من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)
في باريس على ما سبقت الإشارة إليه
أي فارياق، قد حان الفراقز فإن ذا آخر فصل من كتابي الذي أودعته من أخبارك ما أملّني والقارئين معي. ولو كنت علمت من قبل الأخذ فيه بأنك تكلفني أن أبلغ عنك جميع أقوالك وأفعالك لما أدخلت رأسي في هذه الربقة. وتجشمت هذه المشقة. فقد كنت أظن أن صغر جثتك لا يكون موجباً لإنشاء تأليف كبير الحجم مثل هذا. وأقسم إنك لو تأبطته ومشيت به خطى على قدر صفحاته لنبذته ورآك وشكوت منه ومن نفسك أيضاً إذ كنت أنت السبب فيه. وما تمنعني صداقتي لك إذا وقفت على أحوالك بعد الآن إن أؤلف عليك كتاباً آخر. ولكن إياك وكثرة الاسفار، والتحرش بالقسيسين والنساء في الليل والنهار. فقد مللت من ذكر ذلك جداً. ولقيت منه عناء وجهداً. والآن قد بقي عليّ أن أروي عنك بعض قصائدك وأبياتك. ولكن قبل الشروع فيه ينبغي أن أذكر حكاية حالي.
وهي إني لما كنت في هذه السنة بمدينة لندرة وشاعت أراجيف الحرب بين الدولة العلية ودولة روسية نظمت قصيدة في مدح مولانا المعظم وسلطاننا المفخم السلطان عبد المجيد أدام الله نصره وخلد مجده وفخره وقدمتها لجناب سفيره المكرم الأمير موسورس فبعث بها جناب فخر الوزراء سيدي رشيد باشا بلغه الله ما شاء فلم تمض أيام حتى بعث المشار إليه الأمير السفير يخبره بأنه قدّم القصيدة للحضرة السلطانية في وقت رضى وقبول ووقعت لديها موقعاً حسناً. وإنه صدر الأمر العالي بتوظيفي في ديوان الترجمة السلطاني. فكان هذا الخبر عندي أسرّ ما طرق مسمعي. فينبغي لي الآن إن أتأهب للسفر لا تشرف بهذه الوظيفة. ولكن أعلم أيها القارئ العزيز إنه لما كان همي وقصارى مرامي كله إنجاز طبع هذا الكتاب قبل سفري إلى القسطنطينية وكان مكثي في لندرة موجباً لتأخيره. لأن أجزاءه المطبوعة كانت ترسل إليّ فيها لأصححها آخر مرة من قبل الطبع. أشار إليّ الخواجا رافائيل كحلا الذي ولي طبع الكتاب بنفقته إن أسافر إلى باريس تعجيلاً لطبعه فأجبت إلى ذلك. وكان وقتئذ في مرسى لندرة سفينة نار للدولة العلية يراد تسفيرها بعد مدة. فالتمست من صاحبي الخواجا نينه الذي قدم مع الخواجا ميخائيل مخلع في مصلحة متجريه بأن يراقب وقت سفر السفينة ويخبرني بذلك لئلا تفوتني فرصة السفر معها. وكان للخواجا نينه المذكور بعض حاجات ومآرب في باريس جلها بامرأته فوكل بشرائها بعض معارفه هناك. حتى إذا اشتراها له أوعز إليه في أن يسلمها لي وكتب إليّ كتاباً يقول فيه أن السفينة لا تلبث أن تسافر فالأولى سرعة رجوعك إلى لندرة. فصدقت قوله وأقبلت أسعى إلى لندرة وأنا موجس أن تكون السفينة قد سافرت دوني. وتركت التصليح على عهده الخواجاً رافائيل الموما إليه. فلما وصلت إلى لندرة تبين لي أن نصح صاحبي لم يكن مقصوداً به حاجة حضوري ولكن إحضار حاجته معي ليتوفر عليه بذلك جعلها ومكسها ولتتزّين بها زوجته قبل انقضاء أوانها. فإن السفينة بقيت في المرسى مدة طويلة لتصليح آلاتها على علم من ناصحي. فكان قدومي إلى لندرة هذه المرّة الثانية سبباً في تأخير الطبع أيضاً لأجل لزوم إرسال الصحائف إليّ لأنظرها قبل الطبع كما سبقت الإشارة إليه. ولولا ذلك لنجز الكتاب سريعاً. غير أني أحمد الله تعالى على إنه لم يعرض له من الأمور النسائية إلا ما أوجب تأخير طبعه فقط دون أبطاله ونسخه بالكلية. فقد طالما أشفقت عليه من ذلك كما أن الفارياق يشفق على فساد ترجمته من أمثال هذه العوارض. وهذه القضية مصداق على ما قالته الفارياقية في الفصل التاسع من الكتاب الرابع من أنه قد يجتمع اثنان في زواج أو في شركة أو غير ذلك ويكون قد تقرر في بال أحدهما إن له منة على صاحبه. فمتى وردت على سمعك يا صاحبي نصيحة من أحد فأنشر طيّها وأسبر غورها لتعلم هل الغرض منها نفعك خاصة أو نفع ناصحك وحده أو نفعكما معاً. ولكن لا تبتدئ بنصيحتي هذه فإني لم أقصد بها إلا مجرد نفعك فقط. وأعلم يا فارياق إنه قبل تشرف قصائدك وأبياتك بإدماجها في هذا الكتاب يجب عليّ أن أشرفه والقارئين أيضاً بالقصيدة المشار إليها وهي:
الحق يعلو والصلاح يعمروالزور يمحق والفساد يدمر
والبغي مصرعه ذميم لم يزلآتيه عرضة كل سوء يثبر
والوغد تبطره من النعم التييغنى بها الحرّ الكريم ويشكر
طغت الطغاة الروس لما غرَّهمفي الأرض كثر سوادهم وتجبروا
كادوا ويرجع كيدهم في نحرهمفطُلاهم دون القواضب ينحر
المعتدون ولا نهى تنهاهمالظالمون القاسطون الفجّر
نقضوا العهود وكان ذلك دأبهملؤماً وللعدوان بغياً اضمروا
حتى أرى بعض المآثر رأسُهمبخس الحقوق وساء من يستأثر
أيظن أن الدولة العليا السويدوإنّه هو بطرس المتأخر
كلاّ ليرتدعنَّ ثم ليعلمنّأن ربَّها من يبتغيها يثأر
يا مسلمون تثبّتوا أن جاءكمنبأ عن الروس العدى وتبصّروا
لا يغررنَّكم كثير جموعهمفالحق ليس يضيره المستكثر
يا مؤمنون هو الجهاد فبادروامتطوعين إليه حتى تؤجروا
هذا جهاد الله يحمي عرضكمفاسخوا عليه بكل علق يُدخر
في لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوامّما تُحبون الدليل الأظهر
وتمسكوا بالعروة الوثقى منالصبر الجميل على القتال وذمّروا
يغنيكم التكبير والتهليل عنإن تعملوا فيهم سلاحاً يبتر
فألقوهم بهما كفاحاً تظفرواوعليهم صولوا وطولوا وانفروا
واغزوهم بحراً وبراً واحشدواركباً وفرسانا ونسرهم أنسروا
لو لم يكن منكم سوى نفر لماغلبوا فكيف بكم وأنتم اكثر
من كل فتاك إذا اعترضت لهيوماً شعوب يُدمر
انتم عباد الله حقاً فاعبدواللدّين فهو بكم يعزّ ويجبر
وأحموا حقيقتكم فحفظ ذماركمفرض عليكم ليس عنه تأخر
غاروا على الإسلام حتى ترفعواأعلامه فلكم به أن تفخروا
لا تسمع الأجراس في أوطانكمبدل النداء ولا ينجس منبر
وليسمعن اليوم في أرجائكمقرع القوانس بالظبى أو تخدروا
فلذاك أشجى من غناء مطرّببمسامع القوم الذين به ضررا
لكن يد الله القوية معكمتوليكم أيداً فلن تتقهقروا
ما أن يقاويكم بهم من عسكرلو أن ملء الأرض طراً عسكر
قد قال في الذكر المفصل ربكمحقاً علينا نصرهم فتذكروا
ما الله مخلف وعده لعبادهأن هم بعصمته أتقوا واستنصروا
قد كان مولاكم وهاهو لم يزلوزراً لكم أيّان كنتم يخفر
ولربما شرعوا الرماح عليكملكن على إنفاذها لن يقدروا
لن يعمل البتّار إلا أن يشاالله ما شيء سواه مؤثر
والنار منهم أن يُرد إطفاؤهابرد فلا تلظى ولا تتسعّر
وإذا يشاء يثلّ عرشهم فلنيستقدموا عنه ولن يستأخروا
غاروا على حرم مخدرة لكمقد طالما أُحْصنَّ عمن يعهر
أيقودهن اليوم علج فاجروسيوفكم بدمائهم لا تقطر
ولئن يكن نجسا ورجساً مسهافبخوضها قد حلّ أن تتطهروا
الصبر محمود ولكن حين تنتهكالمحارم لا أرى أن تصبروا
لا خير في عيش يقارف ذلّةحاشاكم أن تفشلوا أو تدبروا
شهد الإله بأنه مولاكمونصيركم فبحمده فاستظهروا
والله قد وعد المجاهد منكمفتحاً مبيناً في الكتاب فابشروا
ويبوّئ الشهداء خير مبوّإِجنات عدن ملكها لا يغبر
الحرب بينكم سجال فأثبتواوالنصر عقبى أمركم فاستبشروا
في أهل بدر عبرة لكم ألاَيا قوم فليتذكر المتذكر
أبْلُوا ليرضى ربكم عنكم فمنأبلى فعند اللائمية يعذر
كم بين من يأتي القتال تطوعاًومسخر كرها عليه يجبر
يقتاده ويسوقه مولى لهفظ زنيم غاشم متغشمر
ويبيعه لو شاء للنخاس معولد له وبزوجه يتسرّر
لا عرض يمنعهم ولا كرم لهميثنيهم في الناس عن أن يفجروا
يتترعون إلى الفواحش حيث معأهل المحامد فاتهم إن يذكروا
وكذا الطغَّام إذا عدتهم مدحةودّوا بأية شهرة أن يشهروا
سعدوا ولكن ربَّ سعد ذابحللفائزين به إذا لم يشكروا
ولعل نسرهم المدوم واقعفمن الهلال علاه ضوء يبهر
لن يفلح العاثون ما عاشوا ولاالعاتون ما رغدوا ولن يتيسروا
أو لم يعوا ما جاءهم عمن طغىمن قبلهم بطراً وأنى دُمروا
أم يعجزون الله إذ يملي لهمعن أن يغار لقومه أن ينصروا
أو أن يمدهم بجند لا ترىوبمنشئات مخر لا تبحر
لو أن تخرمهم وهم مرحون فيأمن رخيو البال ريح صرصر
أو يرسل الطير الأبابيل التيقد أهلكت أمثالهم لأكثروا
ما كان عبّاد البعيم ليغلبواقوما على إيّاك نعبد يُحشر
من كان يُرضي الله خالص سعيهفي الناس فهو بكل خير يجدر
من لم يصخ أذناً لنصح وليّهركب الضلال ولم يُفده المنذر
من أبطرته نعمة المولى عتاعسفاً وغشمرة يمين ويغدر
من لم تكن تغنيه قسمة رزقهفإذا اشرأب إلى الزيادة يخسر
من يتكل سفها على جند لهدون الإله يحق به ما يحذر
من ظن أن يقوى بقوة بأسهوسلاحه وذويه فهو مغرَّر
من غالب القهار عاد مخشيامستضعفاً وكلا يُذل ويقهر
من سرَّه في يومه كفرانهوأفاه في غده العذاب الأكبر
من كان يوماً راغباً في عاجلعن آجل أودي به ما يؤثر
من كان من بين الورى سلطانهعبد المجيد فإنه لمظفر
سلطاننا الأسمى الذي سعدت بهأيامنا وزهت فدته الأعصر
نشر العدالة في البلاد فكلنامستأمن في ظله مستبشر
ولكلّ جيل في ممالكه يدمنه وآلاء تعمّ وتغمر
ما أن عداهم عدله وأمانهسيان هم أعسروا أو أيسروا
أنا إذا أتخذ العدى طاغوتهمربَّاً لنأتمر الذي هو يأمر
لسنا نروم بغير طاعته إلىالرحمن من زلفى ولا نتخير
كلاّ ولا في غير خدمتنا لهعرض وإخلاص لنا وتبرّر
كفر المبايع غيره والمعتدىبغياً وطغياناً عليه اكفر
من ذا يحاكيه على ومناقباومن الذي فَضْلى حلاه ينكر
لو أنه اقترح الوجود تحكماًما زاد فيها غير ما نتنظر
من جوهر الإخلاص صوّر ذاتهرب قدير كيف شاء يصور
ولاه أمر الدين والدنيا معاًفهو الإمام الحاكم المتأمر
وهو الذي بين الملوك مقامهالأعلى يكرم هيبة ويوقر
وهو الذي بين العباد محببومعظم ومبجل ومعزز
يستدفعون الضر فيهم باسمهوعلى المنابر حمده المتكرّر
أن قال لم يستثن مما قالهأحد وأن يفعله فهو مخيَّر
ليس الفرنج مشايعي أعدائهما هم لهم حزب ولاهم معشر
أفمن يكون على هدى من ربهكغوي استهواه جبت منكر
أم من له الخلق الكريم يقاسمبالنكد اللئيم جبلة وينظرَّ
أم يستوي في العرف والإمكان منيهب الجزيل ومن يشح ويضمر
أيه أمير المؤمنين ومن دعاأيه أمير المؤمنين فقد سرُوا
سد بالمعالي فائقاً كل الورىمجدا وشأنئك البغيض الأبتر
وسعت عوارفك العميمة سؤلناالأقصى وما بالبال منا يخطر
حتى لقد كلّت خواطرنا بمااقترحت وأنت منفّل لا تضجر
نطق العيي بفرض مدحك مفصحاًحتى الجماد يكاد عنه يعبرّ
ولقد أضاء الكون مجدك كلهحتى استوى في العمي والمبصر
نظر الطغاة إليك نظرة حاسدفتجرعوا مضضاً بها وتحسروا
أن يجلبوا فالله ما حق جيشهمأو يمكروا فلمكر ربك أكبر
إن المحال من المحال إذا جرىبخلاف طيّته وحق مقدر
ما كان جمعهم سوى كسف هبتوالشمس ليست بالهباء تستر
ليست فروق لغير عرشك وهي مابقيت على الفرقان ليست تقفر
أنت الذي بمديح وصفك تنجليعنا الهموم وافقنا يتعطر
وتصحّ أحلام الأماني في غداللاّهي بها والدهر انكد اعسر
ما أن يفي نظم اللآلئ مدحةلك باللهى من سحب كفك تنثر
لم يبق ما بين الورى من ناطقإلاّ وعن آلاء فضلك يخبر
حرس الإله جنابك الأعلى ولازالت عبادك في حماه تخفر
وأدام دولتك العلية ما سرىنجم وما زخرت كجودك أبحر
أنشدت تاريخين هجريّين فيختمي مديحك وهو حظي الأوفر
عبد المجيد الله أركى ضدهسلطاننا خير بجد ينصر
سنة سنة القصيدة الهرفية في مدح باريس أذي جنة في الأرض أم هي باريس ملائكة سكانها أم فرنسيس وهل حُور عين في منازهها تُرَى وإلا فكل حين تخطر بلقيس وهل ذي نجوم ترجم الهمّ في الدجى عن البال أن يخطر به أم نباريس وهل زهرة الدنيا ترى في هوادج تمر كبرق خاطف أم طواويس نعم أنها خُلْد النعيم وشاهدي رياض وحوض دافق وفراديس ونهر وعليون فيها كواعب على سرر مرفوعة واعاريس وفاكهة مع لحم طير ونضرة وراح وريحان وروح وترغيس وأعمدة تحبو السحائب دونها كان لها فوق السماكين تأسيس هنيئاً لمن منها تبؤَّأ منزلاً وطوبى لمن فيها له تاح تعريس إذا شدة أو كربة بك برحت فحجّ إليها فهي للكرب تنفيس
فتونس منها وهي تونس غبطةً فبين المقامين اتحاد وتجنيس وإن تك يوماً قانطاً من لبانة فرؤيتها أطلاب ما منه ميئوس بها ما يقر العين من كل إربة وما تشتهي نفس وما تألف التوس وفي ذكر ما فيها تلذ لذاذة تطيب بها عن غير وهو محسوس هي المنهل المورود من كل ظامئ القصيدة الحرفية في ذمها أذي عبقر في الأرض أم هي باريس زبانية سكانها أم فرنسيس وهل ذي نساء في مواحلها ترى وإلا فكل حين تخطر جاموس وهل ذا شرار يجلب الهمّ في الدجى إلى البال أن نبصر به أم نباريس وهل زفرة الدنيا ترى في هوادج تمر كعير ظالع أم مطافيس نعم أنها مأوى الجحيم وشاهدي شقيون في ساحاتها ومناحيس وفسق وعليون فيها فواجر على سرر مرصوعة وتناجيس وأكل من زقوم يخبث طعمه وشرب من الغسْلين يسقيه إبليس وأعمدة تلقي الشياطين عندها كان لها فوق الخبائث تأسيس شقاء لمن منها تبوأ منزلاً وتعسا لمن فيها له تاح تعريس إذا شدة أو كربة بك برّحت بها فأنا عنها فهو للكرب تنفيس وبرّز عليها أن يفتك مبرَّز فبين المقامين اتحاد وتجنيس وإن تك يوماً طامعاً في لُبانة فرؤيتها يأس لما هو محدوس بها ما يسوء من كل إربة وما تجتوي نفس وما تكره التُوس وفي ذكر ما فيها يسوء إساءة تفوق على ما خفته وهو محسوس هي المنهل المسموم حتف لظامئ وللزائريها الخير أجمع مبجوس هي الأمن من جور الخطوب فما على عرير بها ضيم يُحاذر أو بؤس نعم هي من عين الزمان تميمة فما أمِّها ذو عسرة وغدا في سو فما نعمة فيها تشان مجاسد ولا صفو لذات يقانيه تسجيس ولا نجس ذي حق من الناس حقه فيا حسن دار حيث لاحقَّ مبخوس فلا ذام فيها يستبين لعائب سوى هادم اللذات ما دونه طوس عليها بهاء الملك والعز والعُلى ومنها سخاء المجد والفخر مقبوس إلى مثلها يُنضى الرشيد مطيّه إذا كان يُلفى مثلها وتجي العيس هو العيش فأغنم طيبه في ربوعها فإنك فيها ما أقمت لمرغوس وإنك منها لست يوماً بواجد بديلاً ولو أمسى وراءك برجيس وأنك فيها ضارب كُرَة الأسى بمحجن بشر ليس يتلوه تعبيس وأنك منها مجتن ثمر المنى فإن بها الفوائد مغروس إذا رثَّ العمر منك فأنّ من قشيبِ حظاها ريقّ العيش ملبوس فبِتْ آمناً فيها وقم باكراً إلى مراتع لهو لم تشبهُ وساويس ولا ترغبن عنها إلى غيرها تكن كمن شاقه بعد السعادة أنكيس فدهرك فيها ما أقمت مسالم وللزائريها الشر أجمع مبجوس هي الخوف من كل الخطوب فما على عرير بها إلا المخاطر والبوس نعم هي في عين الزمان قذًى فما أتاها أمرؤ إلا ومنها غدا في سو فما نعمة فيها خلت عن محسّد ولا وطر إلا وقاناه تسجيس وتبخس ذا حق من الناس حقه فيا قبحها دارا بها الحق مبخوس فلا روح منها يستبين لناصب سوى هادم اللذات ما دونه طوس عليها ظلام الكفر والظلم والخنى ومنها أوار الفسق والفحش مقبوس وعن مثلها ينضى الرشيد مطيّه إذا كان يُلقى مثلها وتجي العيس هو العيش فأغنم طيبه في سوائها فإنك فيها ما أقمت لمنحوس وإنك لا تلقى لها من مُشابه برِجْسٍ ولو أمسى وراءك برجيس وأنك فيها ضارب كرة المنى بمحجن ياس تلوه الدهر تعبيس وأنك منها مجتن ثمر الأسى فإن بها أصل المحارم مغروس إذا كان ثوب العزّ عندك معلَما فمن نغص في عيشها هو مطلوس فبت صابراً فيها وقم باكراً إلى نعيم سواها لم تشبه وساويس ولا ترغبن فيها ولو ليلة تكن كمن شاقه بعد السعادة أنكيس فدهرك في دار سواها مسالم وقدرك مرفوع وشملك محروس فآثر بها ليلاً على عام غيرها على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس ولا غرور أن تزداد في العمر حقبة ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس لقد كنت أخشى الخَين في غير منشأي فقدْني بها بشرى إذا أنا مرموس وقد طالما عللت نفسي برغدها فبتّ ولي أحلام خير وتغليس فألفيتها يربو على الوصف حسنها فما ثمّ أشباه لها ومقاييس وفيها من العزّ الكرام أعزّة جحاجح ضرّابون يوم الوغى شوس لقد فُطروا طبعاً على الودّ والوفا جميعاً فما يعروهما عوض تلبيس لئن سُبقوا سبْق الوحود فانه لَيسبقُ جسماً ظله وهو مدعوس لهم في سماء العلم شمس براعة وفي الأدب الطامي العباب قواميس فكم فيهم من عالم متقن له لتطليس آثار المعارف تطريس
إذا أغطشت آفاق أمر فإنما يجليّه لفظ موجز منه مهموس وكم فيهم من فاضل ذي استقامة تقيم قوام الدهر إذ هو منكوس وتمسكه أن لا يجور كأنما وتُعدَّل في كلتا يديه قساطيس وربَّ خطيب لفظة فوق منبر يبين ولو بُلِّغْتَه وهو معكوس يشف خفي الغيب عما يقوله وقدرك مرفوع وشملك محروس فآثر بها ليلاً على عمر بذي على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس ولا غرو أن تزداد في العمر حقبة ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس لقد كنب أخشى الحين في غير منشأي فيا شقوتي فيها إذا أنا مرموس وقد طالما حذّرت نفسي فسادها فبت ولي أحلام سوء وكابوس فألفيتها يربو على الوصف قبحها فما ثمّ أشباه له ومقاييس وفيها من القوم اللئام ثعالب ولكنهم أن يؤدبوا أسد شوس لقد فطورا طبعاً على الغدر والجفا جميعاً فلا يغررك في ذاك تلبيس لئن سَبقوا سبق الوجود فانه ليسبق جسماً ظله وهو مدعوس لهم في بحور الشك وطالما تغشّتهم منه ضلالا قواميس فكم فيهم من مدّع صَلِف له لتطريس آثار المعارف تطليس إذا ما انجلت آفاق فانه ليخفيه لفظ موجز منه مهموس وكم قيهم من فاضل من فضوله اعتدال قوام الدهر أحدب منكوس يحاول لؤماً أن يميل به فلا تعدّل في كلتا يديه قساطيس وربّ عييّ لفظة فوق منبر يسوء ولو بلّغته وهو معكوس يشفّ خفيّ العيب عما يقوله فيبصره من طرفه بعد مطموس وكم فيهم من خيّرٍ صالح له أنا الليل تسبيح طويل وتقديس وكم فاتح منهم وما بارح الحمى كتائبه أقلامه والقراطيس وكم بينهم من ليث حرب إذا سطا جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا هيجوا حياة إذا اتقوا أسود إذا صالوا جبابرة هيس إذا سمحوا لا نوا وإن حمِسوا فسّوا ويَرْبُون فضلاً أن بغيرهم قيسوا أولو هّمة دانت لها هِمَم الورى وفخرهم في ذاك كالدهر