من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمد بن صالح العلويّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن صالح بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب. ويكنى أبا عبد اللّه، شاعر حجازيّ ظريف، صالح الشعر، من شعراء أهل بيته المتقدّمين. وكان جدّه موسى بن عبد اللّه أخا محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن حسن الحجازيين الخارجين في أيام المنصور، أمهم جميعا هند بنت أبي عبيدة.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء الطوسيّ قالا: حدّثنا الزّبير بن بكار، وأخبرني أحمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلويّ. قال: حدّثني الزبير بن بكار: أن هندا حملت بموسى بن عبد اللّه ولها ستون سنة. قال: ولا تحمل لستين إلا قرشية، ولا تحمل لخمسين إلا عربية. قال: وكان موسى آدم شديد الأدمة، وله تقول أمه هند:
إنك أن تكون جونا أنزعاأجدر أن تضرّهم وتنفعا
وتسلك العيش طريقا مهيعافردا من الأصحاب أو مشيّعا
وكان موسى استتر بعد قتل أخويه زمانا، ثم ظفر به أبو جعفر، فضربه بالسوط، وحبسه مدّة، ثم عفا عنه وأطلقه.
وله أخبار كثيرة ليس هذا موضعها.
وكان محمد بن صالح خرج على المتوكل مع من بيّض في تلك السنة، فظفر به وبجماعة من أهل بيته أبو الساج، فأخذهم وقيّدهم، وقتل بعضهم، وأخرب سويقة، وهي منزل للحسنيّين، ومن جملة صدقات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، وقعر بها نخلا كثيرا، وحرّق منازل لهم بها، وأثر فيهم وفيها آثارا قبيحة، وحمل محمد بن صالح فيمن حمل منهم إلى سرّ من رأى، فحبس ثلاث سنين، ثم مدح المتوكل، فأنشده الفتح قصيدته بعد أن غنّي في شعره المذكور، فطرب، وسأل عن قائله فعرفه، وتلا ذلك إنشاد الفتح قصيدته، فأمر بإطلاقه.
وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال: أنكر موسى بن عبد اللّه بن موسى على ابن أخيه محمد بن صالح بن عبد اللّه بن موسى، بعض ما ينكره العمومة على بني أخيهم، في شيء من أمور السلطان، وكان محمد بن صالح قد خرج بسويقة، فصار أبو الساج إلى سويقة، فأسلمه عمه موسى وبنوه بعد أن أعطاه أبو الساج الأمان، فطرح سلاحه، ونزل إليه فقيده، وحمله إلى سرّ
من رأى، فلم يزل محبوسا بها ثلاث سنين، ثم أطلق، وأقام بها إلى أن مات. وكان سبب موته أنه جدر، فمات في الجدريّ، وهو الذي يقول في الحبس:
طرب الفؤاد وعاودت أحزانهوتشعبت شعبا به أشجانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألّق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرّداء ودونهصعب الذّرا متمنع أركانه
فدنا لينظر كيف لاح فلم يطقنظرا إليه ورده سجّانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعهوالماء ما سحّت به أجفانه
ثم استعاذ من القبيح وردّهنحو العزاء عن الصّبا إيقانه
وبدا له أن الذي قد نالهما كان قدّره له ديّانه
حتى اطمأن ضميره وكأنماهتك العلائق عامل وسنانه
يا قلب لا يذهب بحلمك باخلبالنّيل باذل تافه منّانه
يعد القضاء وليس ينجز موعداويكون قبل قضائه ليّانه
