِيا ... وَحَلَّت الأَريافَ وَالحَواشِيا
وَظَهَرَت بِاليَمنِ التَبابِعَهْ ... شَمرُ بنُ عَبسِ وَمُلوكٌ خالِعَهْ
وَاِستَولَتِ الرومُ عَلى الشاماتِ ... فَــــآثَــــرَت رَفــــاهَــــةَ الحَياةِ
وَأجمَعَت لِلفُرسِ أَرضَ بابِلِ ... وَقَنَعَت بِآجِلٍ مِن عاجِلِ
فَهذِهِ جُملَةُ أَخبارِ الأُمَمْ ... مَنقولَةٌ مِن عَرَبٍ وَمِن عَجَمْ
وَكُــــلُّ قَــــومٍ لَهُــــمُ تكثيرُ ... وَقَــــلَّمــــا تُــــحَــــصَّلــــُ الأُمــــورُ
وَعُمِّيَتْ في الفَترَةِ الأَخبارُ ... إِلّا الَّتي سارَت بِها الأَشعارُ
وَالفُـــــرسُ وَالرومُ لَهُـــــم أَيّــــامُ ... يَمنَعُ مِن تَفخيمِها الإِسلامُ
وَإِنَّما يَقنَعُ أَهلُ العَقلِ ... بِــــكُــــتــــبِ اللَهِ وَقَولِ الرُسلِ
ثُــــمَّ أَزالَ الظُلمَةَ الضِياءُ ... وَعــــاوَدَت جِــــدَّتَهــــا الأَشياءُ
وَدانَــــتِ الشُعوبُ وَالأَحياءُ ... وَجــــاءَ مــــا لَيــــسَ بَهِ خَــــفــــاءُ
أُتاهُمُ المُنتَجَبُ الأَواهُ ... مُـــــحَـــــمَّدٌ صَــــلّى عَــــلَيــــهِ اللَهَ
أَكرَمُ خَلقِ اللَهِ طُرّاً نَفسا ... وَمَولِداً وَمَحتَداً وَجِنسا
يَغشى لَهُ بِالشَرفِ الأَشرافُ ... لا مِــــريَــــةٌ فــــيهِ وَلا خِلافُ
أَقامَ في مَكَّتِهِ سِنينا ... حَتّى إِذا اِستَكمَلَ أَربَعينا
أَرسَــــــلَهُ اللَهُ إِلى العِـــــبـــــادِ ... أَشــــرِف بِهِ مِــــن مُــــنذِرٍ وَهادِ
فَظَلَّ يَدعوهُم ثَلاثَ عَشرَه ... بِمَكَةٍ قَبلَ حُضورِ الهِجرَه
ثُــــمَّ أَتــــى مَحَلَّةَ الأَنصارِ ... في عُصبَةٍ مِن قَومِهِ خِيارِ
أَوَّلُهُــــم صــــاحِــــبُهُ في الغارِ ... أَفضَلُ تِلكَ العِصبَةِ الأَبرارِ
صِدّيقُها الصادِقُ في مَقالِهِ ... المُحسِنُ المُجمِلُ في أَفعالِهِ
وَذاكَ فــــي شَهــــرِ رَبيعِ الأَوَّلِ ... لِلَيلَتَينِ بَعدَ عَشرٍ كُمَّلِ
فَسُرَّتِ الأَنصارُ بِالمُهاجِرَه ... وَكُــــلُّهُم يُؤثِرُ دارَ الآخِرَه
وَاِحتَشَدَت لِحَربِهِ القَبائِلُ ... فَثَبَتَ الحَقُّ وَزالَ الباطِلُ
فَلَم يَزَل في يَثرِبٍ مُهاجِرا ... عَشرَ سِنينَ غازِياً وَنافِرا
حَتّى إِذا ما ظَهَرَ الإيمانُ ... وَخَـــــضَـــــعَــــت لِعِــــزِّهِ الأَوثــــانُ
وَبَـــــــلَّغَ الرِســـــــالَةَ الرَســــــولُ ... وَوَضَحَ التَأويلُ وَالتَنزيلُ
وَعُرفَ الناسِخُ وَالمَنسوخُ ... وَكانَ مِن هِجرَتِهِ التاريخُ
ناداهُ مَن رَبّاهُ فَاِستَجابا ... مِن بَعدِ ما اِختارَ لَهُ أَصحابا
عَدَّلَهُم في مُحكَمِ الكِتابِ ... لِعَـــــــبـــــــدِهِ وَلِذَوي الأَلبــــــابِ
مِن سورَةِ الحَشرِ وَفي آياتِ ... من القُرَانِ غيرِ مُشكِلاتِ
قــــامَ أَبــــو بَــــكــــر الَّذي وَلّاهُ ... أَمرَ صَلاةِ الناسِ وَاِرتَضاهُ
فَعاشَ حَولَينِ وَعاشَ أَشهُرا ... ثَلاثَةً تَزيدُ ثُلثاً أَوفَرا
وَماتَ في شَهرِ جمادى الآخِرَه ... يَومَ الثُلاثاءِ لِسَبعٍ غابِرَه
وَكـــــانَـــــتِ الرِدَّةُ فــــي أَيّــــامِهِ ... فَصَلَحَ النَقضُ عَلى إِبرامِهِ
وَقامَ مِن بَعدِ أَبي بَكرٍ عُمَرْ ... فَــــبَرَزَت أَيّامُهُ تِلكَ الغُرَرْ
تَضَعضَعَت مِنهُ مُلوكُ فارِسِ ... وَخَرَّتِ الرومُ عَلى المَعاطِسِ
أَســــلَمَ كِسرى فارِسٍ إيوانُهُ ... وَأَصبَحَت مَفروسَةً فُرسانُهُ
وَأَجــــــلَت الرومُ عَــــــن الشــــــآمِ ... وَأَدبَــــرَت مَــــخــــافَةَ الإِسلامِ
وَدانَــــتِ الأَقــــطــــارُ لِلفــــاروقِ ... وَاِتَّسَعَت عَلَيهِ بَعدَ الضيقِ
وَوَهَـــــــــبَ اللَهُ لَهُ الشَهـــــــــادَهْ ... جاءَ فَدَلَّتهُ عَلى السَعادَهْ
وَذاكَ مِن بَعدِ سِنينَ عَشرِ ... وَشَطرِ حَولٍ يا لَهُ مِن شَطرِ
وَقامَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ الرِضا ... بِالأَمرِ ثِنتَي عَشرَةٍ ثُمَّ مَضى
مُستَشهداً عَلى طَريقِ الحَقِّ ... لَم يَثنِهِ عَنهُ بِبابِ الطُرقِ
وَفُــــــــوِّضَ الأَمـــــــرُ إِلى عَـــــــلِيِّ ... الهاشِمِيِّ الفاضِلِ الزَكِيِّ
فَقامَ بِالأَمرِ سِنينَ أَربَعا ... وَتِسعَةً مِن الشُهورِ شَرعا
ثُمَّ مَضى مُستَشهداً مَحمودا ... عاشَ حَميداً وَمَضى مَفقودا
وَكانَ هذا عامَ أَربَعينا ... مِنها اِنقَضَت مِن عِدَّةِ السِنينا
وَاِنتَقَلَ الأَمرُ عَن المَدينَهْ ... وَكانَ حَقاً ما رَوى سَفينَه
عَــــن النَــــبِيِّ في وُلاةِ الأُمَّه ... مِــــــنَ المُــــــلوكِ وَمِــــــنَ الأَئِمَّه
ثُمَّ تولّى أمرهم معاويه ... فعاش عشراً بعدَ عشر خاليَه
حَتّى إِذا أَوفاهُمُ عِشرينا ... ماتَ مِن التاريخِ في سِتّينا
وَمَــــلَكَ الأَمــــرَ اِبــــنُهُ يَزيدُ ... لا حـــــازِمُ الرَأيِ وَلا رَشـــــيــــدُ
وَقُتِلَ الحُسَينُ في زَمانِهِ ... أَعوذُ بِالرَحمنُ مِن خُذلانِهِ
وَإِنَّ مــــا عــــاشَ ثَــــلاثُ حُــــجَــــجِ ... وَأَشهُرٌ مِن بَعدِ حَملِ المَخرَجِ
ثُمَّ ابنه مُعَيَّةُ المُضعَّفُ ... كان له دينٌ وعقلٌ يُعرفُ
فدام شهراً ثمَّ نصفَ شهرِ ... وجاءه الموتُ عزيزَ الأمرِ
وتركَ الناسَ بغير عهدِ ... توقّياً منهُ وفضلَ زهدِ
وَفُــــــوِّضَ الأَمــــــرُ إِلى مَــــــروانِ ... بَعدَ يَزيدَ وَهُوَ شَيخٌ فانِ
فَقَتَلَ الضَحّاكَ في ذي القِعدَه ... بِدارِصٍ ثُمَّ اِستَمالَ جُندَه
وَلَم يَعِش إِلّا شُهوراً عَشرَه ... وَلَيسَ شَيءٌ يَتَعَدّى قَدرَه
وَلَم يَزَل اِبنُ الزُبيرِ بَعدَهُ ... تِسعَ سِنينَ لَيسَ يَألو جُهدَهُ
مُعتَصِماً بِالكَعبَةِ الحَرامِ ... مُمتَنِعاً مِن إِمرَةِ الشآمِ
حَتّى تَوَلّى قَتلَهُ الحَجّاجُ ... مِن بَعدِ ما ضاقَت بِهِ الفِجاجُ
وَكانَ هَدمُ الكَعبَةِ المَصونَه ... وَوُقعَةُ الحَرَّةِ بِالمَدينَه
وَقامَ عَبدُ المُلكِ بنُ مَروان ... مُستَنهِضاً لِلحَربِ غَيرَ وَسنان
حَــــتّــــى إِذا دانَت لَهُ الآفاقُ ... وَأَقفَرَت مِن مُصعَبَ العِراقُ
وَمِــــن أَخيهِ البَلَدُ الحَرامُ ... وَخــــافَ مِــــن سَــــطوَتِهِ الأَنامُ
ماتَ وَقَد عاشَ ثَلاثَ عَشرَه ... وَأَشهُراً أَربَعَةً بِالإِمرَه
وَمَــــلَكَ النــــاسَ اِبنُهُ الوَليدُ ... وَعِــــندَهُ الأَموالُ وَالجُنودُ
سَبعَ سِنينَ بَعدَها ثَمانِيَه ... كــــامِلَة مِن الشُهورِ وافِيَه
ثُمَّ سُلَيمانُ بنُ عَبدِ المُلكِ ... اِختيرَ لِلعَهدِ وَلَمّا يَترُكِ
فَــــعــــاشَ حَولَينَ وَثُلثَ حولِ ... ثُمَّ أَتى دابِقِ مُرخى الذَيلِ
فَماتَ وَاِستَولى عَلى الأَمرِ عُمَر ... بِسيرَةٍ مَحمودَةٍ بَينَ السِيَر
فَعاشَ عامَينِ وَنِصفَ عامِ ... بِديرِ سَمعانَ سِوى الأَيّامِ
ثُــــمَّ تَــــوَلّى أَمــــرَهُــــم يَزيدُ ... وَاللَهُ فَــــعــــالٌ لِمــــا يُــــريــــدُ
وَهُوَ مِن أَولادِ عَبدِ المَلِكِ ... ثالِثُهُم في عَهدِهِ المُشتَرِكِ
فَعاشَ حَولَينِ إِلى حَولَينِ ... تَزيدُ أَشهُراً قَريرَ العَينِ
ثُــــمَّ تَــــوَلّى بَــــعــــدَهُ هِــــشــــامُ ... أَخوهُ فَاِعتَدَّت لَهُ الأَقوامُ
فَلَم يَزَل عِشرينَ عاماً والِيا ... إِلّا شُهوراً خَمسَةً بِواقِيا
ثُمَّ الوَليدُ بنُ يَزيدَ القاتِلُ ... تَعاوَرَتهُ الأُسُدُ البَواسِلُ
مِن بَعدِ شَهرَينِ وَبَعدَ عامِ ... وَبَعدَ عِشرينَ مِن الأَيّامِ
وَنَــــصَبَ الحَربَ لَهُ اِبنُ عَمِّهِ ... مُستَنكِراً سيرَتَه بِزَعمِهِ
فَقُتِلَ الوَليدُ بِالبَخراءِ ... مِن بَعدِ أَن أَثَخنَ بِالأَعداءِ
ثُمَّ يَزيدُ بنُ الوَليدِ الناقِصُ ... عافَصَه الحينُ الَّذي يُعافِصُ
فَــــلَم يَعِش إِلّا شُهوراً سِتَّه ... حَتّى أَزالَتهُ المَنايا بَغتَه
وَبايَعوا مَروانَ أَجمَعينا ... فَكانَ حِصناً لَهُمُ حَصينا
وَلَم يَزَل خَمسَ سِنينَ وافِيَه ... يَملُكُهُم وَأَشهُراً ثَمانِيَه
حَتّى أَتى اللَهُ وَلِيُّ النِعمَه ... بِالحَقِّ مِنهُ رَأفَةً وَرَحمَه
وَاِختارَ لِلناسِ أَبا العَباسِ ... مِن أَنجَدِ الناسِ خَيارِ الناسِ
آلِ النَبِيِّ مِن بَني العَبّاسِ ... أَئِمَّةــــــٍ أَفـــــاضِـــــلٍ أَكـــــيـــــاسِ
فَعادَ نَصلُ المُلكِ في قُرابِهِ ... وَرَجَـــــعَ الحَـــــقُّ إِلى أَصــــحــــابِهِ
ثُمَّ رَقى المَنبَرَ يَومَ الجُمعَه ... في مَسجِدِ الكوفَةِ يُذري دَمعَه
فَقامَ في الدينِ قِيامَ مِثلِهِ ... بِرَأيِهِ المَيمونِ حَسبَ فِعلِهِ
وَمــــاتَ بَــــعدَ أَربَعٍ كَوامِلِ ... وَسَبعَةٍ مِن أَشهُرٍ فَواضِلِ
وَقامَ بِالخِلافَةِ المَنصورُ ... فَاِستَوسَقَت بِعَزمِهِ الأُمورُ
فَعاشَ ثِنتَينِ وَعِشرينَ سَنَه ... يَحمي حِمى المُلكِ وَيُفني الخَوَنَه
ثُمَّ تُوُفّي مُحرِماً بِمَكَّه ... فَــــوَرِثَ المَهــــدِيُّ عَــــنهُ مُلكَه
فَــــعاشَ عَشرَ حِجَجٍ وَشَهرا ... وَنِصفَ شَهرٍ ثُمَّ زارَ القَبرا
وَاِستَخلَفَ الهادِيَ موسى بَعدَهُ ... وَكــــانَ قَد وَلّاهُ قَبلُ عَهدَهُ
وَعاشَ موسى سَنَةً وَشَهرَين ... تَنقُصُ يَوماً واحِداً أَو اِثنَين
وَقامَ بِالخِلافَةِ الرَشيدُ ... المُلكُ المُمَنَّعُ السَعيدُ
فَعاشَ عِشرينَ وَوَفّى عَدَّها ... وَعاشَ عامَينِ وَعاماً بَعدَها
وَنِصفَ شَهرٍ ثُمَّ وافاهُ الأَجَل ... بِطوسَ يَومَ السَبتِ فَاِنهَدَّ الجَبَل
وَبايَعوا مُحَمَّدَ الأَمينا ... وَنَكَثوا البَيعَةَ أَجمَعينا
إِلّا قَليلاً وَالقَليلُ أَحمَدُ ... وَالمَوتُ لِلناسِ جَميعاً مَوعِدُ
فَــــــأَمَّنــــــوهُ ثُــــــمَّ قَـــــتَـــــلوهُ ... ما هكَذا عاهَدَهُم أَبوهُ
ما عاشَ إِلّا أَربَعاً وَأَشهُرا ... حَــــتّى تَهادوا رَأسَهُ مُعَفَّرا
وَبايَعوا المَأمونَ عَبدَ اللَهِ ... فَبايَعوا يَقظانَ غَيرَ ساهِ
وَفّاهُمُ خِلافَةَ المَنصورِ ... في عَدَدِ السِنينَ وَالشُهورِ
ثُمَّ أَتى الرومَ فَماتَ غازِيا ... كانَ البَذَندونَ المَحَلَّ القاصِيا
وَقُــــلِّدَ الأَمــــرَ أَبــــو إِسحاقِ ... فَاِنقَضَّ كَالصَقرِ عَلى العِراقِ
مُعتَصِماً بِاللَهِ غَيرَ غافِلِ ... فَــــأَيَّدَ الأَمــــرَ بِــــرَأيٍ فاضِلِ
وَقامَ فيهِم حُجَجاً ثَمانِيا ... وَمِثلَها مِنَ الشُهورِ باقِيا
وَنَحوَ عِشرينَ مِنَ الأَيّامِ ... وَخَمسٍ اَدْنَتهُ مِنَ الحِمامِ
وَماتَ في شَهرِ رَبيعِ الأَوَّلِ ... وَعُمرُهُ خَمسونَ لَم يَستَكمِلِ
فَبايَعوا مِن بَعدِهِ لِلواثِقِ ... وَكانَ ذاكَ بِالقَضاءِ السابِقِ
وَلَم يَزَل في بَسطَةٍ وَمَنعَه ... خَمسَ سِنينَ وَشُهوراً تِسعَه
وَزادَ أَيّاماً عَلَيها خَمسَه ... مَــــعــــدودَةً ثُــــمَّ تَوارى رَمسَه
وَبايَعَ الناسُ الإِمامَ جَعفَرا ... خَليفَةَ اللَهِ الأَغَرَّ الأَزهَرا
بَعدَ ثَلاثينَ وَميتَي عامِ ... وَبَــــعــــدَ حَولَينِ سِوى أَيّامِ
خَلَت مِن الهِجرَةِ في الحِسابِ ... في العَرَبي المُحكَمِ الصَوابِ
لِسِتَّةٍ بَقينَ مِن ذي الحِجَّةِ ... فَأَوضَحَ السَبيلَ وَالمَحِجَّه
وَقامَ في الناسِ لَهُم خَليفَه ... خِلافَةً مُنيفَةً شَريفَه
قَد سَكَّنَ اللَهُ بِهِ الأَطرافا ... فَما تَرى في مُلكِهِ خِلافا
أَقامَ عَشراً ثُمَّ خَمساً بَعدَها ... مِنَ السِنينَ فَأَبانَ مَجدَها
ثُمَّ تَوَلّى قَتلَهُ الفَراغِنَه ... وَساعَدَتهُم عِصبَةٌ فَراعِنَه
لِأَربَــــــعٍ خَــــــلَونَ مِـــــن شَـــــوّالِ ... فَأَصبَحَ المُلكُ أَخا اِختِلال
وَبايَعوا مِن بَعدِهِ لِلمُنتَصِر ... فَأَصبَحَ الرابِحُ مِنهُم قَد خَسِر
فَعاشَ في السُلطانُ سِتَّةَ اَشهُرِ ... أَخرَجَهُم مِن مُلكِهِ وَالعَسكَرِ
ثُــــمَّ أَتاهُ بَغتَةً حَمامُهُ ... سُبحانَ مَن يُعاجِلُ اِنتِقامُهُ
فَاِنتَخَبَ اللَهُ لَهُم إِماما ... يُــــــؤَيِّدُ اللَهُ بِهِ الإِســـــلامـــــا
وَبايَعوا بَعدَ الرِضا لِأَحمَدِ ... المُستَعينِ بِالإِلهِ الأَحَدِ
وَكانَ في العِشرينَ مِن وُلاتِها ... مِن آلِ عَبّاسٍ وَمِن حُماتِها
فَنَحنُ في خِلافَةٍ مُبارَكَه ... خَلَت عَن الإِضرارِ وَالمُشارَكَه
فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلى إِنعامِهِ ... جَميعُ هذا الأَمرِ مِن أَحكامِه
ثُــــــمَّ السَــــــلامُ أَوَّلاً وَآخِــــــرا ... عَلى النَبِيُّ باطِناً وَظاهِرا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- التنزيل: نزل: النُّزُول: الْحُلُولُ، وَقَدْ نَزَلَهم ونَزَلَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ يَنْزل نُزُولًا ومَنْزَلًا ومَنْزِلًا، بِالْكَسْرِ شَاذٌّ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَإِنْ ذَكَّرَتْك الدارَ مَنْزِلُها [مَنْزَلُها] جُمْلُ أَراد: أَإِ … (لسان العرب)
- الثقات: لثق: اللَّثَقُ: النَّدَى مَعَ سُكُونِ الرِّيحِ، ابْنُ دُرَيْدٍ: اللَّثَقُ النَّدَى والحَرّ مِثْلُ الوَمَد. وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ: فَلَمَّا رأَى لَثَق الثِّيَابِ عَلَى النَّاسِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نواجِذُه؛ اللَّ … (لسان العرب)
- القاصد: قصد: الْقَصْدُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ. قَصَد يَقْصِدُ قَصْدًا، فَهُوَ قاصِد. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ؛ أَي عَلَى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ والدعاءُ إِليه بِالْحُجَجِ وَال … (لسان العرب)
- المبدي: مبد: مأْبد: بَلَدٌ مِنَ السَّراة؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ: يَمانِية، أَحْيا لهَا مَظَّ مَأْبِدٍ ... وآلِ قَراسٍ صَوْبُ أَسْقِيةٍ كُحْلِ وَيُرْوَى أَرْمِيةٍ؛ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْبَيْتُ مَظَّ مَائِدٍ، وسيأْتي ذِكْرُهُ. (لسان العرب)
- المعيد: (عَيَدَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالدَّالُ قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ. (مقاييس اللغة)
- باطنا: بأط: التَّهْذِيبُ: أَبو زَيْدٍ تَبَأَّطَ الرجلُ تَبَؤُّطاً إِذا أَمْسى رَخِيَّ الْبَالِ غَيْرَ مهموم صالحاً. (لسان العرب)
- تقدموا: تقدم: تَقْدَم: اسْمٌ كَأَنَّهُ يُعنى به القَدَم. (لسان العرب)