تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أم حكيم وأخبارها

فيه ٩٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قد مضى ذكر نسبها.

وأمّها زينب بنت عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وكانت هي وأمها من أجمل نساء قريش، فكانت قريش تقول لأم حكيم: الواصلة بنت الواصلة، وقيل: الموصلة بنت الموصلة، لأنهما وصلتا الجمال بالكمال.

وأم زينب عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام: سعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي خارجة بن عوف بن أبي حارثة بن لأم الطائيّ. وكانت سعدى بنت عوف عند عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة، فولدت له سلمة وريطة. ثم توفّي عنها، فخلف عليها طلحة بن عبيد اللّه، فولدت له يحيى وعيسى، ثم قتل عنها، فخطبها عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فتكلم بنوها، وكرهوا أن تتزوج وقد صاروا رجالا، فقالت: إنه قد بقي في رحم أمكم فضلة شريفة، لا بد من خروجها، فتزوجها. فولدت له المغيرة بن عبد الرّحمن الفقيه، وزينب، وهي أمّ أم حكيم.

وكان المغيرة أحد أجواد قريش والمطعمين منهم، وقد قدم الكوفة على عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان صديقه، وبها جماعة يطعمون الناس من قريش وغيرهم، فلما قدم تغيبوا، فلم يظهر أحد منهم حتى خرج، وبث المغيرة الجفان في السكك والقبائل يطعم الناس، فقال فيه شاعر من أهل الكوفة:

أتاك البحر طمّ على قريشمغيريّ فقد راغ ابن بشر

قال مصعب الزبيريّ: هو - يعني المغيرة - مطعم الجيش بمنى، وهو إلى الآن يطعم عنه. قال: وكانت أخته زينب أحسن الناس وجها وقدّا، وكأن أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، فكانت تسمى الموصلة. وسميت بنتها أمّ حكيم بذلك، لأنها أشبهتها.

أخبرني عمي قال: حدثني ابن أبي سعد قال: حدثني عليّ بن محمد بن يحيى الكنانيّ عن أبيه قال: كانت زينب بنت عبد الرّحمن من لين جسدها يقال لها الموصلة:

قال مصعب: فتزوج زينب أبان بن مروان بن الحكم، فولدت له عبد العزيز بن أبان، ثم مات عنها، فخطبها يحيى بن الحكم وعبد الملك بن مروان، فمالوا إلى عبد الملك، فأرسل يحيى إلى المغيرة بن عبد الرّحمن: كم الذي تأمل من عبد الملك؟ واللّه لا يزيدها على ألف دينار، ولا يزيدك على خمس مئة دينار، ولها عندي خمسون ألف دينار، ولك عندي عشرة آلاف دينار إن زوجتنيها، فزوجه إياها على ذلك. فغضب عليه عبد الملك. وقال: دخل عليّ في خطبتي. واللّه لا يخطب على منبر ما دمت حيا، ولا رأى مني ما يحب، فأسقطه. فقال يحيى: لا أبالي، كعكتان وزينب.

أنها لما خطبت قالت: لا أتزوج واللّه أبدا إلا من يغني أخي المغيرة. فأرسل إليها يحيى بن الحكم: أيغنيه خمسون ألف دينار؟ قالت: نعم. قال: فهي له، ولك مثلها. فقالت: ما بعد هذا شيء. أرسل إلى أهلك شيئا من طيب، وشيئا من كسوة.

قال: ويقال إن عبد الملك لما تزوجها يحيى قال: لقد تزوجت أفوه غليظ الشفتين. فقالت زينب: هو خير من أبي الذّبان فما، فما له يعيبه بفمه؟ وقال يحيى: قولوا له أقبح من فمي ما كرهت من فمك.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو غسّان، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عمه محمد بن عبد العزيز: أن عبد الملك خطب زينب إلى المغيرة أخيها، وكتب إليه أن يلحق به، وكان بفلسطين أو بالأردنّ، فعرض له يحيى بن الحكم، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد أمير المؤمنين. قال: وما تصنع به؟ فو اللّه لا يزيدك على ألف دينار يكرمك بها، وأربع مئة دينار لزينب، ولك عندي ثلاثون ألف دينار، سوى صداق زينب. فقال المغيرة: أو تنقل إليّ المال قبل عقد النكاح؟ قال: نعم، فنقل إليه المال. فتجهز المغيرة، وسيّر ثقله، ثم دخل على يحيى فزوجه، وخرج إلى المدينة، فجعل عبد الملك ينتظر المغيرة، فلما أبطأ عليه قيل له: يا أمير المؤمنين، إنه زوج يحيى بن الحكم زينب بنت عبد الرّحمن، بثلاثين ألف دينار، وأعطاها إياها، ورجع إلى منزله. فغضب على يحيى، وخلعه عن ماله، وعزله عن عمله، فجعل يحيى يقول:

ألا لا أبالي اليوم ما فعل الدهرإذا بقيت لي كعكتان وزينب

قال: وكانت زينب تسمى الموصلة، من حسن جسدها، وكانت أم حكيم تحت عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، تزوجها في حياة جده عبد الملك، ولما عقد النكاح بينهما، عقد في مجلس عبد الملك، وأمر بإدخال الشعراء ليهنئوهم بالعقد، ويقولوا في ذلك أشعارا كثيرة يرويها الناس، فاختير منهم جرير وعديّ بن الرقاع، فدخلا، وبدأ عديّ لموضعه منهم، فقال:

قمر السماء وشمسها اجتمعابالسّعد ما غابا وما طلعا
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «قمر السماء وشمسها اجتمعا»
ما وارت الأستار مثلهمامن ذا رأى هذا ومن سمعا؟
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «قمر السماء وشمسها اجتمعا»
دام السرور له بها ولهاوتهنّيا طول الحياة معا
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «قمر السماء وشمسها اجتمعا»

وقال جرير:

جمع الأمير إليه أكرم حرةفي كل ما حال من الأحوال
حكميّة علت الروابي كلّهابمفاخر الأعمام والأخوال
وإذا النساء تفاخرت ببعولةفخرتهم بالسّيّد المفضال
عبد العزيز ومن يكلف نفسهأخلاقه يلبث بأكسف بال
هنأتكم بمودّة ونصيحةوصدقت في نفسي لكم ومقالي
فلتهنك النّعم التي خوّلتهايا خير مأمول وأفضل وال

فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، ولعديّ بن الرقاع بمثلها، وقضى لأهله ومواليه يومئذ مئة حاجة، وأمر لجميع من حضر من الحرس والكتاب بعشرة دنانير عشرة دنانير. فلم تزل أم حكيم عند عبد العزيز مدة، ثم تزوج ميمونة بنت عبد الرّحمن بن أبي بكر، فملكته وأحبها، وذهبت بقلبه كل مذهب، فلم ترض منه إلا بطلاق أمّ حكيم، فطلقها، فتزوجها هشام بن عبد الملك، ثم مات عبد العزيز، فتزوج هشام ميمونة أيضا، وكان شديد المحبة لأم حكيم، فطلق لها ميمونة، اقتصاصا لها منها فيما فعلته بها في اجتماعهما عند عبد العزيز، وقال لها: هل أرضينك منها؟ فقالت: نعم. فولدت أم حكيم من هشام ابنه يزيد بن هشام، وكان من رجالات بني أمية، وكان أحد من يطعن على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويغري الناس به.

وكانت أم حكيم منهومة بالشراب، مدمنة عليه، لا تكاد تفارقه. وكأسها الذي كانت تشرب فيه مشهور عند الناس إلى اليوم، وهو في خزائن الخلفاء حتى الآن، وفيه يقول الوليد بن يزيد:

صوت

علّلاني بعاتقات الكرومواسقياني بكأس أمّ حكيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»
إنها تشرب المدامة صرفافي إناء من الزجاج عظيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»
جنّبوني أذاة كل لئيمإنه ما علمت شرّ نديم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»
ثم إن كان في النّدامى كريمفأذيقوه مس بعض النعيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»
ليت حظي من النساء سليمىإن سلماي جنّتي ونعيمي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»
فدعوني من الملامة فيهاإن من لا مني لغير حليم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»

عروضه من الخفيف. غناء عمر الوادي من رواية يونس. وفي رواية إسحاق: غناه الغزيل أبو كامل: خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر.

فيقال إن هذا الشعر بلغ هشاما، فقال لأم حكيم: أتفعلين ما ذكره الوليد؟ فقالت: أو تصدقه الفاسق في شيء، فتصدقه في هذا؟ قال: لا. قالت: فهو كبعض كذبه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدثنا عمر بن شبة قال: كان يزيد بن هشام هجا الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فقال:

فحسب أبي العباس كأس وقينةوزقّ إذا دارت به في الذوائب
ومن جلساء الناس مثل ابن مالكومثل ابن جزء والغلام ابن غالب

فقال الوليد يهجوه، ويعيره بشرب أمه الشراب:

إن كأس العجوز كأس رواءليس كأس ككأس أمّ حكيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إن كأس العجوز كأس رواء»
إنها تشرب الرّساطون صرفافي إناء من الزجاج عظيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إن كأس العجوز كأس رواء»
لو به يشرب البعير أو الفي- ل لظلّا في سكرة وغموم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إن كأس العجوز كأس رواء»
ولدته سكرى فلم تحسن الطّل- ق فوافى لذاك غير حليم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إن كأس العجوز كأس رواء»

وكان لهشام منها ابن يقال له مسلمة، ويكنى أبا شاكر، وكان هشام ينوّه باسمه، وأراد أن يوليه العهد بعده، وولاه الحج، فحج بالناس، وفيه يقول عروة بن أذينة - لما وفد على هشام - وفرّق في الحجاز على أهلها مالا كثيرا، وأحبه الناس ومدحوه:

أتينا نمتّ بأرحامناوجئنا بأمر أبي شاكر
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «أَتَيْنا نَمُتُّ بأَرْحامِنا»

وفيه يقول الوليد بن يزيد بن عبد الملك في حياة أبيه، وأشاع ذلك وغنّى فيه، وأراد أن يعيره بذلك:

صوت

يأيها السائل عن ديننانحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجةبالسخن أحيانا وبالفاتر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا أيها السائل عن ديننا نحن»

فقال بعض شعراء أهل الحجاز يجيبه:

يا أيها السائل عن ديننانحن على دين أبي شاكر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا أيها السائل عن ديننا نحن»
الواهب البزل بأرسانهاليس بزنديق ولا كافر

فذكر أحمد بن الحارث عن المدائنيّ: أن هشاما لما أراد أن يوليه العهد، كتب بذلك إلى خالد بن عبد اللّه القسريّ، فقال خالد: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر. فبلغ قوله هشاما، فكان سبب إيقاعه به.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن موسى قمطر، عن إسماعيل بن مجمع قال: كنا نخرج ما في خزائن المأمون من الذهب والفضة، فنزكّي عنه، فكان فيما يزكّى عنه، قائم كأس أم حكيم، وكان فيه من الذهب ثمانون مثقالا. قال محمد بن موسى: سألت إسماعيل بن مجمع عن صفته، فقال: كأس كبير من زجاج أخضر، مقبضه من ذهب. هكذا ذكر إسماعيل.

وقد حدثني علي بن صالح بن الهيثم بمثله، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد المادرائيّ قال: لما أخرج المعتمد ما في الخزائن ليباع، في أيام ظهور الناجم بالبصرة، أخرج إلينا كأس أم حكيم، فكان كأسا مدوّرا على هيئة القحف، يسع ثلاثة أرطال، فقوّم بأربعة دراهم، فعجبنا من حصول مثله في الخزانة، مع خساسة قدره، فسألنا الخازن عنه. فقال: هذا كأس أمّ حكيم، فرددناه إلى الخزانة. ولعل الذهب الذي كان عليه أخذ منه حينئذ، ثم أخرج ليباع.

قال محمد بن موسى: وذكر لي عبيد اللّه بن محمد عن أبي الأغرّ، قال: كنا مع محمد بن الجنيد الختّليّ أيام الرشيد، فشرب ذات ليلة، فكان صوته:

علّلاني بعاتقات الكرومواسقياني بكأس أم حكيم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عللاني بعاتقات الكروم»

فلم يزل يقترحه ويشرب عليه حتى السحر، فوافاه كتاب خليفته في دار الرشيد: إن الخليفة على الركوب. وكان محمد أحد أصحاب الرشيد، ومن يقدّم دابته، فقال: ويحكم! كيف أعمل والرشيد لا يقبل لي عذرا وأنا سكران.

فقالوا: لا بدّ من الركوب، فركب على تلك الحال؛ فلما قدّم إلى الرشيد دابته، قال له: يا محمد، ما هذه الحال التي أراك عليها؟ قال: لم أعلم برأي أمير المؤمنين في الركوب، فشربت ليلي أجمع. قال: فما كان صوتك؟

فأخبره.

فقال له: عد إلى منزلك، فلا فضل فيك، فرجع إلينا وخبّرنا بما جرى، وقال: خذوا بنا في شأننا، فجلسنا على سطح، فلما متع النهار إذا خادم من خدم أمير المؤمنين قد أقبل إلينا على برذون، في يده شيء مغطّى بمنديل، قد كاد ينال الأرض، فصعد إلينا، وقال لمحمد: أمير المؤمنين يقرأ عليك السّلام ويقول لك: قد بعثنا إليك بكأس أم حكيم، لتشرب فيه، وبألف دينار تنفقها في صبوحك. فقام محمد، فأخذ الكأس من يد الخادم، وقبّلها، وصب فيها ثلاثة أرطال، وشربها قائما، وسقانا مثل ذلك، ووهب للخادم مئتي دينار، وغسل الكأس، وردّها إلى موضعها، وجعل يفرق علينا تلك الدنانير، حتى بقي معه أقلّها.

صوت

علقم ما أنت إلى عامرالناقض الأوتار والواتر
إن تسد الحوص فلم تعدهموعامر ساد بني عامر
عهدي بها في الحي قد درّعتصفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثدي على صدرهافي مشرق ذي بهجة ناضر
لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم يحمل إلى قابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
حتى يقول الناس مما رأوايا عجبا للميّت الناشر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

عروضه من السريع. والشعر للأعشى: أعشى بني قيس بن ثعلبة، يمدح عامر بن الطّفيل، ويهجو علقمة بن علاثة.

والغناء لمعبد في الثالث وما بعده، خفيف ثقيل الأول بالبنصر. وفي الأبيات لحنين ثقيل أول مطلق، في مجرى البنصر، عن إسحاق. وفيها أيضا لحن آخر ذكره في المجرد ولم يجنّسه، ولم ينسبه إلى أحد.

أخبرني بذلك محمد بن الحسن بن دريد إجازة، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة.

ونسخت من روايات ابن الكلبي عن أبيه، ومن رواية دماذ والأثرم عن أبي عبيدة والأصمعيّ، ومن رواية ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل، ومن رواية أبي عمرو الشيبانيّ عن أصحابه؛ فجمعت رواياتهم، ولكل امرىء منهم زيادة على صاحبه، ونقصان عنه، واللفظ مشترك في الروايات، إلا ما حكيته مفردا.

قال ابن الكلبيّ: حدثني أبي ومحرز بن جعفر، وجعفر بن كلاب الجعفريّ، عن بشر بن عبد اللّه بن حبّان بن سلمى بن مالك بن جعفر، عن أبيه، عن أشياخه وذكر بعضه أبو مسكين، قالوا: أول ما هاج النّفار بين عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر، وبين علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص -

وأم عامر: كبشة بنت عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر، وأمها أم الظباء بنت معاوية، فارس الهرّار، ابن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة، وأمها خالدة بنت جعفر بن كلاب، وأمها فاطمة بنت عبد شمس بن عبد مناف.

وأم أبيه الطّفيل: أم البنين بنت ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة.

قال أبو الحسن الأثرم: وكانت أم علقمة ليلى بنت أبي سفيان بن هلال بن النّخع سبيّة، وأم أبيه ماوية بنت عبد اللّه بن الشّيطان بن بكر بن عوف بن النخع مهيرة - أن علقمة كان قاعدا ذات يوم يبول، فبصر به عامر، فقال: لم أر كاليوم عورة رجل أقبح. فقال علقمة: أما واللّه ما تثب على جاراتها، ولا تنازل كنّاتها؛ يعرّض بعامر. فقال عامر: وما أنت والقروم! واللّه لفرس أبي «حنوة» أذكر من أبيك؛ ولفحل أبي «غيهب» أعظم ذكرا منك في نجد. قال: وكان فرسه فرسا جوادا، نجا عليه يوم بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وكان فحله فحلا لبني حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان.

قال الأثرم: وأخبرني رجل من جهينة بدمشق، قال: هو الأشعر بن صرمة.

قال: الأثرم: سمى صرمة غيهب لسواده.

قال ابن الكلبيّ: فاستعاره منهم يستطرقه، فغلبهم عليه، فقال علقمة: أما فرسكم فعارة، وأما فحلكم فغدرة. ولكن إن شئت نافرتك. فقال: قد شئت.

فقال عامر: واللّه لأنا أكرم منك حسبا، وأثبت منك نسبا، وأطول منك قصبا.

فقال علقمة: لأنا خير منك ليلا ونهارا.

فقال عامر: لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهن منك.

فقال علقمة: على ماذا تنافرني يا عامر؟

فقال عامر: أنافرك على أني أنحرمنك للّقاح، وخير منك في الصباح، وأطعم منك في السنة الشّياح.

فقال علقمة: أنت رجل تقاتل والناس يزعمون أني جبان، ولأن تلقى العدوّ وأنا أمامك، أعزّ لك من أن تلقاهم وأنا خلفك. وأنت جواد والناس يزعمون أني بخيل، ولست كذلك، ولكن أنافرك أني خير منك أثرا، وأحدّ منك بصرا، وأعز منك نفرا، وأسرح منك ذكرا.

فقال عامر: ليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد، وبصري ناقص، وبصرك صحيح، ولكني أنافرك على أني أنشر منك أمة، وأطول منك قمّة، وأحسن منك لمّة، وأجعد منك جمّة، وأبعد منك همّة.

قال علقمة: أنت رجل جسيم، وأنا رجل قضيف، وأنت جميل، وأنا قبيح، ولكني أنافرك بآبائي وأعمامي.

فقال عامر: آباؤك أعمامي ولم أكن لأنافرك بهم، ولكني أنافرك أني خير منك عقبا، وأطعم منك جدبا.

قال علقمة: قد علمت أن لك عقبا في العشيرة، وقد أطعمت طيبا إذ سارت؛ ولكني أنافرك أني خير منك، وأولى بالخيرات منك؛ وقد أكثرنا المراجعة منذ اليوم.

قال: فخرجت أم عامر، وكانت تسمع كلامهما، فقالت: يا عامر، نافره أيكما أولى بالخيرات.

قال أبو المنذر: قال أبو مسكين: قال عامر في مراجعته: واللّه لأنا أركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة، وخير منك للمولى والمولاة.

فقال له علقمة: واللّه إني أعز منك. إني لبرّ وإنك لفاجر، وإني لوفيّ وإنك لغادر، ففيم تفاخرني يا عامر؟

فقال عامر: واللّه إني لأنزل منك للقفرة، وأنحر منك للبكرة، وأطعم منك للهبرة، وأطعن منك للثّغرة.

فقال علقمة: واللّه إنك لكليل البصر، نكد النظر، وثّاب على جاراتك بالسّحر.

فقال بنو خالد بن جعفر، وكانوا يدا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر: لن تطيق عامرا، ولكن قل له: أنافرك بخيرنا وأقربنا إلى الخيرات، وخذ عليه بالكبر. فقال له علقمة هذا القول.

فقال عامر: عنز وتيس، وتيس وعنز، فذهبت مثلا. نعم على مئة من الإبل، إلى مئة من الإبل يعطاها الحكم، أينا نفّر عليه صاحبه أخرجها، ففعلوا ذلك، ووضعوا بها رهنا من أبنائهم، على يدي رجل من بني الوحيد، فسمي الضّمين إلى الساعة، وهو الكفيل.

قال: وخرج علقمة ومن معه من بني خالد، وخرج عامر فيمن معه من بني مالك، وقد أتى عامر بن الطفيل عمه عامر بن مالك، وهو أبو براء، فقال: يا عماه، أعنّي. فقال: يابن أخي، سبّني. فقال: لا أسبك وأنت عمي.

قال: فسبّ الأحوص. فقال عامر: ولا أسب واللّه الأحوص وهو عمي، فقال: فكيف إذن أعينك، ولكن دونك نعلي، فإني قد ربعت فيها أربعين مرباعا، فاستعن بها في نفارك.

وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية، فلم يقل بينهما شيئا، وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما، وقال: أنتما كركبتي البعير الأدرم، تقعان بالأرض. قالا: فأينا اليمين؟ فقال: كلاكما اليمين. وأبى أن يقضي بينهما. فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام، فأبى أن يحكم بينهما، فوثب مروان بن سراقة بن قتادة بن عمرو بن الأحوص بن جعفر، فقال:

يآل قريش بيّنوا الكلاماإنا رضينا منكم الأحكاما
فبيّنوا إن كنتم حكّاماكان أبونا لهم إماما
وعبد عمرو منع الفئامافي يوم فخر معلم إعلاما
للشاعر مروان بن سراقة العامري، من قصيدة «يا لقريش بينوا الكلاما»
ودعلج أقدمه إقدامالولا الذي أجشمهم إجشاما
لا تخذتهم مدحج نعاما

قال: فأبوا أن يقولوا بينهما شيئا.

وقد كانت العرب تحاكم إلى قريش، فأتيا عيينة بن حصن بن حذيفة، فأبى أن يقول بينهما شيئا. فأتيا غيلان بن سلمة بن معتب الثّقفيّ، فردهما إلى حرملة بن الأشعر المرّي، فردهما إلى هرم بن قطبة بن سنان بن عمرو الفزاريّ، فانطلقا حتى نزلا به.

وقال بشر بن عبد اللّه بن حبّان بن سلمى: إنهما ساقا الإبل معهما، حتى أشتت وأربعت، لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضي بينهما؛ فقال هرم: لعمري لأحكمن بينكما، ثم لأفصلن، ثم لست أثق بواحد منكما، فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول، وتسلّما لما قضيت بينكما، وأمرهما بالانصراف، ووعدهما ذلك اليوم من قابل. فانصرفا حتى إذا بلغ الأجل من قابل، خرجا إليه، فخرج علقمة ببني الأحوص، فلم يتخلف منهم أحد، معهم القباب والجزر والقدور، ينحرون في كل منزل ويطعمون، وجمع عامر بني مالك، فقال: إنما تخاطرون عن أحسابكم، فأجابوه وساروا معه، ولم ينهض أبو براء معهم، وقال لعامر: واللّه لا تطلع ثنية إلا وجدت الأحوص منيخا بها، وكره أبو براء ما كان من أمرهما، فقال عامر فيما كره من منافرتهما، ودعاء عامر إياه أن يسير معه:

أأومر أن أسبّ أبا شريحولا واللّه أفعل ما حييت
ولا أهدي إلى هرم لقاحافيحيي بعد ذلك أو يميت
أكلّف سعي لقمان بن عادفيآل أبي شريح ما لقيت

قال: وأبو شريح: هو الأحوص. فكره كل واحد من البطنين ما كان بينهما. وقال عبد عمرو بن شريح بن الأحوص:

لحى اللّه وفدينا وما ارتحلا بهمن السّوءة الباقي عليهم وبالها
ألا إنما بردى صفاق متينةأبى الضيم أعلاها وأثبت حالها

قال: فسار عامر وبنو عامر على الخيل مجنبي الإبل، وعليهم السلاح، فقال رجل من غنيّ: يا عامر، ما صنعت؟ أخرجت بني مالك تنافر بني الأحوص ومعهم القباب والجزر، وليس معك شيء تطعمه الناس! ما أسوأ ما صنعت! فقال عامر لرجلين من بني عمه: أحصيا كل شيء مع علقمة من قبة أو قدر أو لقحة. ففعلا. فقال عامر: يا بني مالك، إنها المقارعة عن أحسابكم، فاشخصوا بمثل ما شخصوا به، ففعلوا.

وثار مع عامر لبيد بن ربيعة والأعشى، ومع علقمة الحطيئة وفتيان من بني الأحوص، منهم السّندريّ بن يزيد بن شريح، ومروان بن سراقة بن قتادة بن عمرو بن الأحوص، وهم يرتجزون، فقال لبيد:

يا هرما وأنت أهل عدلإن نفّر الأحوص يوما قبلي
ليذهبن أهله بأهليلا تجمعنّ شكلهم وشكلي
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يا هرما وأنت أهل عدل»
ونسل آبائهم ونسلي

وقال أيضا:

إني امرؤ من مالك بن جعفرعلقم قد نافرت غير منفر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إني امرؤ من مالك بن جعفر»
نافرت سقبا من سقاب العرعر

فقال قحافة بن عوف بن الأحوص:

نهنه إليك الشعر يا لبيدواصدد فقد ينفعك الصّدود
ساد أبونا قبل أن تسودواسؤددكم مطّرف زهيد

وقال أيضا:

إني إذا ما نسي الحياءوضاع يوم المشهد اللّواء
أنمى وقد حقّ لي النماءإلى ذكور ذكرها سناء
إذ لا تزال جلدة كوماءمبقورة لسقبها دعاء
لم ينهنا عن نحرها الصفاءلنا عليكم سورة ولاء
المجد والسؤدد والعطاء

وقال أيضا:

أنتم هزلتم عامر بن مالكفي شتوات مضر الهوالك
يا شرّ أحياء وشرّ هالك

قال: وأنشدها السّندريّ يومئذ، ورفع صوته، فقيل: من هذا؟ فقال:

أنا لمن أنكر صوتي السّندريّأنا الفتى الجعد الطويل الجعفريّ
من ولد الأحوص أخوالي غنيّ

فقال عامر: أجب يا لبيد. فرغب لبيد عن إجابته، وذلك لأن السّندريّ كانت جدته أمة اسمها عيساء، فقال:

لما دعاني عامر لأسبّهمأبيت وإن كان ابن عيساء ظالما
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لما دعاني عامر لأسبهم»
لكيما يكون السّندريّ نديدتيوأشتم أعماما عموما عماعما
وأنشر من تحت القبور أبوّةكراما هم شدّوا عليّ التّمائما
لعبت على أكتافهم وحجورهموليدا وسمّوني مفيدا وعاصما
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لما دعاني عامر لأسبهم»
ألا أينا ما كان شرا لمالكفلا زال في الدنيا ملوما ولائما

قال: ووثب الحطيئة، فقال:

ما يحبس الحكّام بالفصل بعدمابدا سابق ذو غرّة وحجول

وقال أيضا:

يا عام قد كنت ذا باع ومكرمةلو أن مسعاة من جاريته أمم
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا عام قد كنت ذا باع ومكرمة»
جاريت قرما أجاد الأحوصان بهسمح اليدين وفي عرنينه شمم
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبهولا يبيت على مال له قسم
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا عام قد كنت ذا باع ومكرمة»
هابت بنو مالك مجدا ومكرمةوغاية كان فيها الموت لو قدموا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا عام قد كنت ذا باع ومكرمة»
وما أساءوا فرارا عن مجلّحةلا كاهن يمتري فيها ولا حكم

قال: وأقام القوم عنده أياما، وأرسل إلى عامر، فأتاه سرا، لا يعلم به علقمة فقال: يا عامر، قد كنت أرى لك رأيا، وأن فيك خيرا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أتنافر رجلا لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه؟ فما الذي أنت به خير منه؟

قال عامر: أنشدك اللّه والرّحم أن لا تفضّل عليّ علقمة، فو اللّه لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا. هذه ناصيتي فاجزرها. واحتكم في مالي، فإن كنت لا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه. قال: انصرف، فسوف أرى رأيي. فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفّره عليه.

ثم أرسل إلى علقمة سرّا، لا يعلم به عامر، فأتاه فقال: يا علقمة، واللّه إن كنت لأحسب فيك خيرا، وأن لك رأيا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أتفاخر رجلا هو ابن عمك في النسب؟ وأبوه أبوك، وهو مع هذا أعظم قومك غناء، وأحمدهم لقاء؟ فما الذي أنت به خير منه؟ فقال له علقمة: أنشدك اللّه والرّحم ألّا تنفّر عليّ عامرا. اجزز ناصيتي، واحتكم في مالي، وإن كنت لا بد أن تفعل فسوّ بيني وبينه. فقال: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج وهو لا يشك أنه سيفضّل عليه عامرا.

قال أبي: وسمعت أن هرما قال لعامر حين دعاه: يا عامر، كيف تفاضل علقمة؟ فقال عامر: ولم يا هرم؟

قال: لأنه أنجل منك عينا في النساء، وأكثر منك نفيرا عند ثورة الدعاء. قال عامر: هل غير هذا؟ قال: نعم. هو أكثر منك نائلا في الثّراء، وأعظم منك حقيقة عند الدعاء. ثم قال لعلقمة: كيف تفاضل عامرا؟ قال: ولم يا هرم؟

قال: هو أنفد منك لسانا، وأمضى منك سنانا. قال علقمة: فهل غير هذا؟ قال: نعم. هو أقتل منك للكماة، وأفك منك للعناة.

قال: ثم إن هرما أرسل إلى بنيه وبني أبيه: إني قائل غدا بين هذين الرجلين مقالة، فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة، ويطرد بعضكم عشر جزائر، فلينحرها عن عامر، وفرّقوا بين الناس، لا تكون لهم جماعة.

وأصبح هرم، فجلس مجلسه، وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا، فقام لبيد فقال:

يا هرم ابن الأكرمين منصباإنك قد ولّيت حكما معجبا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يا هرم ابن الأكرمين منصبا»
فاحكم وصوّب رأس من تصوّباإن الذي يعلو علينا ترتبا
لخيرنا عما وأما وأباوعامر خيرهما مركّبا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يا هرم ابن الأكرمين منصبا»

فقام هرم فقال: يا بني جعفر، قد تحاكمتما عندي، وأنتما كركبتي البعير الأدرم: تقعان إلى الأرض معا، وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، وكلاكما سيد كريم.

وعمد بنو هرم وبنو أخيه إلى تلك الجزر، فنحروها حيث أمرهم هرم عن علقمة عشرا، وعن عامرا عشرا، وفرقوا الناس، فلم يفضّل هرم واحدا منهما على صاحبه، وكره أن يفعل وهما ابنا عم، فيجلب بذلك عداوة، ويوقع بين الحيين شرا.

قال: وكان الأعشى حين رجع من عند قيس بن معد يكرب بما أعطاه طلب الجوار والخفرة من علقمة، فلم يكن عنده ما طلب، وأجاره وخفره عامر، حتى إذا أداه وماله إلى أهله قال:

علقم ما أنت إلى عامرالناقض الأوتار والواتر

ثم أتمها بعد النّفار. فلما بلغ علقمة ما قال الأعشى، وأشاع في العرب أن هرما قد فضّل عامرا، توعّد الأعشى، فقال الأعشى:

لعمري لئن أمسى من الحيّ شاخصا

قال ابن الكلبي: حدّثني أبي قال: فعاش هرم حتى أدرك سلطان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فسأله عمر فقال: يا هرم، أيّ الرجلين كنت مفضلا لو فضلت؟ فقال: لو قلت ذاك يا أمير المؤمنين لعادت جذعة، ولبلغت شعاف هجر. فقال عمر: نعم مستودع السّرّ ومسند الأمر إليه أنت يا هرم، مثل هذا فليسد العشيرة. وقال: إلى مثلك فليستبضع القوم أحكامهم.

قال مؤلف الكتاب: وقد أدرك علقمة بن علاثة الإسلام، فأسلم، ثم ارتد فيمن ارتد من العرب. فلما وجه أبو بكر خالد بن الوليد المخزومي إلى بني كلاب ليوقع بهم، وعلقمة يومئذ رئيسهم، هرب وأسلم، ثم أتى أبا بكر رضي اللّه عنه، فأعلمه أنه قد نزع عما كان عليه، فقبل إسلامه وأمّنه. هكذا ذكر المدائنيّ.

وأما سيف بن عمر فإنه روى عن الكوفيين غير ذلك.

حدثنا محمد بن جرير الطبريّ قال: حدثنا السريّ بن يحيى، قال: حدثنا شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، قال: كان علقمة بن علاثة على كلاب ومن لافّها، وقد كان علقمة أسلم ثم ارتد في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم خرج بعد فتح الطائف، حتى لحق بالشام مرتدا، فلما توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقبل مسرعا، حتى عسكر في بني كعب، مقدّما رجلا ومؤخرا أخرى، وبلغ ذلك أبا بكر رضي اللّه عنه، فبعث إليه سريّة، وأمّر عليها القعقاع بن عمرو، وقال: يا قعقاع، سر حتى تغير على علقمة بن علاثة، لعلك تأخذه لي أو تقتله. واعلم أن شفاء النفس الحوص، فاصنع ما عندك.

فخرج في تلك السرية حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة، وكان لا يبرح أن يكون على رحل، فسابقهم على فرسه مراكضة، وأسلم أهله وولده، واستبى القعقاع امرأة علقمة وبناته ونساءه ومن أقام من الرجال، فاتقوه بالإسلام، فقدم بهم على أبي بكر رضي اللّه عنه، فجحدت زوجته وولده أن يكونوا مالئوا علقمة على أمره، وكانوا مقيمين في الدار، ولم يكن بلغه عنهم غير ذلك. وقالوا لأبي بكر: ما ذنبنا نحن فيما صنع علقمة؟ فأرسلهم، ثم أسلم علقمة، فقبل ذلك منه.

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربما حدّث أصحابه، وربما تركهم يتحدثون ويصغي إليهم ويبتسم، فبينا هم يوما على ذلك يتذاكرون الشعر وأيام العرب، إذ سمع حسان بن ثابت ينشد هجاء أعشى بني قيس بن ثعلبة، علقمة بن علاثة، ومديحه عامر بن الطفيل:

علقم ما أنت إلى عامرالناقض الأوتار والواتر
إن تسد الحوص فلم تعدهموعامر ساد بني عامر
ساد وألفى رهطه سادةوكابرا سادوك عن كابر

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كفّ عن ذكره يا حسان، فإن أبا سفيان لما شعّث مني عند هرقل، ردّ عليه علقمة، فقال حسان بن ثابت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، من نالتك يده فقد وجب علينا شكره.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدثنا المدائني، عن أبي بكر الهذليّ قال: لما أطلق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الحطيئة من حبسه، قال له: يا أمير المؤمنين، اكتب لي كتابا إلى علقمة بن علاثة، لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري. فقال: لا أفعل. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك؟ إن علقمة ليس بعاملك، فتخشى أن تأثم، وإنما هو رجل من المسلمين، تشفع له إليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات والناس منصرفون عن قبره، فوقف عليه، ثم أنشد قوله:

لعمري لنعم المرء من آل جعفربحوران أمسى أعلقته الحبائل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمتفما في حياة بعد موتك طائل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»
وما كان بيني لو لقيتك سالماوبين الغنى إلا ليال قلائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»

فقال له ابنه: يا حطيئة، كم ظننت أن علقمة يعطيك؟ قال: مئة ناقة. قال: فلك مئة ناقة يتبعها مئة من أولادها.

فأعطاه إياها.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزّبير بن بكّار قال: حدثني عمر بن أبي بكر قال: حدثنا عبد الرّحمن بن أبي الزناد والضحاك بن عثمان قالا: لما قدم علقمة بن علاثة المدينة، وكان قد ارتد عن الإسلام، وكان لخالد بن الوليد صديقا، لقيه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في المسجد في جوف الليل، وكان عمر يشبّه بخالد، وذلك أن أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، فسلم عليه، وظن أنه خالد، فقال: أعزلك؟ قال: كان ذلك. قال: واللّه ما هو إلا نفاسة عليك، وحسد لك. فقال له عمر: فما عندك معونة على ذلك؟ قال: معاذ اللّه، إن لعمر علينا سمعا وطاعة، وما نخرج إلى خلافه. فلما أصبح عمر رضي اللّه عنه أذن للناس، فدخل خالد وعلقمة، فجلس علقمة إلى جنب خالد، فالتفت عمر إلى علقمة فقال: إيه يا علقمة، أأنت القائل لخالد ما قلت؟ فالتفت علقمة إلى خالد، فقال: يا أبا سليمان، أفعلتها؟ قال: ويحك واللّه ما لقيتك قبل ما ترى، وإني لأراك لقيت الرجل. قال: أراه واللّه.

ثم التفت إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما سمعت إلا خيرا. قال: أجل. فهل لك أو أوليّك حوران؟ قال: نعم.

فولاه إياها، فمات بها.

فقال الحطيئة يرثيه:

لعمري لنعم الحيّ من آل جعفربحوران أمسى أقصدته الحبائل
لقد أقصدت جودا ومجدا وسؤدداوحلما أصيلا خالفته المجاهل
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمتفما في حياة بعد موتك طائل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»

وفي أول هذه القصيدة التي رثى بها الحطيئة علقمة غناء نسبته:

صوت

أرى العيس تخدي بين قوّ فضارجكما لاح في الصبح الأشاء الحوامل
فأتبعتهم عينيّ حتى تفرقتمع الليل عن ساق الفريد الجمائل
فلأيا قصرت الطرف عنهم بجسرةأمون إذا واكلتها لا تواكل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»

غنى في هذه الأبيات سائب خاثر ثاني ثقيل بالوسطى، من رواية حماد بن إسحاق والهشاميّ.

صوت

ليت شعري أفاح رائحة المس- ك وما إن إحال بالخيف إنسي
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
حين غابت بنو أميّة عنهوالبهاليل من بني عبد شمس
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة
خطباء على المنابر فرسان عليها وقالة غير خرس
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

إخال: أظن. خلت كذا وكذا، فأنا إخاله: إذا ظننته، وخال عليّ الشيء يخيل: إذا شككت فيه. وليت شعري: كلمة تقولها العرب عند الشيء تحبّ علمه، وتسأل عنه.

وأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدثني عمر بن شبّة قال: سأل رجل أبا عبيدة: ما أصل «ليت شعري»؟

فقال: كأنه قال: ليتني شعرت بكذا وكذا، ليتني علمت حقيقته.

الشعر لأبي العباس الأعمى، والغناء لابن سريج، رمل بالبنصر في مجراها.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»