تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في خلق آدم ﵇

عن ابن عبّاس وابن مسعود ﵃ أنّ الله ﷿ أمر جبريل أن يأتيه بطين من الأرض، فاستعاذت الأرض منه فأعاذها، ثمّ أمر ميكائيل كذلك، ثمّ أمر ملك الموت، فاستعاذت منه، فقال: أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفّذ أمره. فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنوه مختلفي الألوان. عن ابن عبّاس ﵄ قال: بعث الله ﷿ [ابليس]، فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها، فمن ثمّ سميّ آدم ومن ثمّ قال إبليس: أأسجد لمن خلقت طينا أي هذه الطينة أنا جئت بها.

وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ذلك: الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيّب. قال ط: ثمّ بلّت طينة آدم حتّى صارت طينا لازبا، ثم تركت حتّى صارت حمأ مسنونا، ثم تركت حتّى صارت صلصالا كالفخّار، ومدّة

ذلك أربعون ليلة، وقيل أربعون عاما. فذلك قول الله ﷾: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً

. وقيل مائة وأربعون سنة وهو أصحّها، وذكر الأربعون سنة أيضا. قال: وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول:

لست شيئا ولشيء ما خلقت، ولئن سلّطت عليك لأهلكنّك، ولئن سلّطت عليّ لأعصينّك. ونفخ فيه الروح على ما تقدّم آخر ساعات الجمعة وهو اليوم السّادس من أوّل أيّام الخلق، وكان السّادس من نيسان. فجعل ما يجري الروح في شيء من جسمه إلّا صار لحما ودما، ثم عطس فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، فقالها، فقال الله تعالى: «يرحمك ربّك يا آدم».

فلمّا دخل الروح في عينيه رأى ثمار الجنّة، فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب يريدها قبل أن يبلغ الروح رجليه، فلذلك قال الله ﷿: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ

عن عليّ: ثمّ جعل الله آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة أسجد له الروحانيين الأبرار، سجدوا إلّا إبليس، فأوقع الله ﷿ عليه اللعنة وأخرجه من الجنّة وبقي في السّماء لم يهبط إلى الأرض، فذلك قوله: فأخرج منها، إلى قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ

. وعلمت الملائكة ما كان عنهم مستترا.

ثمّ علّم الله ﷾ آدم الأسماء كلّها. قال عبد الله ابن عبّاس: كلّها عموما. وقال وهب: أسماء ذرّيته. وقال آخرون: أسماء الملائكة. ثم

عرض الله ﷾ أهل الأسماء على الملائكة، فقال ﷿: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ

. وكانوا يقولون لمّا أخذ في خلق آدم:

ليخلق ربّنا ما يشاء فلن يخلق خلقا إلّا كنّا أعلم منه، فذلك قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ

. ففزعوا إلى التوبة: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

. ثمّ قال: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ

. الآية.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.