قدوموس بشاشتهم للضيف خير من القِرَى وما لقراهم لو تأخّر تبنيس وأكرمهم مثوى الغريب سجية فيغدوا أقناه أهل وتأنيس مديحهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد أكرموا هذا اللسان وأهله فمازال يحظى عندهم وهو مدروس وقد ألّفوا فيه تآليف جمّة وجلّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالمال عند سواهم وعندهم تغنيك عنه الكراكيس فقل لمباريهم تحدّوا لغيرهم فإن مجاراة المجلّين تهويس شِعارهم حرّية وأُخوَّة وتسوية كلّ بذلك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا فيبصره من طرفه بعدُ مطموس وكم فيهم من فاسق عاهر له أنا الليل تجديف طويل وتنجيس وكم طامع في الملك منهم سفاهة كتائبه أقلامه والقراطيس وكم من طفيلّي لكل وليمة جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا زيْروا حياة إذا اجتدوا أسود إذا لاسوا جبابرة هيس إذا سألوا لا نوا وإن سُئلوا قَسُوا ويربون شحّا أن بغيرهم قيسوا أولوا جّشَع من دونه جشع الورى وصيتهم في ذاك كالدهر قدموس بشاشتهم للضيف في زعمهم قرى وفي وعدهم مّيْنُ ومطل وتبنيس وإكرامهم مثوى الغريب سجية إذا كان ذا زوج وبالزوج تانيس هجاؤهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد جهلوا هذا اللسان وأهله فما زال يخفى عنهم وهو مدروس وقد لفقوا فيه أساطير جمّة وشطّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالعلم عند سواهم وعندهم ليست تفيد الكراريس فقل لذوي الدعوى المبارين منهم لعمري مجاراة المجلّين تهويس شعارهم حرّية وأخوّة وتسوية لكن عدا ذاك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا وإرّيسهم في اليُسر والرفة أرّيس ترى كلَّ فرد منهم كيساً له مشاركة في العلم والفضل ما كيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل أن الخير منهم مانوس وأن لهم رزقاً كريماً رضوا به فما هم مسفّى ما رب فيه تدنيس فتحسب كلاّ حلّ صرْحا ممرّدا تحيته فيه سلام وتقليس فما نظرت عيناي فيهم صاغرا ولا عن الخيرات والرشد مرجوس أراني سعيداً محْبّراً في جوارهم ومن لم يزر هذا الحمى فهو منحوس عفوت عن الأيام سالف ذنبها فقد شفعت فيها وفي الناس باريس فلا فرق في الدون والدون في القضا وأرّيسهم في الأمر والنهي أرَّيس ترى كل فرد عاتياً طاغياً له مشاركة في الحكم مع إنهم خيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل منهم أن الشرّ مانوس
وأن لهم رزقاً حراماً رضوا به فشأنهم أسفاف ما فيه تدنيس فتحسب كلاّ حل ماخور ريبة تحيته فيها سِلام وتلقيس فما نظرت عيناي فيهم فاضلا ولا من عن الآثام والرجس مرجوس أراني كثيباً نادماً في جوارهم ومن زار يوماً أرضهم فهو منحوس وجدت على الأيام عتباً بعيشها فقد أخبثته والبريةَ باريس وقد كنت في مدحي لها قبلُ مخطئا فهذا له كفارة وهو مركوس
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع