تجاوز إلى المحتوى

من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

عمرو بن كلثوم

فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم، فيقال: ها هوذا من تحتك، إن شئت أن تحاوره فحاوره.

فيقول: كيف أنت أيُّها المصطبح بصن الغانية، والمغتبق من الدُّنيا الفانية؟ لوددت أنَّك لم تساند في قولك:

كأنَّ متونهنَّ متون غدرٍتصفِّقها الرَّياح إذا جرينا

فيقول عمروٌ: إنك لقرير العين لا تشعر بما نحن فيه، فأشغل نفسك بتمجيد الله واترك ما ذهب فإنّه لا يعود. وأمّا ذكرك سنادي، فإنَّ الإخوة ليكونون ثلاثةً أو أربعةً، ويكون فيهم الأعرج أو الأبخق فلا يعابون بذلك، فكيف إذا بلغوا المائة في العدد، ورهاقها في المدد؟ فيقول: أعزز عليَّ بأنَّك قصرت على شرب حميم، وأخذت بعملك الذّميم، من بعد ماكانت تسبأ لك القهوة من خُصٍ أو غير خصّ، تقابلك بلون الحصّ.

وقالوا في قولك سخيناً قولين: أحدهما أنّه فعلنا من السّخاء والنون نون المتكلمين، والآخر أنّه من الماء السّخين لأنَّ لأندرين وقاصرين كانتا في ذلك الزمن للرُّوم، ومن شأنهم أن يشربوا الخمر بالماء السَّخين في صيفٍ وشتاءٍ، ولقد سئل بعض الأدباء بمدينة السِّلام عن قولك:

فما وجدت كوجدي أمُّ سقبٍأضلَّته فرجعت الحنينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
ولا شمطاء لم يترك شقاهالها من تسعة إلاّ جنينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

هل يجوز نصب شمطاء. فلم يجب بشيء، وذلك يجوز عندي من وجهين: أحدهما على إضمار فعلٍ دلَّ عليه السامع معرفته به، كأنَّك قلت: ولا أذكر شمطاء، اي إنَّ حنينها شديدٌ، ويجوز أن يكون على قولك: ولا تنسَ شمطاء، أو نحو ذلك من الأفعال، وهذا كقولك: إنَّ كعب بن مامة جوادٌ ولا حاتماً، أي ولا أذكر حاتماً، أي إنَّه جوادٌ عظيم الجود، قد استغنيت عن ذكره باشتهاره، والآخر، أن يكون من ولاه المطر إذا سقاه السَّقية الثانية، أي هذا الحنين اتَّفق مع حنيني، فكأنَّه قد صار له وليّاً، ويحتمل أن يكون من ولي يلي، وقلب الياء على اللغة الطائيّة.

وينظر فإذا الحارث اليشكريُ فيقول: لقد أتبعت الرُّواة في تفسير قولك:

زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العير موالٍ لنا، وأنَّا الولاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وما أحسبك أردت إلا العير الحمار.

ولقد شنَّعت هذه الكلمة بالإقواء في ذلك البيت، ويجوز أن تكون لغتك أن تقف على آخرالبيت ساكناً، وإذا فعلت ذلك، اشتبه المطلق بالمقيَّد، وصارت هذه القصيدة مضافةً إلى قول الراجز:

دارٌ لظميا وأين ظمياأهلكت أم هي بين الأحبا

وبعض الناس من ينشد قولك:

فعشن بخيرٍ لا يضرك النُّوك ما أعطيت جدًّا

فيجمع بين تحريك الشِّين وحذف الياء، من: عاش يعيش، وذلك رديٌ. ومنه قول الآخر:

متى تشئي يا أمَّ عثمان تصرميوأوذنك إيذان الخليط المزايل

وإنّما الكلام: متى تشائي، لأنَّ هذا السّاكن إذا حُرُّك عاد الساكن المحذوف.

ولقد أحسنت في قولك:

لا تكسع الشُّول بأغبارهاإنَّك لا تدري من النَّاتج
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»

وقد كانوا في الجاهليَّة يعكسون ناقة الميت على قبرة، ويزعمون أنَّه إذا نهض لحشره وجدها قد بعثت له فيركبها فليته لا يهص بثقله منكبها. وهيهات! بل حشروا عراةً حفاةً بهماً أي غرلاً وتلك البليَّة ذكرت في قولك:

أتلهَّى بها الهواجر إذ كلُّ ابن همٍّ بليَّةٌ عمياء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

النص من «رسالة الغفران» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.