تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في خلق حوّاء ﵍

ثمّ خلقت حوّاء من آدم وأسكنهما الجنّة. وأصحّ ما قيل في مدّة مقامهما بها إلى أن أهبطا ما تقدّم ذكره. قال: مكثا ثلاث ساعات وهو ربع يوم مائتان وخمسون سنة من أعوام الدنيا.

ويقال: مكثا فيها ستّة أيّام وأهبطا في الجمعة الثّانية. تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّ الله ﷾ خلق آدم يوم الجمعة وفيه أهبط إلى الأرض وأخرجه من الجنّة يوم الجمعة وتاب عليه يوم الجمعة وقبضه يوم الجمعة. وقال بعضهم: أخرج آدم من الجنّة في الساعة العاشرة أو التّاسعة.

والمعروف ما تقدّم أوّلا، كما أنّ بعضهم قد ذكر أنّه خلق لساعتين مضتا من يوم الجمعة، وقيل لثلاث، والصحيح ما تقدّم.

وأهبط الله آدم قبل غروب الشّمس من اليوم الذي خلقه فيه بالهند على جبل يقال له واسم عند واد يقال له بهيل بين الدهنج والمندل، وهو بشرقي

أرض الهند، وقيل على جبل يقال له يرد، وقيل بسرنديب على جبل الرهون منها، وعليه الورق الذي خصفه، فيبس فذرّته الريح في بلاد الهند، فعلّة كون الطيب في بلاد الهند من ذلك الورق، عن ابن عبّاس ﵄ مثله. وأهبطت حوّاء بجدّة والحيّة بأصبهان، وقيل بالبريّة، وإبليس بساحل بحر الأبلّة بميسان. قال أبو جعفر: وهذا لا نعلم صحّته. وأمّا هبوط آدم بأرض الهند فذلك ما لا يدفع (صحّته علماء الإسلام) وأهل التوراة وأهل الإنجيل.

وإنّ آدم لمّا أهبطه من الجنّة أخرج معه ثلاثين قضيبا مودعة أصناف الثمار، منها عشرة لها قشر وهي: الجوز واللوز والجلوز والفستق والخشخاش والشاهبلوط والبلّوط والرانج- وهو جوز الهند- والموز والرّمان، وعشرة ذوات نوى وهي: الخوخ والمشمش والإجاص والرطب والغبيراء والنبق والزعرور والعنّاب والمقل والقراسيا، ومنها ما لا قشر له ولا حجاب ولا نوى وهي: التفّاح والسفرجل والعنب والكمثرى والتّين والتوت والأترج والقثاء والخيار والبطيخ، مثله إلّا أنّه ذكر مكان المقل الشّاهلوك وهو العنيقد، ومكان القثاء الخرنوب. وأمّا المقل فإنه يثمر بالهند ثمرا طيبا يستعمل ولا يكاد يثمر في غيرها، وله شجر يشبه النخل.

ثمّ جاء آدم ﵇ في طلب حوّاء فتعارفا بعرفات، فبذلك سمّيت.

وازدلفت حوّاء بالمزدلفة، فسمّيت بذلك أيضا.

ق: طوى الله له الأرض وقبض المفاوز، فلم يضع آدم قدمه في موضع إلّا صار عمرانا، حتّى وصل إلى مكّة، كان موضع قدميه قرية وخطوته مفازة.

وعن عطاء وابن عباس ﵃ أنّ آدم لمّا أهبط كان يمسح رأسه السّماء. (ابن عبّاس: فمن ثمّ صلع وأورث ولده الصلع)، ومن طوله نفرت دوابّ الأرض، فصارت وحشية من يومئذ، ثم اتّفقا فخفضه الله ﷿ حتّى حطّ طوله إلى ستين ذراعا، صحّ عن النبي ﷺ. فقال: يا ربّ كنت أسمع أصوات الملائكة يسبّحونك وأجد ريح الجنّة وطيبها وكنت آنس بذلك، فقد ذهب ذاك عنّي. فأجابه الله سبحانه: يا آدم لمعصيتك فعلت بك ذلك. وأوحى الله إليه: إنّ لي حرما بجبال عرشي، فانطلق فابن فيه بيتا تحفّ به كما رأيت الملائكة يحفّون بعرشي، فهناك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي. فقال آدم: يا ربّ وكيف لي بذلك؟ فقيّض الله له ملكا فانطلق به نحو مكّة. وكان آدم إذا مرّ بروضة أو مكان يعجبه سأل الملك أن ينزل به حتّى أتى مكّة، فصار كلّ مكان نزل به عمرانا، وكلّ مكان تعدّاه مفازة. فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سينا وطور زيتا ولبنان والجودي وبني قواعده من حراء. ثم أراه الملك المناسك كلّها. ثم ذكر أيضا أن شيتا بنى الكعبة بالحجارة والطين، وأنّه كانت هناك خيمة لآدم وضعها الله له من الجنّة لمّا اشتدّ جزعه على مفارقتها، وأنّ تلك القبّة لم تزل في الكعبة حتّى رفعها الله ﷾ حين أرسل الطوفان.

وكان آدم قد أنزل معه الحجر الأسود وكان درّة بيضاء- وقال ابن عبّاس:

ياقوتة بيضاء- وعصا موسى وكانت من آس الجنّة طولها عشرة أذرع على طول موسى. ثم أنزل الله عليه العلاة والمطرقة. وكان أوّل شيء ضربه آدم المدية، ثم ضرب التنّور وهو الذي ورثه نوح ﵇، ففار بالعذاب بالهند، وغزلت حوّاء الصوف والشعر من الثمانية أزواج التي أنزلها آدم من الجنّة وحاكته بيدها، حاكه آدم فاكتسيا.

وبقي آدم وحوّاء يبكيان على ما فاتهما من نعيم الجنّة مائتي سنة ولم يقرب حوّاء مائة سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما، ولم يزل يسائل الله قبول توبته وأن يرجعه إلى الجنّة حتّى أجابه، فذلك قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ

. قال جماعة قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا

الآية.

واستطعم آدم ربّه، فبعث إليه مع جبريل بسبع حبّات من حنطة وزن الحبّة مائة ألف درهم وثمانمائة درهم وأراه كيف يبذرها. وقيل إنّ آدم أهبطها مع نفسه من الجنّة. فلما بلغ الزرع أتاه أمر الله فدرسه. ثمّ أذراه وطحنه، ثم أمره بعجنه وأراه جبريل كيف يوري النار فطبخه. فلم يبلغ ذلك حتّى بلغه الجهد ما شاء الله أن يبلغ. فذلك قوله ﷿: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ

فَتَشْقى

. ومسح الله ظهر آدم بنعمان من عرفة، فأخرج ذريّته فنشرهم بين يديه كالذرّ، فأخذ مواثيقهم كما تكرّر في التفسير.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.