من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الرقاشي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الفضل بن عبد الصمد مولى رقاش. وهو من ربيعة، وكان مطبوعا سهل الشعر، نقيّ الكلام، وقد ناقض أبا نواس، وفيه يقول أبو نواس:
وجدنا الفضل أكرم من رقاشلأن الفضل مولاه الرسول
أراد أبو نواس بهذا نفيه عن ولائه، لأنه كان أكرم ممن ينتمي إليه، وذهب أبو نواس إلى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أنا مولى من لا مولى له.
وذكر إبراهيم بن تميم، عن المعلّى بن حميد: أن الرقاشيّ كان من العجم من أهل الريّ.
وقد مدح الرقاشيّ الرشيد وأجازه، إلا أن انقطاعه كان إلى آل برمك، فأغنوه عن سواهم.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبيّ قال: حدّثني أبي، قال: كان الفضل الرقاشيّ منقطعا إلى آل برمك، مستغنيا بهم عن سواهم، وكانوا يصولون به على الشعراء، ويروّون أولادهم أشعاره، ويدونون القليل والكثير منها، تعصبا له، وحفظا لخدمته، وتنويها باسمه، وتحريكا لنشاطه، فحفظ ذلك لهم، فلما نكبوا صار إليهم في حبسهم، فأقام معهم مدّة أيامهم، ينشدهم ويسامرهم، حتى ماتوا، ثم رثاهم فأكثر، ونشر محاسنهم وجودهم ومآثرهم فأفرط، حتى نشر منها ما كان مطويا، وأذاع منها ما كان مستورا؛ وجرى على شاكلته بعدهم، وكان كالموقوف المديح على جميعهم، صغيرهم وكبيرهم. ثم انقطع إلى طاهر وخرج معه إلى خراسان، فلم يزل بها معه حتى مات.
وكان مع تقدّمه في الشعر ماجنا خليعا، متهاونا بمروءته ودينه، وقصيدته التي يوصي فيها بالخلاعة والمجون مشهورة، سائرة في الناس، مبتذلة في أيدي الخاصة والعامة، وهي التي أوّلها:
أوصى الرقاشيّ إلى إخوانهوصية المحمود في ندمانه
وقد رأيت هذه القصيدة بعينها بخط الجاحظ في شعر أبي نعامة، من جملة قصيدة له طويلة، يهجو فيها جماعة، ويأتي في وسطها بقصيدة الرقاشيّ.
وقال عبد اللّه بن المعتز: حدثني ابن أبي الخنساء، عن أبيه، قال: لما قال أبو دلف:
صوت
ناوليني الرمح قد طال عن الحرب جمامي
مرّلي شهران مذلمأرم قوما بسهامي
جنبيني الدّرع قد طال عن القصف جمامي
واكسري المطرد والب- يض وأثني بالحسام
واقذفي في لجّة البح- ر بقوسي وسهامي
وبترسي وبرمحيوبسرجي ولجامي
فبحسبي أن ترينيبين فتيان كرام
سادة نغدو مجدي- ن على حرب المدام
واصطفاق العود والنايات في جوف الظلام
هزم أرواح دنانلم ننلها باصطلام
نهزم الراح إذا ماهمّ قوم بانهزام
ثم خلّ الضرب والطع- ن لأجساد وهام
لشقيّ قال: قد طال عن الحرب جمامي
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن موسى، عن ابن النطاح، قال: توفّي العباس بن محمد بن خالد بن برمك بالخلد، والرشيد بالرّصافة، في يوم جمعة، فأخرجت جنازته مع العصر، وحضر الرشيد والأمين، وأخرجت المضارب إلى مقابر البرامكة بباب البردان، وفرش للرشيد في مسجد هناك، وجاء الرشيد في الحلق بالأعلام والحراب، فصلى عليه، ووقف على قبره حتى دفن؛ فلما خرج يحيى ومحمد أخواه من القبر، قبّلا يد الرشيد، وسألاه الانصراف، فقال: لا، حتى يسوّى عليه التراب، ولم يزل قائما حتى فرغ من أمره، وعزّاهما وأمرهما بالركوب، فقال الرّقاشيّ يرثي العباس بن محمد بن خالد بن برمك:
أتحسبني باكرت بعدك لذةأبا الفضل أو رفّعت عن عاتق سترا
أو انتفعت عيناي بعد بنظرةأو ادنيت من كأس بمشمولة ثغرا
جفاني إذن يوما إلى الليل مؤنسيوأضحت يميني من ذخائرها صفرا
ولكنني استشعرت ثوب استكانةوبتّ كأن الموت يحفر لي قبرا
غنّى في الأول والثاني من هذه الأبيات الرّفّ، ثاني ثقيل بالبنصر، عن الهشاميّ وعبد اللّه بن موسى. وفيه ثقيل أوّل مجهول، أحسبه لبعض جواري البرامكة. وفيهما لإبراهيم بن المهديّ خفيف رمل، عن عبد اللّه بن موسى.
ومن ذلك قوله في جعفر.
كم هاتف بك من باك وباكيةيا طيب للضيف إذ تدعى وللجار
إن يعدم القطر كنت المزن بارقهلمع الدنانير لا ما خيّل الساري
وقوله:
لعمرك ما بالموت عار على الفتىإذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما أحد حيّ وإن كان سالمابأسلم ممن غيبته المقابر
ومن كان مما يحدث الدهر جازعافلا بد يوما أن يرى وهو صابر
وليس لذي عيش عن الموت مقصروليس على الأيام والدهر غابر
وكل شباب أو جديد إلى البلىوكل امرىء يوما إلى اللّه صائر
فلا يبعدنك اللّه عني جعفرابروحي ولو دارت علي الدّوائر
فآليت لا أنفكّ أبكيك ما دعتعلي فنن ورقاء أو طار طائر
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو غسان، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن محمد بن عبد العزيز: أن الرقاشيّ الشاعر فني في حب البرامكة حتى خيف عليه.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال: حدثني أبي عن أبي عكرمة، قال: وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن موسى، عن إسماعيل بن مجمع، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني.
أنه لما دارت الدوائر على آل برمك، وأمر بقتل جعفر بن يحيى وصلب، اجتاز به الرّقاشيّ الشاعر وهو على الجذع، فوقف يبكي أحرّ بكاء، ثم أنشأ يقول:
أما واللّه لولا خوف واشوعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمناكما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يابن يحيىحساما قدّه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعاودولة آل برمك السلام
فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأحضره، فقال له: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان إليّ محسنا، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه، فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت. قال: وكم كان يجري عليك؟ قال: ألف دينار في كل سنة. قال: فإنا قد أضعفناها لك.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ أبو دلف، قال: حدثنا الرّياشيّ قال: كان الفضل الرّقاشيّ يجلس إلى إخوان له يحادثهم، ويألفونه ويأنسون به، فتفرقوا في طلب المعاش، وترامت بهم الأسفار، فمر الرقاشيّ بمجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه، فوقف فيه طويلا، ثم استعبر وقال:
لولا التطيّر قلت غيّركمريب الزمان فخنتم عهدي
درست معالم كنت آلفهامن بعدكم وتغيرت عندي
أخبرني محمد بن جعفر الصّيدلانيّ النحويّ قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني أبو هفان، عن يوسف بن الداّية قال: كان أبو نواس والفضل الرّقاشي جالسين، فجاءهما عمرو الوراق، فقال: رأيت جارية خرجت من دور آل سليمان بن عليّ، فما رأيت جارية أحسن منها، هيفاء نجلاء، زجّاء دعجاء، كأنها خوط بان، أو جدل عنان، فخاطبتها فأجابتني بأحلى لفظ، وأحسن لسان، وأجمل خطاب. فقال الرقاشيّ: قد واللّه عشقتها، فقال أبو نواس: أو تعرفها؟ قال: لا واللّه، ولكن بالصفة، ثم أنشأ يقول:
صفات وظنّ أورثا القلب لوعةتضرّم في أحشاء قلب متيّم
تمثّلها نفسي لعيني فأنثنيإليها بطرف الناظر المتوسّم
يحمّلني حبّي لها فوق طاقتيمن الشوق دأب الحائر المتقسّم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الرّحيم بن أحمد بن زيد الحرانيّ قال: قيل لابن دراج الطفيليّ أتتطفّل على الرؤوس؟ قال: وكيف لي بها؟ قيل: إن فلانا وفلانا قد اشترياها، ودخلا بستان ابن بزيع، فخرج يحضر خوفا من فوتهما، فوجدهما قد لوّحا بالعظام فوقف عليها ينظر، ثم استعبر وتمثل قول الرّقاشيّ:
آثار ربع قدماأعيا جوابي صمما
وابن دراج هذا يقال له عثمان، وهو مولى لكندة، وكان في زمن المأمون، وله شعر مليح، وأدب صالح، وأخبار طيبة، يجري ذكرها ههنا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع