من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار كعب بن زهير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كعب بن زهير بن أبي سلمى المزنيّ، وقد تقدم خبر أبيه ونسبه. وأمّ كعب امرأة من بني عبد اللّه بن غطفان يقال لها كبشة بنت عمّار بن عدىّ بن سحيم، وهي أمّ سائر أولاد زهير.
وهو من المخضرمين، ومن فحول الشّعراء.
وسأله الحطيئة أن يقول شعرا يقدّم فيه نفسه، ثم يثنّي به بعده، ففعل.
أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلّام، وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قالا: أتى الحطيئة كعب بن زهير - وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير - فقال له: يا كعب، قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك! وقال أبو عبيدة في خبره: تبدأ بنفسك فيه وتثنّي بي؛ فإنّ الناس لأشعاركم أروى، وإليها أسرع، فقال كعب:
فمن للقوافي شانها من يحوكهاإذا ما ثوى كعب وفوّز جزول
يقول فلا تعيا بشيء يقولهومن قائليها من يسيء ويعمل
كفيتك لا تلقى من الناس واحداتنخّل منها مثل ما يتنخّل
يثقّفها حتى تلين متونهافيقصر عنها كلّ ما يتمثّل
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا علي بن الصباح، عن هشام، عن إسحاق بن الجصّاص، قال: قال زهير بيتا ونصفا ثم أكدى، فمرّ به النّابغة، فقال له: أبا أمامة، أجز، فقال: وما قلت؟ قال: قلت:
تزيد الأرض إمّا متّ خفّاوتحيا إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العرض منها.
أجز، قال: فأكدى واللّه النابغة، وأقبل كعب بن زهير، وإنه لغلام، فقال أبوه: أجز يا بنيّ، فقال: وما أجيز؟
فأنشده، فأجاز النصف بيت، فقال:
وتمنع جانبيها أن يزولا
فضمّه زهير إليه، وقال: أشهد أنك ابني.
وقال ابن الأعرابيّ: قال حماد الراوية: تحرّك كعب بن زهير وهو يتكلّم بالشعر، فكان زهير ينهاه مخافة أن يكون لم يستحكم شعره، فيروى له ما لا خير فيه، فكان يضربه في ذلك، فكلما ضربه يزيد فيه فغلبه، فطال عليه ذلك، فأخذه فحبسه، فقال: والذي أحلف به لا تتكلم ببيت شعر إلّا ضربتك ضربا ينكّلك عن ذلك. فمكث محبوسا عدّة أيام، ثم أخبر أنه يتكلّم به، فدعاه فضربه ضربا شديدا، ثم أطلقه وسرّحه في بهمه وهو غليّم صغير، فانطلق فرعى ثم راح عشيّة، وهو يرتجز:
كأنما أحدو ببهمي عيرامن القرى موقرة شعيرا
فخرج إليه زهير وهو غصبان، فدعا بناقته فكفلها بكسائه، ثم قعد عليها حتى انتهى إلى ابنه كعب، فأخذ بيده فأردفه خلفه، ثم خرج فضرب ناقته وهو يريد أن يبعث ابنه كعبا ويعلم ما عنده من الشعر، فقال زهير حين برز إلى الحيّ:
إني لتعديني على الحيّ جسرةتخبّ بوصّال صروم وتعنق
ثم ضرب كعبا، وقال له: أجز يا لكع، فقال كعب:
كبنيانة القرئيّ موضع رحلهاوآثار نسغيها من الدّفّ أبلق
فقال زهير:
على لاحب مثل المجرّة خلتهإذا ما علا نشزا من الأرض مهرق
منير هداه ليله كنهارهجميع، إذا يعلو الحزونة أفرق
قال: فتبدّى زهير في نعت النعام، وترك الإبل، يتعسّفه عمدا ليعلم ما عنده، قال:
وظلّ بوعساء الكثيب كأنّهخباء على صقبي بوان مروّق
صقبى عمودي، بوان: عمود من أعمدة البيت، فقال كعب:
تراخى به حبّ الضّحاء وقد رأىسماوة قشراء الوظيفين عوهق
فقال زهير:
تحنّ إلى مثل الحابير جثّملدى منتج من قيضها المتفلّق
الحبابير: جمع حبارى، وتجمع أيضا حباريات، فقال كعب:
تحطّم عنها قيضها عن خراطموعن حدق كالنّبخ لم يتفتّق
الخراطم ها هنا: المناقير، والنّبخ: الجدري، شبّه أعين ولد النعامة به.
قال: فأخذ زهير بيد ابنه كعب، ثم قال له: قد أذنت لك في الشّعر يا بنيّ.
فلما نزل كعب وانتهى إلى أهله - وهو صغير يومئذ - قال:
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبعبعرض أبيه في المعاشر ينفق
قال: وهي أوّل قصيدة قالها.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، قال: حدثني الحجاج بن ذي الرّقيبة بن عبد الرحمن بن مضرّب بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، عن أبيه، عن جدّه قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزّاف، فقال كعب لبجير: الحق الرجل، وأنا مقيم ها هنا، فانظر ما يقول لك.
فقدم بجير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فسمع منه وأسلم، وبلغ ذلك كعبا، فقال:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالةعلى أيّ شيء عويب غيرك دلّكا
على خلق لم تلف أمّا ولا أباعليه ولم تدرك عليه أخا لكا
سقاك أبو بكر بكأس رويّةفأنهلك المأمون منها وعلّكا
ويروى «المأمور». قال: فبلغت أبياته هذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأهدر دمه، وقال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.
فكتب إليه أخوه بجير بخبره، وقال له: انجه وما أراك بمفلت. وكتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويقول له: إنّ من شهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسوله قبل صلّى اللّه عليه وسلم منه، وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعب، وقال القصيدة التي اعتذر فيها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم:
بانت سعاد فقلبي اليوم مقبولمتيّم عندها لم يجز مكبول
قال: ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، وكان مجلسه من أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة ثم حلقة ثم حلقة، وهو وسطهم، فيقبل على هؤلاء يحدّثهم، ثم على هؤلاء، ثم على هؤلاء، فأقبل كعب حتى دخل المسجد فتخطّى حتى جلس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، الأمان. قال: ومن أنت؟ قال:
كعب بن زهير. قال: أنت الذي يقولكيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ إلى قوله:
سقاك أبو بكر بكأس رويّةوأنهلك المأمون منها وعلّكا
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: مأمون واللّه. ثم أنشده - يعني كعبا -:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
قال عمر بن شبّة: فحدثني الحزاميّ، قال: حدثني محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، وأخبرني بمثل ذلك أحمد بن الجعد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسّيبيّ، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، قال: أنشدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مسجده، فلما بلغ إلى قوله:
إنّ الرّسول لسيف يستضاء بهمهنّد من سيوف اللّه مسلول
في فتية من قريش قال قائلهمببطن مكة لمّا أسلموا: زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشفعند اللقاء ولا خور معازيل
أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير.
قال الحزاميّ: قال عليّ بن المديني: لم أسمع قطّ في خبر كعب بن زهير حديثا قطّ أتمّ ولا أحسن من هذا، ولا أبالي ألّا أسمع من خبره غير هذا.
قال أبو زيد عمر بن شبّة: ومما يروى من خبره أنّ زهيرا كان نظّارا متوقّيا، وأنه رأى في منامه آتيا أتاه، فحمله إلى المساء حتى كاد يمسّها بيده، ثم تركه فهوى إلى الأرض، فلما احتضر قصّ رؤياه على ولده، وقال: إني لا أشكّ أنه كائن من خبر السّماء بعدي شيء، فإن كان فتمسّكوا به وسارعوا إليه.
فلما بعث النبيّ عليه السّلام خرج إليه بجير بن زهير فأسلم، ثم رجع إلى بلاد قومه، فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتاه بجير بالمدينة - وكان من خيار المسلمين - وشهد يوم الفتح مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، ويوم خيبر ويوم حنين وقال في ذلك:
صبحناهم بألف من سليموألف من بني عثمان واف
فرحنا والجياد تجول فيهمبأرماح مثقّفة خفاف
وفي أكتافهم طعن وضربورشق بالمريّشة اللّطاف
ثم ذكر خبره وخبر أخيه كعب مثل ما ذكر الحزاميّ، وزاد في الأبيات التي كتب بها كعب إليه:
فخالفت أسباب الهدى وتبعتهفهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا؟
ثم قال في خبره أيضا: إن كعبا نزل برجل من جهينة، فلما أصبح أتى النبيّ عليه السّلام، فقال: يا رسول اللّه، أرأيت إن أتيتك بكعب بن زهير مسلما أتؤمّنه؟ قال: نعم، قال: فأنا كعب بن زهير، فتواثبت الأنصار تقول: يا رسول اللّه، ائذن لنا فيه. فقال: وكيف، وقد أتاني مسلما! وكفّ عنه المهاجرون ولم يقولوا شيئا، فأنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قصيدته:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
حتى انتهى إلى قوله:
لا يقع الطّعن إلّا في نحورهموما بهم عن حياض الموت تهليل
هكذا في رواية عمر بن شبة، ورواية غيره: «تعليل».
فعند ذلك أومأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الحلق حوله أن تسمع منه. قال: وعرّض بالأنصار في قصيدته في عدّة مواضع، منها قوله:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاوما مواعيدها إلّا الأباطيل
وعرقوب: رجل من الأوس.
فلما سمع المهاجرون بذلك قالوا: ما مدحنا من هجا الأنصار، فأنكروا قوله، وعوتب على ذلك فقال:
من سرّه كرم الحياة فلا يزلفي مقنب من صالحي الأنصار
الباذلين نفوسهم لنبيّهمعند الهياج وسطوة الجبّار
والناظرين بأعين محمّرةكالجمر غير كليلة الإبصار
والضّاربين الناس عن أديانهمبالمشرفيّ وبالقنا الخطّار
يتطهّرون يرونه نسكا لهمبدماء من علقوا من الكفّار
صدموا الكتيبة يوم بدر صدمةذلّت لوقعتها رقاب نزار
قال أبو زيد: الذي عناه كعب رجل من الأوس كان وعد رجلا ثمر نخلة، فلما أطلعت أتاه فقال: دعها حتى تلقح، فلما لقحت قال: دعها حتى تزهي، فلما أزهت أتاه فقال: دعها حتى ترطب، ثم أتاه فقال: دعها حتى تتمر، فلما أتمرت عدا عليها ليلا فجدّها، فضرب به في الخلف المثل، وذلك قول الشماخ:
وواعدني ما لا أحاول نفعهمواعيد عرقوب أخاه بيترب
وقال المتلمّس لعمرو بن هند:
من كان خلف الوعد شيمتهوالغدر عرقوب له مثل
وما قالته الشعراء في ذكر عرقوب يكثر.
قال إبراهيم بن المنذر: حدّثني معن بن عيسى، قال: حدثني الأوقص محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: حدثني عليّ بن زيد أنّ كعب بن زهير أنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه القصيدة في المسجد الحرام، لا في مسجد المدينة.
قال إبراهيم: حدثني محمد بن الضّحّاك بن عثمان عن أبيه، قال: عنى كعب بن زهير بقوله:
في فتية من قريش قال قائلهم
عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
صوت
أبيني أفي يمنى يديك جعلتنيفأفرح أم صيّرتني في شمالك
أبيت كأنّي بين شقّين من عصاحذار الرّدى أو خيفة من زيالك
تعاللت كي أشجى وما بك علّةتريدين قتلي، قد ظفرت بذلك
عروضه من الطويل، الشعر لابن الدّمينة بعضه، وبعضه ألحقه المغنّون به، وهو لغيره. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى، وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع