من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار لعمر بن أبي ربيعة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني حرميّ، عن الزّبير، عن طارق بن عبد الواحد، قال: قال عبد الرحمن المخزوميّ: كانت سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف جالسة في المسجد، فرأت عمر بن أبي ربيعة في الطواف، فأرسلت إليه: إذا قضيت طوافك فائتنا، فلما قضى طوافه أتاها فحادثها، وأنشدها، فقالت: ويحك يا بن أبي ربيعة. ما تزال سادرا في حرم اللّه منتهكا، تتناول بلسانك ربّات الحجال من قريش؟! فقال: دعي هذا عنك، أما سمعت ما قلت فيك؟ قالت: وما قلت فيّ؟ فأنشدها:
أحنّ إذا رأيت جمال سعدىوأبكي إن رأيت لها قرينا
أسعدى إنّ أهلك قد أجدّوارحيلا فانظري ما تأمرينا
فقالت: آمرك بتقوى اللّه، وترك ما أنت عليه.
قال الزبير: وحدثني عبد اللّه بن مسلم، قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة بن أبي عتيق قوله:
أحنّ إذا رأيت جمال سعدى
قال: فركب ابن أبي عتيق فأتى سعدى بالجناب من أرض بني فزارة. فأنشدها قول عمر، وقال لها: ما تأمرين؟ فقالت: آمره بتقوى اللّه يا بن الصّدّيق.
قال الزّبير: وحدّثني طارق بن عبد الواحد، عن أبي عبيدة، عن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عوف المرّيّ، وهو يسير على بغلة، فقال لها: قفي أسمعك بعض ما قلت فيك؟ فوقفت، فقال:
ألا يا ليل إنّ شقاء نفسينوالك إن بخلت فنوّلينا
قال: فما بلغنا أنها ردّت عليه شيئا، ومضت.
وقد روى هذا الخبر إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن معن، فذكر أنّ ابن أبي عتيق إنما مضى إلى ليلى بنت الحارث بن عوف، فأنشدها هذا البيت، وهو الصحيح؛ لأنّ حلولها بالجنات من أرض فزارة أشبه بها منه بسعدى بنت عبد الرحمن بن عوف. ورواية الزّبير فيما أروى وهم لاختلاط الشعرين في سعدى وليلى.
أخبرني حرميّ، عن الزبير، عن محمّد بن سلّام، قال: كانت سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، فأرسلت إليه: إذا فرغت من طوافك، فائتنا، فأتاها، فقالت: ألا أراك يا بن أبي ربيعة إلّا سادرا في حرم اللّه! أما تخاف اللّه! ويحك إلى متى هذا السّفه! قال: أي هذه، دعي عنك هذا من القول. أما سمعت ما قلت فيك؟ قالت: لا، فما قلت؟ فأنشدها قوله:
صوت
قالت سعيدة والدموع ذوارفمنها على الخدّين والجلباب
ليت المغيريّ الذي لم أجزهفيما أطال تصيّدي وطلابي
كانت تردّ لنا المنى أيامناإذ لا نلام على هوى وتصابي
أسعيد ما ماء الفرات وطيبهمنّي على ظمأ وحبّ شراب
بألذّ منك وإن نأيت وقلّمايرعى النساء أمانة الغيّاب
عروضه من الكامل، غنّاه الهذليّ رملا بالوسطى، عن الهشاميّ، وغنّاه الغريض خفيف ثقيل بالوسطى، عن عمرو.
فقالت: أخزاك اللّه يا فاسق، ما علم اللّه أنّى قلت مما قلت حرفا، ولكنك إنسان بهوت.
وهذا الشعر تغنّي فيه:
قالت سكينة والدموع ذوارف
وفي موضع:
أسعيد ما ماء الفرات وبرده
أسكين. وإنما غيّره المغنّون: ولفظ عمر ما ذكر فيه في الخبر.
وقد أخبرني إسماعيل بن يونس، عن ابن شبّة، عن إسحاق، قال: غنّيت الرشيد يوما بقوله:
قالت سكينة والدموع ذوارفمنها على الخدّين والجلباب
فوضع القدح من يده وغضب غضبا شديدا، وقال: لعنه اللّه الفاسق، ولعنك معه. فسقط في يدي، وعرف ما بي، فسكن، ثم قال: ويحك! أتغنّيني بأحاديث الفاسق ابن أبي ربيعة في بنت عمّي، وبنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم! ألا تتحفّظ في غنائك وتدري ما يخرج من رأسك! عد إلى غنائك الآن، وانظر بين يديك. فتركت هذا الصوت حتى أنسيته، فما سمعه منّي أحد بعده. واللّه أعلم.
صوت
فلا زال قبر تبنى وجاسمعليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوذانا وعوفا منوّراسأتبعه من خير ما قال قائل
عروضه من الطويل، والشعر لحسّان بن ثابت الأنصاري. وهذا القبر الذي ذكره حسّان فيما يقال قبر الأيهم بن جبلة بن الأيهم الغسّانيّ. وقيل: إنه قبر الحارث بن مارية الجفني، وهو منهم أيضا. والغناء لعزّة الميلاء، خفيف ثقيل، أول بالوسطى، مما لا يشكّ فيه من غنائها. وقد نسبه قوم إلى ابن عائشة، وذلك خطأ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع