تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أخبار أبي دواد الإياديّ ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو فيما ذكر يعقوب بن السكّيت: جارية بن الحجّاج. وكان الحجاج يلقب حمران بن بحر بن عصام بن منبه بن حذاقة بن زهير بن إياد بن نزار بن معدّ. وقال ابن حبيب هو جارية بن الحجّاج أحد بني برد بن دعميّ بن إياد بن نزار. شاعر قديم من شعراء الجاهلية، وكان وصافا للخيل، وأكثر أشعاره في وصفها، وله في غير وصفها تصرّف بين مدح وفخر وغير ذلك، إلا أن شعره في وصف الفرس أكثر.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: حدّثني الهيثم بن عديّ وابن الكلبيّ، عن أبيه، والشّرقيّ: أن أبا دواد الإياديّ مدح الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن لأبي دواد وهو في جواره فوداه، فمدحه أبو دواد، فحلف له الحارث أنه لا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فضربت العرب المثل بجار أبي دواد، وفيه يقول قيس بن زهير:

أطوّف ما أطوّف ثم آويإلى جار كجار أبي دواد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»

هذه رواية هؤلاء؛ وأبو عبيدة يخالف ذلك.

أخبرني ابن دريد قال: أخبرني أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: جاور أبو دواد الإيادي كعب بن مامة الإيادي، فكان إذا هلك له بعير أو شاة أخلفها، وفيه يقول طرفة يمدح عمرو بن هند:

جار كجار الحذاقيّ الذي انتصفا

وكان لأبي دواد ابن يقال له دواد شاعر، وهو الذي يقول يرثي أباه:

فبات فينا وأمسى تحت هائرةما بعد يومك من ممسى وإصباح
لا يدفع السّقم إلا أن نفدّيهولو ملكنا مسكنا السّقم بالراح

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني عليّ بن الصباح قال: أخبرنا أبو المنذر، عن أبيه قال: تزوج أبو دواد امرأة من قومه، فولدت له دوادا ثم ماتت، ثم تزوج أخرى، فأولعت بدواد، وأمرت أباه أن يجفوه ويبعده، وكان يحبها، فلما أكثرت عليه قالت: أخرجه عني، فخرج به وقد أردفه خلفه، إلى أن انتهى إلى أرض جرداء ليس فيها شيء، فألقى سوطه متعمدا، وقال: أي دواد، انزل فناولني سوطي. فنزل، فدفع بعيره وناداه:

أدواد إن الأمر أصبح ما ترىفانظر دواد لأي أرض تعمد؟
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

فقال له دواد: على رسلك. فوقف له فناداه:

وبأي ظنك أن أقيم ببلدةجرداء ليس بغيرها متلدّد

فرجع إليه وقال له: أنت واللّه ابني حقا، ثم رده إلى منزله، وطلق امرأته.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن أبي عمرو الشيبانيّ قال: كانت لأبي دواد امرأة يقال لها أم حبتر، وفيها يقول:

في ثلاثين ذعذعتها حقوقأصبحت أم حبتر تشكوني
زعمت لي بأنني أفسد المال وأزويه عن قضاء ديوني
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
أمّلت أن أكون عبد الماليوتهنّا بنافع المال دوني

وهي طويلة: قال: ولها يقول وقد عاتبته على سماحته بماله فلم يعتبها، فصرمته:

حاولت حين صرمتنيوالمرء يعجز لا محاله
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
والدهر يلعب بالفتىوالدهر أروغ من ثعاله
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
والمرء يكسب مالهوالشّحّ يورثه الكلاله
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
والعبد يقرع بالعصاوالحرّ تكفيه المقاله
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
والسّكت خير للفتىفالحين من بعض المقاله
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال: حدثني أبي عن إسحاق، عن الأصمعيّ قال: ثلاثة كانوا يصفون الخيل، لا يقاربهم أحد: طفيل، وأبو دواد، والجعديّ. فأما أبو دواد فإنه كان على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر. وأما طفيل فإنه كان يركبها وهو أغرل إلى أن كبر. وأما الجعديّ فإنه سمع ذكرها من أشعار الشعراء، فأخذ عنهم.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: دواد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام، وبعده طفيل الغنويّ والنابغة الجعديّ.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، عن ابن الأعرابيّ قال: لم يصف أحد قطّ الخيل إلا احتاج إلى أبي دواد، ولا وصف الخمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر، ولا وصف أحد نعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني.

أخبرني عمي قال: حدّثني جعفر بن محمد العاصميّ قال: حدّثنا عيينة بن المنهال قال: حدّثنا شدّاد بن عبيد اللّه قال: حدّثني عبيد اللّه بن الحرّ العنزيّ القاضي، عن أبي عرادة قال: كان عليّ صلوات اللّه عليه يفطر الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء تكلم، فأقلّ وأوجز، فأبلغ.

فاختصم الناس ليلة حتى ارتفعت أصواتهم في أشعر الناس، فقال عليّ عليه السّلام لأبي الأسود الدّؤلي: قل يا أبا الأسود. فقال أبو الأسود، وكان يتعصب لأبي دواد الإياديّ: أشعرهم الذي يقول:

ولقد أغتدي يدافع ركنيأحوذيّ ذو ميعة إضريج
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
مخلط مزيل مكرّ مفرّمنفح مطرح سبوح خروج
سلهب شرجب كأنّ رماحاحملته وفي السّراة دموج
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وكان لأبي الأسود رأي في أبي دواد، فأقبل عليّ على الناس، فقال: كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد، وغاية واحدة، ومذهب واحد في القول، لعلمنا أيّهم أسبق إلى ذلك، وكلهم قد أصاب الذي أراد، وأحسن فيه، وإن يكن أحد فضلهم، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة امرؤ القيس بن حجر، فإنه كان أصحهم بادرة، وأجودهم نادرة.

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى، عن أبيه، عن إسحاق، عن الأصمعيّ قال: كانت الرواة لا تروي شعر أبي دواد ولا عديّ بن زيد، لمخالفتهما مذاهب الشعراء، قال: وكان أبو دواد على خيل المنذر بن ماء السماء، فأكثر وصفه للخيل.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني ابن أبي الهيذام قال: اسم أبي دواد الإيادي جويرية بن الحجاج. وكانت له ناقة يقال لها الزّبّاء، فكانت بنو إياد يتبركون بها. فلما أصابتهم السنة تفرّقوا ثلاث فرق، فرقة سلكت في البحر فهلكت، وفرقة قصدت اليمن فسلمت، وفرقة قصدت أرض بكر بن وائل، فنزلوا على الحارث بن همّام.

وكان السبب في ذلك أنهم أرسلوا الزّباء، وقالوا إنها ناقة ميمونة، فخلوها، فحيث توجهت فاتبعوها. وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا نجعة. فخرجت تخوض العرب، حتى بركت بفناء الحارث بن همّام، وكان أكرم الناس جوارا، وهو جار أبي دواد المضروب به المثل. فقال أبو دواد يمدح الحارث، ويذكر ناقته الزّباء:

فإلى ابن همّام بن مرّة أصعدتظعن الخليط بهم فقلّ زيالها
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
أنعمت نعمة ماجد ذي منةنصبت عليه من العلا أظلالها
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
وجعلنا دون الوليّ فأصبحتزباء منقطعا إليك عقالها

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثنا يحيى بن سعيد قال: كانت إياد تفخر على العرب، تقول: منا أجود الناس كعب بن مامة، ومنا أشعر الناس أبو دواد، ومنا أنكح الناس ابن ألغز.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال: حدّثني القحذميّ قال: كان ابن ألغز أيّرا، فكان إذا أنعظ احتكت الفصال بأيره، قال: وكان في إياد امرأة تستصغر أيور الرجال، فجامعها ابن ألغز، فقالت: يا معشر إياد، أبالرّكب تجامعون النساء؟ قال: فضرب بيده على أليتها وقال: ما هذا؟

فقالت وهي لا تعقل ما تقول: هذا القمر. فضرب العرب بها المثل: «أريها استها وتريني القمر». وأنشد وقد كان الحجاج منع من لحوم البقر خوفا من قلّة العمارة في السواد، فقيل فيه:

شكونا إليه خراب السوادفحرّم فينا لحوم البقر
فكنا كمن قال من قبلناأريها استها وتريني القمر

أخبرني عمي عن الكراني، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ بنحوه.

وأخبرني عمي قال: حدّثنا محمد بن سعد الكراني قال: حدّثني العمريّ عن لقيط قال: أخبرني التّوزي عن أبي عبيدة قال: كان الحطيئة عند سعيد بن العاص ليلة، فتذاكروا الشعراء، وفضوا بعضهم على بعض وهو ساكت، فقال له: يا أبا مليكة ما تقول؟ فقال: ما ذكرتم واللّه أشعر الشعراء، ولا أنشدتم أجود الشعر. فقالوا: فمن أشعر الناس؟ فقال الذي يقول:

لا أعدّ الإقتار عدما ولكنفقد من قد رزئته الإعدام
للشاعر ابو دُاود الإيادي، من قصيدة «منع النوم ماوي التهمام»

والشعر لأبي دواد الإياديّ. قالوا: ثم من؟ قال: ثم عبيد بن الأبرص. قالوا: ثم من؟ قال: كفاكم واللّه بي إذا أخذتني رغبة أو رهبة، ثم عويت في إثر القوافي عواء الفصيل في إثر أمّه.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أخي الأصمعيّ، قال: حدّثني عمي، وأخبرنا أبو حاتم قال: أخبرنا الأصمعيّ، عن أبي عمرو بن العلاء، عن هجّاس بن مرير الإيادي، عن أبيه، وكان قد أدرك الجاهلية، قال: بينا أبو دواد وزوجته وابنه وابنته على ربوة، وإياد إذ ذاك بالسواد، إذ خرج ثور من أجمة، فقال أبو دواد: وبدت له أذن توجّس حرّة وأحمّ وارد

وقوائم عوج لهامن خلفها زمع زوائد

كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد ثم قال: أنفذي يا أمّ دواد، فقالت: وبدت له أذن توجّس حرّة وأحمّ مولق

وقوائم عوج لهامن خلفها زمع معلّق

كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم تألّق ثم قال: أنفذ يا دواد. فقال: وبدت له أذن توجس حرّة وأحمّ مرهف

وقوائم عوج لهامن خلفها زمع ملفّف

كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم تلقّف ثم قال: أنفذي يا دوادة. قالت: وما أقول مع من أخطأ. قالوا: ومن أين أخطأناه؟ قالت: جعلتم له قرنا واحدا، وله قرنان. قالوا: فقولي. قالت: وبدت له أذن توجّس حرّة وأحمّتان

وقوائم عوج لهامن خلفها زمع ثمان

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرني عمي عن العباس بن هشام، عن أبيه قال: كان أبو دواد الإياديّ الشاعر جارا للمنذر بن ماء السماء. وإن أبا دواد نازع رجلا بالحيرة من بهراء، يقال له رقبة بن عامر بن كعب بن عمرو، فقال له رقبة: صالحني وحالفني. فقال أبو دواد: فمن أين تعيش إياد إذا، فو اللّه لو لا ما تصيب من بهراء لهلكت، وانصرفا على تلك الحال.

ثم إن أبا دواد أخرج بنين له ثلاثة في تجارة إلى الشام، فبلغ ذلك رقبة البهراني، فبعث إلى قومه فأخبرهم بما قاله له أبو دواد عند المنذر، وأخبرهم أن القوم ولد أبي دواد، فخرجوا إلى الشام، فلقوهم فقتلوهم. وبعثوا برؤوسهم إلى رقبة، فلما أتته الرؤوس صنع طعاما كثيرا، ثم أتى المنذر، فقال له: قد اصطنعت لك طعاما كثيرا، فأنا أحب أن تتغدّى عندي، فأتاه المنذر وأبو دواد معه، فبينا الجفان ترفع وتوضع، إذ جاءته جفنة عليها بعض رؤوس بني أبي دواد، فوثب وقال: أبيت اللعن! إني جارك، وقد ترى ما صنع بي، وكان رقبة أيضا جارا للمنذر.

فوقع المنذر منهما في سوءة، وأمر برقبة فحبس، وقال لأبي دواد: أما يرضيك توجيهي بكتيبتيّ الشهباء والدّوسر إليهم؟ قال: بلى. قال: قد فعلت. فوجه إليهم بالكتيبتين.

فلما بلغ ذلك رقبة قال لامرأته: ويحك! الحقي بقومك فأنذريهم. فعمدت إلى بعض إبل زوجها فركبته، ثم خرجت حتى أتت قومها، فلما قربت منهم تعرت من ثيابها، وصاحت وقالت: أنا النذير العريان. فأرسلتها مثلا.

فعرف القوم ما تريد، فصعدوا إلى أعالي الشأم، وأقبلت الكتيبتان فلم تصيبا منهم أحدا، فقال المنذر لأبي دواد: قد رأيت ما كان منهم، وأنا أدي كل ابن لك بمئتي بعير، فأمر له بستّ مئة بعير، فرضي بذلك، فقال فيه قيس بن زهير العبسيّ:

سأفعل ما بدا لي ثم آويإلى جار كجار أبي دواد

صوت

وركب كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل داج غياهبه
لأمر عليهم أن تتمّ صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

الشعر لأبي تمام الطائي. والغناء للقاسم بن زرزور، ثاني ثقيل بالوسطى في مجرى البنصر. وفيه لجعفر بن رفعة خفيف ثقيل.

أخبرني: إبراهيم بن القاسم بن زرزور عن أبيه، وحدثني المظفر بن كيغلغ عن القاسم أيضا: أن المكتفي باللّه أخرج إليهم هذين البيتين بالرقة في رقعة، وهو أمير، وأمر أن يصنع فيهما لحن. فصنع القاسم هذا اللحن، وصنع جعفر خفيف الثقيل.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»