خدل الشّوى حسن القوام مخصّرعذب لماه طيّب أردانه
واقنع بما قسم الإله فأمرهما لا يزال على الفتى إتيانه
والبؤس ماض ما يدوم كما مضىعصر النعيم وزال عنك أوانه
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: كنت مع أبي عبد اللّه محمد بن صالح في منزل بعض إخواننا، فأقمنا إلى أن انتصف الليل، وأنا أرى أنه يبيت، فإذا هو قد قام، فتقلد سيفه، وخرج، فأشفقت عليه من خروجه في ذلك الوقت، وسألته المقام والمبيت، وأعلمته خوفي عليه، فالتفت إليّ مبتسما وقال:
إذا ما اشتملت السيف والليل لم أهللشيء ولم تقرع فؤادي القوارع
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: مرّ محمد بن صالح بقبر لبعض ولد المتوكل، فرأى الجواري يلطمن عنده، فأنشدني لنفسه:
رأيت بسامرّا صبيحة جمعةعيونا يروق الناظرين فتورها
تزور العظام الباليات لدى الثّرىتجاوز عن تلك العظام غفورها
فلولا قضاء اللّه أن تعمر الثرىإلى أن ينادى يوم ينفخ صورها
لقلت عساها أن تعيش وأنهاستنشر من جرّا عيون تزورها
أسيلات مجرى الدمع إمّا تهلّلتشئون المآقي ثم سحّ مطيرها
بوبل كأتوام الجمان يفيضهعلى نحرها أنفاسها وزفيرها
فيا رحمة ما قد رحمت بواكياثقالا تواليها لطافا خصورها
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: جاءني محمد بن صالح الحسنيّ، فسألني أن أخطب عليه بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحرّيّ، أو أخته حمدونة. ففعلت ذلك، وصرت إلى عيسى، فسألته أن يجيبه، فأبى، وقال لي: لا أكذبك، واللّه ما أرده لأني لا أعرف أشرف وأشهر منه لمن يصاهره، ولكني أخاف المتوكل وولده بعده على نعمتي ونفسي، فرجعت إليه، فأخبرته بذلك، فأضرب عن ذلك مدّة، ثم عاودني بعد ذلك، وسألني معاودته، فعاودته ورفقت به، حتى أجاب، فزوّجه أخته، فأنشدني بعد ذلك محمد:
خطبت إلى عيسى بن موسى فردّنيفللّه وإلى حرّة وعليقها
لقد ردني عيسى ويعلم أننيسليل بنات المصطفى وعريقها
وإن لنا بعد الولادة نبعةنبيّ الإله صنوها وشقيقها
فلما ابى بخلا بها وتمنّعاوصيّرني ذا خلّة لا يطيقها
تداركني المرء الذي لم يزل لهمن المكرمات رحبها وطليقها
سميّ خليل اللّه وابن وليهوحمّال أعباء العلا وطريقتها
وزوّجها والمنّ عندي لغيرهفيابيعة وفّتني الربح سوقها
ويا نعمة لابن المدبّر عندنايجدّ على كر الزمان أنيقها
قال ابن مهرويه: قال لي إبراهيم بن المدبر:
فلما نقلت حمدونة إليه شغف بها، وكانت امرأة جميلة عاقلة، فأنشدني لنفسه فيها:
لعمر حمدونة إنّي بهالمغرم القلب طويل السّقام
مجاوز للقدر في حبّهامباين فيها لأهل الملام
مطّرح للعذل ماض علىمخافة النفس وهول المقام
مشايعي قلب يخاف الخناوصارم يقطع صمّ العظام
جشّمني ذلك وجدي بهاوفضلها بين النساء الوسام
ممكورة الساق ردينيّةمع الشّوى الخدل وحسن القوام
صامتة الحجل خفوق الحشامائرة الساق ثقال القيام
ساجية الطّرف نئوم الضّحىمنيرة الوجه كبرق الغمام
زينها اللّه وما شانهاوأعطيت منيتها من تمام
تلك التي لولا غرامي بهاكنت بسامرّا قليل المقام
هكذا روى ابن مهرويه عن ابن المدبّر، في خبر محمد بن صالح وتزويجه حمدونة.
وحدّثني عمي عن أبي جعفر بن الدّهقانة النديم قال: حدثني إبراهيم بن المدبّر قال: جاءني يوما محمد بت صالح الحسني العلويّ بعد أن أطلق من الحبس، فقال لي: إني أريد المقام عندك اليوم على خلوة، لأبثك من أمري شيئا لا يصلح أن يسمعه غيرنا. فقلت: أفعل. فصرفت من كان بحضرتي، وخلوت معه، وأمرت برد دابّته، وأخذ ثيابه؛ فلما اطمأن وأكلنا واضطجعنا، قال لي: أعلمك أني خرجت في سنة كذا وكذا ومعي أصحابي على القافلة الفلانية، فقاتلنا من كان فيها، فهزمناهم وملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها وأنيخ الجمال، إذ طلعت عليّ امرأة من العماريّة، ما رأيت قط أحسن منها وجها، ولا أحلى منطقا، فقالت: يا فتى، إن رأيت أن تدعو لي بالشريف المتولّي أمر هذا الجيش، فقلت: وقد رأيته وسمع كلامك. فقالت: سألتك بحق اللّه وحق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنت هو؟ فقلت: نعم وحق اللّه وحق رسوله إني لهو. فقالت: أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحرّي، ولأبي محلّ من سلطانه، ولنا نعمة، إن كنت ممن سمع بها فقد كفاك ما سمعت، وإن كنت لم تسمع بها فسل عنها غيري، وو اللّه لا استأثرت عنك بشيء أملكه، ولك بذلك عهد اللّه وميثاقه عليّ، وما أسألك إلا أن تصونني وتسترني، وهذه ألف دينار معي لنفقتي، فخذها حلالا، وهذا حلي عليّ من خمس مئة دينار، فخذه وضمّنّي ما شئت بعده، آخذه لك من تجار المدينة أو مكة أو أهل الموسم، فليس منهم أحد يمنعني شيئا أطلبه، وادفع عني، واحمني من أصحابك، ومن عار يلحقني. فوقع قولها من قلبي موقعا عظيما؛ فقلت لها: قد وهب اللّه لك مالك وجاهك وحالك، ووهب لك القافلة بجميع ما فيها. ثم خرجت فناديت في أصحابي، فاجتمعوا، فناديت فيهم: إني قد أجرت هذه القافلة وأهلها، وخفرتها وحميتها، ولها ذمة اللّه وذمة رسوله وذمتي، فمن أخذ منها خيطا أو عقالا فقد آذنته بحرب. فانصرفوا معي، وانصرفت.
فلما أخذت وحبست، بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السّجّان وقال لي: إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك، وقد حظر عليّ أن يدخل عليك أحد، إلا أنهما أعطتاني دملج ذهب، وجعلتاه لي إن أو صلتهما إليك، وقد أذنت لهما، وهما في الدهليز، فاخرج إليهما إن شئت. ففكرت فيمن يجيئني في هذا البلد وأنا به غريب، لا أعرف أحدا، ثم قلت: لعلهما من ولد أبي أو بعض نساء أهلي، فخرجت إليهما، فإذا بصاحبتي، فلما رأتني بكت لما رأت من تغير خلقي، وثقل حديدي، فأقبلت عليها الأخرى فقالت: أهو هو؟ فقالت: إي واللّه، إنه لهو هو، ثم أقبلت عليّ فقالت: فداك أبي وأمي، واللّه لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي وأهلي لفعلت، وكنت بذلك مني حقيقا، وو اللّه لا تركت المعاونة لك، والسعي في حاجتك، وخلاصك بكل حيلة ومال وشفاعة، وهذه دنانير وثياب وطيب، فاستعن بها على موضعك، ورسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك، حتى يفرّج اللّه عنك. ثم أخرجت إلي كسوة وطيبا ومائتي دينار، وكان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف، وتواصل برّها بالسّجّان، فلا يمتنع من كل شيء أريده.
فمنّ اللّه بخلاصي، ثم راسلتها فخطبتها، فقالت: أما من جهتي فأنا لك متابعة مطيعة، والأمر إلى أبي، فأتيته، فخطبتها إليه، فردني، وقال: ما كنت لاحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها، وقد صيرتها فضيحة، فقمت من عنده منكّسا مستحيا، وقلت له في ذلك:
رموني وإياها بشنعاء هم بهاأحقّ أدال اللّه منهم فعجّلا
بأمر تركناه وربّ محمدعيانا فإما عفّة أو تجمّلا
فقلت له: إن عيسى صنيعة أخي، وهو لي مطيع، وأنا أكفيك أمره.
فلما كان من الغد لقيت عيسى في منزله، وقلت له: قد جئتك في جاجة لي؛ فقال: مقضية، ولو كنت استعملت ما أحبه لأمرتني فجئتك، وكان أسرّ إليّ. فقلت له: قد جئتك خاطبا إليك ابنتك. فقال: هي لك أمة، وأنا لك عبد، وقد أجبتك. فقلت: إني خطبتها على من هو خير مني أبا وأما، وأشرف لك صهرا ومتّصلا، محمد بن صالح العلويّ. فقال لي: يا سيدي، هذا رجل قد لحقتنا بسببه ظنة، وقيلت فينا أقوال. فقلت: أفليست باطلة؟ قال: بلى، والحمد للّه. قلت: فكأنها لم تقل، وإذا وقع النكاح زال كل قول وتشنيع، ولم أزل أرفق به حتى أجاب، وبعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته، وما برحت حتى زوجته، وسقت الصّداق عنه.
قال أبو الفرج الأصبهاني: وقد مدح محمد بن صالح إبراهيم بن المدبّر مدائح كثيرة، لما أولاه من هذا الفعل، ولصداقة كانت بينهما، فمن جيد ما قاله فيه قوله:
أتخبر عنهم الدّمن الدّثوروقد ينبي إذا سئل الخبير
وكيف تبيّن الأنباء دارتعاقبها الشمائل والدّبور
يقول فيها في مدحه:
فهلّا في الذي أولاك عرفاتسدّي من مقالك ما تنير
ثناء غير مختلق ومدحامع الركبان ينجد أو يغور
أخ واساك في كلب اللياليوقد خذل الأقارب والنصير
حفاظا حين أسلمك المواليوضنّ بنفسه الرجل الصبور
فإن تشكر فقد أولى جميلاوإن تكفر فإنك للكفور
وما في آل خاقان اعتصامإذا ما عمّم الخطب الكبير
لئام الناس إثراء وفقراوأعجزهم إذا حمى القتير
قويم لا يزوّجهم كريمولا تسنى لنسوتهم مهور
وإنما ذكر آل خاقان ههنا لأن عبيد اللّه بن يحيى قصّر به وتحامل عليه، وكان يقول ما يكره، ويؤكّد ما يوجب حبسه، وكان فيه وفي ولده نصب شديد.
ولمحمد بن صالح في آل المدبّر مدائح كثيرة، لا معنى لذكرها في هذا الكتاب.
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدثني عبد اللّه بن طالب الكاتب قال: كان محمد بن صالح العلويّ حلو اللسان، ظريفا أديبا، فكان بسرّ من رأى مخالطا لسراة الناس، ووجوه أهل البلد، وكان لا يكاد يفارق سعيد بن حميد، وكانا يتقارضان الأشعار، ويتكاتبان بها. وفي سعيد يقول محمد بن صالح العلويّ:
أصاحب من صاحبت ثمّت أنثنيإليك أبا عثمان عطشان صاديا
أبى القلب أن يروى بهم وهو حائمإليك وإن كانوا الفروع العواليا
ولكن إذا جئناك لم نبغ مشرباسواك وروّينا العظام الصّواديا
قال عبد اللّه بن طالب: وكان بعض بني هاشم دعاه، فمضى إليه، وكتب سعيد إليه يسأله المصير إليه، فأخبر بموضعه عند الهاشميّ، فلما عاد عرف خبر سعيد وإرساله إليه، فكتب إليه بهذه الأبيات.
قال عبد اللّه: وشرب يوما هو وسعيد بن حميد، فسكر محمد بن صالح قبله، فقام لينصرف، والتفت إلى سعيد وقال له:
لعمرك إنني لما افترقناأخو ضنّ بخلصاني سعيد
تبقّته المدام وأزعجتنيإلى رحلي بتعجيل الورود
قال: وتوفى محمد بن صالح بسرّ من رأى، وكان يجهد في أن يؤذن له في الرجوع إلى الحجاز، فلا يجاب إلى ذلك، فقال سعيد يرثيه:
بأيّ يد أسطو على الدهر بعد ماأبان يدي عضب الذّنابين قاضب
وهاض جناحي حادث جلّ خطبهوسدّت عن الصبر الجميل المذاهب
ومن عادة الأيام أنّ صروفهاإذ سرّ منها جانب ساء جانب
لعمري لقد غال التجلد أننافقد ناك فقد الغيث والعام جادب
فما أعرف الأيام إلا ذميمةولا الدهر إلا وهو بالثأر طالب
ولا لي من الإخوان إلا مكاشرفوجه له راض ووجه مغاضب
فقدت فتى قد كان للأرض زينةكما زيّنت وجه السماء الكواكب
لعمري لئن كان الردى بك فاتنيوكلّ أمرىء يوما إلى اللّه ذاهب
لقد أخذت مني النوائب حكمهافما تركت حقا عليّ النوائب
ولا تركتني أرهب الدهر بعدهلقد كلّ عني نابه والمخالب
سقى جدثا أمسى الكريم ابن صالحيحلّ به، دان من المزن ساكب
إذا بشّر الرّواد بالغيث برقهمرته الصّبا واستحلبته الجنائب
فغادر باقي الدهر تأثير صوبهربيعا زهت منه الرّبا والمذانب
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدّثني المبرّد قال: لم يزل محمد بن صالح محبوسا حتى توصل بنان له، بأن غنّى بين يدي المتوكل في شعره:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألق موهنا لمعانه
فاستحسن المتوكل الشعر واللحن، وسأل عن قائله، فأخبر به، وكلّم في أمره، وأحسنت الجماعة رفده، وقام الفتح بأمره قياما تاما. فأمر بإطلاقه من حبسه، على أن يكون عند الفتح وفي يده، حتى يقيم كفيلا بنفسه ألّا يبرح من سرّ من رأى، فأطلق، وأخذ عليه الفتح الأيمان الموّثقة ألا يبرح من سرّ من رأى إلا بإذنه، ثم أطلقه.
ولمحمد بن صالح في المتوكل والمنتصر مدائح جياد كثيرة، منها قوله في المتوكل:
ألف التّقى ووفى بنذر الناذروأبى الوقوف على المحل الداثر
ولقد تهيج له الديار صبابةحينا وتكلف بالخليط السائر
فرأى الهداية أن أناب وأنهقصر المديح على الإمام العاشر
يابن الخلائف والذين بهديهمظهر الوفاء وبان غدر الغادر
وابن الذين حووا تراث محمددون الأقارب بالنصيب الوافر
نطق الكتاب لكم بذاك مصدّقاومضت به سنن النبيّ الطاهر
ووصلت أسباب الخلافة بالهدىإذ نلتها وأنمت عين الساهر
أحييت سنة من مضى فتجدّدتوأبنت بدعة ذي الضلال الخاسر
فافخر بنفسك أو بجدّك معلناأودع فقد جاوزت فخر الفاخر
ما للمكارم غيركم من أولبعد النبيّ وما لها من آخر
إني دعوتك فاستجبت لدعوتيوالموت مني قيد شبر الشابر
فانتشتني من قعر موردة الردىأمنا ولم تسمع مقالة زاجر
وفككت أسري والبلاء موكّلوجبرت كسرا ما له من جابر
وعطفت بالرّحم التي ترجوبهاقرب المحلّ من المليك القادر
وأنا أعوذ بفضل عفوك أن أرىغرضا ببابك للملم الفاقر
أو أن أضيّع بعدما أنقذتنيمن ريب مهلكة وجدّ عاثر
ولقد مننت فكنت غير مكدّرولقد نهضت بها نهوض الشاكر
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، ومحمد بن خلف وكيع قالا: حدّثنا الفضل بن سعيد بن أبي حرب قال: حدّثني أبو عبد اللّه الجهنيّ قال: دخلت على محمد بن صالح الحسني في حبس المتوكل، فأنشدني لنفسه يهجو أبا الساج:
ألم يحزنك يا ذلفاء أنّيسكنت مساكن الأموات حيّا
وأنّ حمائلي ونجاد سيفيعلون مجدّعا أشرو سنيّا
فقصّرهنّ لما طلن حتى استوين عليه لا أمسى سويّا
أما والراقصات بذات عرقتريد البيت تحسبها قسيا
لو أمكنني غداتئذ جلادلألفوني به سمحا سخيا
قال ابن عمار: وأنشدني عبيد اللّه بن طاهر أبو محمد لمحمد بن صالح أيضا:
نظرت ودوني ماء دجلة موهنابمطروفة الإنسان محسورة جدّا
لتؤنس لي نارا بليل توقّدتوتاللّه ما كلفتها نظرا قصدا
فلو أنها منها لقلت كأننيأرى النار قد أمست تضيء لنا هندا
تضيء لنا منها جبينا ومحجراومبتسما عذبا وذا غدر جعدا
انقضت أخباره.
صوت
يا عديّا لقلبك المهتاجأن عفا رسم منزل بالنّباج
غيرته الصّبا وكلّ ملثّدائم الودق ذي أهاضيب داج
وحملنا غلامنا ثم قلناهاجر العيس ليس منك بناج
فانتحى مثل ما انتحى باز دجنجوّعته القنّاص للدّرّاج
الشعر لأبي دواد الإياديّ. والغناء لحنين، ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها، عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنه لابن عائشة. وفيه لعريب هزج. وفيه ثقيل أول، ينسب إلى يزيد الحذّاء، وإلى أحمد النّصيبيّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع