من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)
في إسلامبول
أرى الدهر صافاني ومال إلى الصلحومن بعد حرماني أتاني بالنُجح
وأصغي إليَّ الجد حين دعوتهولاحت تباشر المنى لي من صُبحي
أتاني على الإبحار والبرّ برّهبأسرع من شكوى احتياجي إلى السمح
فلم تكُ إلا دعوة فأجابنيإجابة صنو وهو لي سيد لحّ
ولو لم يجرني من زماني بفضلهلا صحت في بؤس وأمسيت في برح
وحنت بأشجاء التمني فإن ليلجرحا ممضاً دونه ألم الجرح
فلي في نهار جهد سبح وخرفةوفي ليلتي حبس وحُرف عن السبح
إذا كنت لا أشكو إليه فمن عسىيكون إليه مشتكى الضرّ والتَّرح
ومن ذا الذي تلقاه في الناس مسجحاًسواه إذا أضطر المضيم إلى السجح
خلائق لا يوفي الثناء بوصفهاولو كنت حسّان البلاغة والفصح
أغار على أوصافه الغر إنهاتشاركها أوصاف آخر في المدح
هداني له جدّي وقد كنت غاوياًمع الشعراء البائرين ذوي الكسح
وكان زماني مازحاً فمزحتهفلما تعاطى الجدَّ ملت عن المزح
فصار لشعري رونق وطلاوةوحُقَّ له الإملاء في ملأ فصح
وقد كان في سوق الأعاجم كاسداًمقالي واطرائي عليهم بلا ربح
فكم بتُّ أُنضي خاطري لمديحهمفقمت وبي رنح وأعييت كالطلح
ولم يغن عني ما مدحتهم بهفتيلاً وما ازدادوا سوى البخل والشح
ولم ينقدوا كفارة الكذب الذيعليّ بأعلى اللوح ما هو بالممحي
ولو أنني راسين عصري فيهموملطن ما استثقت منهم سوى النشح
فها أنا ذو ربح ولست بمفترثناء وإطراء وكنت بها أُلحي
فحل يا زماني بين فوزي ومطلبيأن أسطعت واستعد الخطوب على فدحي
فلي باسمه استفتاح كلّ قضيةويمناه اقليد السعادة والفتح
ألا فليزرني اليوم من كان مزرياًبشأني يجد كوخي اعزَّ من الصرح
علا بمعاليه مقامي ورتبتيوصرت إلى أقصى الأماني ذا طمح
إذا أبصرت عيناي من هو مخفقكدأبي من قبل انتحلت له نصحي
وقلت له أبشر بما أنت طالبفمن يدع يوماً باسمه فاز بالسنح
هو الماجد النائي مدى الدهر صيتهقريب من الداعي على القرب والنزح
فليس علي بعد يؤخر رفدهوليس على قرب يمل من المنح
هو الحازم النحرير طلاّع أنجدكريم نزيه النفس ذو خلق سجح
مليل أجلّ الخلق سامي الذري الذيمناقبه الغرَّاء تغني عن الثرح
أميري ومولاي الكريم وسيديومن هو بعد الله لي سند الركح
تظنّيت فيك الخير والفضل كلهفحققت ظني فهو دوني في صح
أتاني وعد عنك إنك منزليلديك كما أنزلت أهلي في ندح
ولا ريب عندي أن وعدك منجزوأني لا أحتاج معه إلى فسح
فهاك مني المدح خدمة مخلصفجد بالرضى عنه فديتك والصفح
ودم كهف عزَّ للذليل وملجإلقاصده ما انجاب ليل من الصبح
وكتب إلى الفاضل اللبيب الخوري غبرائيل جباره أرسلها إليهمن باريس إلى مرسيليه وهو أول شعر مدح به قسيساً
قف بالطول أن أسقطت قليلاًوأسأل عن الركب المغذّ رحيلا
ساروا وأبقوا وحشة لك دونهاغصص المنون وحسرة ونحولا
طلل عهدت به الخلاعة والصبىوشربت فيه سلسلاً مشمولا
وجررت أذيالي وتهت على المُنىواقتدت منها ما استعزّ ذليلا
وخلعت من نعم ولذات علىأهل الهوى ما كنت منه ملولا
واحسرتاه متى يعود العيش فيعرصاته وألذّ فيه مقيلا
لم يبق إلاّ ذكر أفراحي بهومضى كأمس نعيمُه مبتولا
أن غيّرت آثاره الأيام أوأن عطلت أعلامه تعطيلا
فبخاطري تذكاره متجددولقد يظل بأنسهم مأهولا
من بعد حسادي عليه الريح قدحامت لديه بكرة وأصيلا
تبدي الحنين به وأنَّه ثاكلفأزيد فيه زفرة وعويلا
تسقي تراب فنائه وكأنماتهفو به لتحله الإكليلا
عجباً وقد بلته مني عبرةأن صار فوق عنانها محمولا
أم قد درت نكب الرياح بأنهأولى بأن يثوي السماء مقيلا
أم مثل عيني أعين الجوزاء قدرمدت فتستشفي به تكحيلا
ما كدت أدري رسمه لولا شذاعرْف إليه كان منه دليلا
نؤي الحبائب للمحبّ أعز منصرح لديه لا يصيب خليلا
وسويعة مع من تحب أجل مندهر به تلقى أخاك عذولا
قلبي السَمنْدل يصطلي نار الهوىوسلوه العنقاء عز وصولا
لله كم منه يعذَّب عاشقولكم به يمسي البريء قتيلا
لو رقَّ من عشقٍ كلام رتلالقراء قولي في الدجى ترتيلا
أو لو تداوى الناس منه بالبكالشفيتُ كلّ شجٍ يبيت عليلا
حاولت قلب القلب عن علل الهوىفأجاب أنك قد ضللت سبيلا
مني ابتداء الشوق كان وختمهبي لست عن دابي أحول حؤولا
قد قانتي المولى عليه كما علىحب المكارم قان غبرائيلا
هو ذلك الحبر المهذَّب خلقهوعليه يبدو خلقه دليلى
الطيّب الأصل الكريم الفعل لنتلقاه إلا مرشداً ومنيلا
يهب الجزيل وعنده كالجزل مايحجوه جزلاً غيره منقولا
المرتدي ثوب العفاف مطرّزاًبتقًى يقي التحريم والتحليلا
طلق المحيا واللسان طلاقةتَدَع الأسى من قيده محلولا
يستدرك الأشكال فصل خطابهوبعلمه يستخرج المجهولا
فلكل ريب قضية ما زال مسئولاوللراجي ندًى مأمولا
صافي السريرة حيث آي وفائهلن تقبل التحريف والتبديلا
ما أن يزال إذا دنا وإذا نأىبَرّاً نصوحا وأصلا مسئولا
كانت مشورته هدى وسعادةللمستشير ونصحه منخولا
ودعاؤه في الضرّ أعظم عاصملك فأطمئنّ به وكن مكفولا
ليس المنيخ ببابه قنطِاً ولامن يستغيث بجاهه مخذولا
مولى تحرّى الزهد في الدنيا وقددانت له لو شاءها تبتيلا
فنجاره ما زال ملجأ لاجئيلقي الأماني عنده والسولا
جبر الخواطر من جبارة يرتجيوبفرعه كل الفخار أنيلا
سمح الزمان بقربه لي سبةما كان أحلاها وعاد بخيلا
حتى أرى قِصرَ الأيادي بعدهومن استطال بفضله مفضولا
ولقد علمت أوان كل الطرفمقصوراً عليه ذلك التأويلا
مارست دهري واختبرت صروفهفإذا به لا يستفيق غفولا
هلاّ أتاني من قبل أنيقضي الفراق وكان فيه عجولا
هل من ممار أن شخصاً واحداًيحوي الفضائل كلها تكميلا
أم منكر أن ليس يذكر سيدُمع ذكره إلا وكان ضئيلا
ولئن أفض في ذكر آلاء لهفاضت عليّ أملّ عنه طويلا
أدب وإحسان وبشر دائموسماحة تستغرق التمثيلا
ما كنت في مدحي له بمبالغما قلت إلا بعض ما قد قيلا
ولو استطعت لكنت أنظمكل درّيّ له مدحاً أو التنزيلا
من حاول الإسهاب فيه فإنماهو موقد وقت الضحى قنديلا
بشرى لمن يحظى بقرب جنابهولمن يقبّل ذيله تقبيلا
ولمن له يهدي التحية والثناوالحمد والتعظيم والتبجيلا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع