تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في ولد آدم ﵇

وكان آدم لا يولد له بطن إلّا توأمان ذكر وأنثى، فخالف بينهم في المناكح حتّى ولد له ابنان يقال لأحدهما قابيل وللآخر هابيل- والصحيح قايين.

س: وقد ذكر علي ابن الجهم ذلك في قصيدته في بدء الخلق:

واقتنيا الابن فسمّي قايناوعاينا من أمره ما عاينا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
فشبّ هابيل وشبّ قاينولم يكن بينهما تباين
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فزوّج أخت قايين هابيل وأخت هابيل قاين، وتلك كانت شيمة آدم احتياطا (لأقصى ما يمكنه في ذوي المحارم لموضع الاضطرار وعجز النسل عن التباين والاغتراب). وقد زعمت المجوس أنّ آدم لم يخالف في النكاح بين البطون ولم يتّخذ المخالفة، ولهم في هذا سرّ يدّعون فيه الفضل [في صلاح الحال في تزويج الأخ من أخته والأمّ من ابنها]، قد ذكرته في كتابنا الموسوم بأخبار الزمان. فأبى قابيل أن يتزوّج أخت هابيل لأنّها كانت أخته أجمل من أخت هابيل وقال: أنا أحقّ بها. فقرّبا قربانا إلى الله ﷿ أيّهما أحقّ بالجارية. فقرّب هابيل شاة سمينة وكان صاحب ماشية، وقرّب قابيل حزمة سنبل وكان صاحب زرع، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففرّكها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل. ق: وذلك بمنى. فغضب قايين وقال: لأقتلنّك. فكان من أمرهما ما نصّه الله تعالى، فاغتاله قايين في بريّة بلاد دمشق من أرض الشام وقتله شدخا بحجر. ويقال إنّ الوحش هناك استوحش من الإنسان لأنّه بدأ بالشرّ والقتال. وكان من أمر الغراب في المواراة ما كان.

وفرّ قابيل بأخته إلى عدن من أرض اليمن، وبلغ آدم ما صنع فوجد هابيل قتيلا وقد نشفت الأرض الدم، فلعنها ومن أجل لعنته أنبتت الشوك.

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل إنّ قابيل وتوأمته ولدا لآدم في الجنّة، فلم تجد حوّاء ﵍ عليهما وصبا ولا طلقا ولم تر معهما دما. ثم أوّل ما ولدت بالأرض هابيل وتوأمته، فوجدت ما تجده النساء. ويقوّي هذا ما أتى في الحديث عن ابن عبّاس ووهب وابن زيد وغيرهم أنّ الله ﷿ لمّا قال لآدم: يا آدم من أين أتيت؟ قال: من قبل حوّاء. قال: عليّ أن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها، فقد كنت خلقتها تحمل يسرا وتضع يسرا. قال صاحب هذه المقالة: ولذلك فاق حسن أخت قابيل أخت هابيل.

ط: وقال قوم: لم تكن قصّة هذين الرجلين اللذين قتل أحدهما أخاه في عهد آدم ولا كانا لصلبه، وإنّما كانا من بني إسرائيل. قالوا: لأنّ القربان لم يكن إلّا في بني إسرائيل. والصحيح ما قدمناه (لصحّة الحديث). عن عبد الله بن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: ما من نفس مظلومة إلّا كان على ابن آدم كفل منها لأنّه أوّل من سنّ القتل.

تكررت الأخبار عن علي ﵁ أنّ آدم ﵇ بكى هابيل فقال:

تغيّرت البلاد (ومن عليهافوجه الأرض مغبّر قبيح
فقتل قابيل هابيل أخاهفوا أسفا على الوجه المليح
فما لي لا أجود بسكب دمعيوهابيل تضمّنه الضريح
أرى طول الحياة عليّ غمّاولا أنا من حياتي مستريح
أبا هابيل قد قتلا جميعاوصار الحيّ كالميت الذّبيح
تغيّر كلّ ذي طعم ولونوقلّ بشاشة الوجه المليح

وأوحى الله إلى آدم: إنّي مخرج منك نوري الذي أباهي به الأنوار، وأجعله خاتم النّبيين الأبرار، فتطهّر وقدّس وسبّح وأغش زوجتك على طهارة منها، فإنّ وديعتي تنتقل منكما إلى الولد الكائن بينكما. فواقع آدم حوّاء فحملت لوقتها وتلألأ النّور في مخائلها ولمع من محاجرها حتّى إذا انتهى حملها وضعت شيتا بعد خمس سنين من مقتل هابيل ولمائة سنة وثلاثين من مهبط آدم. وقال في خبر شيت: لمائتي سنة وخمس وثلاثين.

ومعنى شيت هبة الله خلفا من هابيل، كذلك قال أهل التوراة وذكروا أنّه ولد فردا بغير توأم، لم يولد لآدم فرد سواه. قال: وهو بالعبرانية شيت وبالعربية شثّ وبالسريانية شاة. وانتقل النّور من حوّاء إليه حتى لمع من

أسارير جبهته وبسق في طلعته وغرّته حتّى إذا ترعرع وأيفع كان كأسرى الناس وأحسنهم صورة وأتمّهم وقارا وأكملهم هيئة مجلّلا بالنّور والهيبة موشّحا بالجلال والأبّهة، وكان أشبه ولد آدم بآدم، ثمّ أشبههم به بعده يوسف. فعهد إليه آدم وعرّفه بمحلّ ما استودعه وأعلمه لأنّه حجّة الله بعده، وأنّه الخليفة في الأرض والمؤدّي حق الله، فاحتقب شيت تلك الوظيفة واحتفظ بمكنونها.

وذكر ابن إسحاق أنّ جميع ما ولدته حوّاء لآدم أربعون بطنا، وقد عدّ من أسماء ذكرانهم خمسة عشر اسما. وقالت طائفة إن حوّاء ولدت لآدم مائة وعشرين بطنا. قال: ويقال إنّ آدم مات عن أربعين ألفا من ولده وولد ولده. وأنزل الله على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف العجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوّل كتاب كان في الدنيا أخذ الله عليه الألسنة كلّها. وإلى شيت تنتهي أنساب البشر باجتماع. وانقرض سائر ولد آدم. قال:

وقد قال غيره ذلك.

وأمر آدم بكتاب الصحف وعلم اللّغات كلّها التي تقرّ بها الجنّ والشياطين وحساب الأزمنة ومسير الكواكب، وسأل ربّه أن يريه مثال الدنيا وما يكون فيها من خير وشرّ إلى يوم القيامة، فمثّلت له برّا وبحرا، فنظر إليها وإلى من يملكها ويسكنها من ولده، وأوري صور الأنبياء وما يكون في العالم. ولمّا كثر ولده بعثه الله إليهم بعد سبعمائة سنة وسبعين سنة من مهبطه يأمرهم

وينهاهم. ثمّ أمره الله ﷿ إذ أراد أن يتوفّاه [بأن] يجعل وصيّته الى شيت ويعلّمه جميع هذه العلوم المذكورة، وأمره أن يرفع إليه مصحفه سرّ الملكوت الذي كان عنده ولا يمتحنه بعد شيت إلا إدريس، فكانوا يتوارثونه مختوما لا ينظرون فيه حتّى وصل إلى إدريس. ثمّ كانت الوصيّة من ولد شيت فيمن يأتي ذكره حتّى وصلت إلى إدريس صلوات الله عليهم ورضوانه.

وعمر آدم تسعمائة سنة وثلاثون سنة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.