من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
القول في مبدأ الخلق
قال أبو عبيد ﵀: إنّ الله ﷿ خلق الأشياء على غير مثال وابتدعها من غير أصل وأنشأها من غير حاجة إليها ليستدلّ بذلك على قدرته ويعتبر في بديع حكمته. فتبارك الله خالق كلّ شيء وهو أحسن الخالقين.
ثبت أنّ رسول الله ﷺ قال: أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك السّاعة بما هو كائن، رواه ابن عبّاس وغيره. وعن ابن عبّاس ﵄: القلم طوله خمسمائة عام، واللوح من ذهب ونتاه من ياقوتة
حمراء عرضه ما بين السّماء والأرض ينظر الله ﷿ فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت.
ط: وقال ابن إسحاق: أوّل ما خلق الله النّور والظلمة، والأوّل أصحّ.
قال: ثمّ إنّ الله خلق بعد ذلك سحابا رقاقا وهو الغمام الذي ذكره الله ﷿ في كتابه: هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة. كما روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربّنا ﷿ قبل أن يخلق خلقه؟ قال: في غمام تحته هواء وما فوقه هواء.
ثمّ اختلف في الذي خلق بعد هذا الغمام، فقيل الكرسي، وقيل العرش، وقيل الماء، فكان عرشه على الماء باتّفاق، وقيل إنّ الماء كان على متن الريح.
عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا أراد الله ﷿ أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا نسما فسمّاه سماء، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
بعد تمام سائر الخلق، وذلك قوله ﷿: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
، ودحا الأرض في يومين، أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثمّ فتقهنّ سبع أرضين في يومين وفرغ من سائر الخلق في يومين.
وروي أنّه لمّا أراد الله ﷿ خلق السماوات والأرض سلّط الريح العقيم على الماء، فعظمت أمواجه وكثر زبده وصعد دخانه وسما، فسمّاه سماء، وقال لزبده: اجمد فجمد فصار أرضا، وخلق الأرض على حوت.
س ط: والحوت هو الذي ذكره الله ﷿ قال: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
، والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه العزيز حكاية عن لقمان ﵇. فاضطرب الحوت فتزلزلت الأرض فأرساها الله ﷿ بالجبال. فذلك قوله ﷿:
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع