تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ربيعة الرّقّي ونسبه

ديوان ربيعة الرقيفيه ٥٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو ربيعة بن ثابت الأنصاريّ، ويكنى أبا شبابة. وقيل إنه كان يكنى أبا ثابت، وكان ينزل الرّقة، وبها مولده ومنشؤه، فأشخصه المهديّ إليه، فمدحه بعدة قصائد، وأثابه عليها ثوابا كثيرا، وهو من المكثرين المجيدين، وكان ضريرا، وإنما أخمل ذكره وأسقطه عن طبقته، بعده عن العراق، وتركه خدمة الخلفاء، ومخالطة الشعراء، وعلى ذلك فما عدم مفضّلا لشعره، مقدّما له.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثنا محمد بن داود، عن ابن أبي خيثمة عن دعبل قال: قلت لمروان بن أبي حفصة: من أشعركم جماعة المحدثين يا أبا السّمط؟. قال: أشعرنا أسيرنا بيتا. قلت:

ومن هو؟ قال: ربيعة الرقيّ الذي يقول:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغر ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت من قصيدة له مدح بها يزيد بن حاتم المهلبيّ، وهجا يزيد بن أسيد السّلمي، وبعد البيت الذي ذكره مروان:

يزيد سليم سالم المال والفتىأخو الأزد للأموال غير مسالم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف مالهوهم الفتى القيسيّ جمع الدراهم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فلا يحسب التّمتام أني هجوتهولكنني فضلت أهل المكارم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فيابن أسيد لا تسام ابن حاتمفتقرع إن ساميته سنّ نادم
هو البحر إن كلّفت نفسك خوضهتهالكت في موج له متلاطم

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني أسيد بن خالد الأنصاريّ، قال: قلت لأبي زيد النحويّ: إن الأصمعي قال: لا يقال: شتان ما بينهما، إنما يقال: شتان ما هما، وأنشد قول الأعشى:

شتان ما يومي على كورها

فقال: كذب الأصمعيّ، يقال: شتان ما هما، وشتان ما بينهما، وأنشدني لربيعة الرقيّ، واحتج به:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغرّ ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وفي استشهاد مثل أبي زيد على دفع مثل قول الأصمعيّ بشعر ربيعة الرقيّ، كفاية له في تفضيله.

وذكره عبد اللّه بن المعتز فقال: كان ربيعة أشعر غزلا من أبي نواس، لأن في غزل أبي نواس بردا كثيرا، وغزل هذا سليم سهل عذب.

نسخت من كتاب لعمي: حدّثنا ابن أبي فنن قال: اشتهى جواري المهديّ أن يسمعن ربيعة الرقيّ، فوجه إليه المهديّ من أخذه من مسجده بالرقّة، وحمل على البريد حتى قدم به على المهديّ، فأدخل عليه، فسمع ربيعة حسا من وراء السّتر، فقال: إني أسمع حسا يا أمير المؤمنين، فقال: اسكت يابن اللّخناء، واستنشده ما أراد، فضحك وضحكن منه. قال: وكان فيه لين، وكذلك كان أبو العتاهية، ثم أجازه جائزة سنية، فقال له:

يا أمير المؤمنيناللّه سمّاك الأمينا
سرقوني من بلادييا أمير المؤمنينا
للشاعر ربيعة الرقي، من قصيدة «يا أميرَ المؤمنينَ»
سرقوني فاقض فيهمبجزاء السارقينا
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

قال: قد قضيت فيهم أن يردوك إلى حيث أخذوك. ثم أمر به فحمل على البريد من ساعته إلى الرقة.

وفي يزيد بن حاتم يقول أيضا:

يزيد الأزد إن يزيد قوميسمّيك لا يجود كما تجود
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
يقود جماعة وتقود أخرىفترزق من تقود ومن يقود
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فما تسعون يحقرها ثلاثيقيم حسابها رجل شديد
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
وكفّ شثنة جمعت لوج ءبأنكد من عطائك يا يزيد

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال: امتدح ربيعة الرقيّ العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، بقصيدة لم يسبق إليها حسنا، وهي طويلة يقول فيها:

صوت

لو قيل للعباس يابن محمدقل: (لا) وأنت مخلّد ما قالها
ما إن أعدّ من المكارم خصلةإلا وجدتك عمها أو خالها
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
وإذا الملوك تسايروا في بلدةكانوا كواكبها وكنت هلالها
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
إن المكارم لم تزل معقولةحتى حللت براحتيك عقالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لو قيل للعباس يا ابن محمد»

في البيت الأول والبيت الأخير خفيف رمل بالوسطى، يقال إنه لإبراهيم. ويقال إنه للحسين بن محرز.

قال: فبعث إليه بدينارين، وكان يقدّر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين كاد يجن غيظا، وقال للرسول: خذ الدينارين، فهما لك، على أن ترد الرقعة من حيث لا يدري العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة، وأمر من كتب في ظهرها:

مدحتك مدحة السيف المحلّىلتجري في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعاكذبت عليك فيها وافتريت
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «هززتك هزة السيف المحلى»
فأنت المرء ليس له وفاءكأني إذ مدحتك قد رثيت
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «هززتك هزة السيف المحلى»

ثم دفعها إلى الرسول، وقال له ضعها في الموضع الذي أخذتها منه. فردها الرسول في موضعها. فلما كان من الغد أخذها العباس، فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات غضب، وقام من وقته، فركب إلى الرشيد، وكان أثيرا عنده، يبجّله ويقدمه، وكان قد همّ أن يخطب إليه ابنته، فرأى الكراهة في وجهه، فقال: ما شأنك؟ قال: هجاني ربيعة الرّقيّ.

فأحضر، فقال له الرشيد: يا ماصّ كذا وكذا من أمه، أتهجو عمي، وآثر الخلق عندي، لقد هممت أن أضرب عنقك. فقال: واللّه يا أمير المؤمنين، لقد مدحته بقصيدة ما قال مثلها أحد من الشعراء، في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء، وأكثرت في الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمره بإحضارها. فلما سمع الرشيد ذلك منه سكن غضبه، وأحب أن ينظر في القصيدة، فأمر العباس بإحضار الرقعة، فتلكأ عليه العباس ساعة، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين إلا أمرت بإحضارها، فعلم العباس أنه قد أخطأ وغلط، فأمر بإحضارها فأحضرت، فأخذها الرشيد وإذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها واستجادها، وأعجب بها، وقال: واللّه ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، لقد صدق ربيعة وبرّ. ثم قال للعباس: كم أثبته عليها؟ فسكت العباس: وتغير لونه، وجرض بريقه، فقال ربيعة: أثابني عليها يا أمير المؤمنين بدينارين، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة على العباس، فقال: بحياتي يا رقيّ، كم أثابك؟ قال: وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين.

فغضب الرشيد غضبا شديدا، ونظر في وجه العباس بن محمد، وقال: سوءة لك! أية حال قعدت بك عن إثابته؟

أقلة المال؟ فو اللّه لقد موّلتك جهدي؛ أم انقطاع المادة عنك؟ فو اللّه ما انقطعت عنك، أم أصلك؟ فهو الأصل لا يدانيه شيء، أم نفسك؟ فلا ذنب لي، بل نفسك فعلت ذلك بك، حتى فضحت أباك وأجدادك، وفضحتني ونفسك.

فنكس العباس رأسه ولم ينطق. فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة، واحمله على بغلة، فلما حمل المال بين يديه، وألبس الخلعة، قال له الرشيد: بحياتي يا رقيّ لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا، وفتر الرشيد عما كان هم به أن يتزوج إليه، وظهر منه له بعد ذلك جفاء كثير واطّراح.

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال: حدثني أحمد بن أبي فنن الشاعر، قال: حدثني من لا أحصي من الجلساء: أن ربيعة الرقيّ كان لا يزال يعبث بالعباس بن محمد بحضرة الرشيد، العبث الذي يبلغ منه، منذ جرى بينهما في مديحه إياه ما جرى، من حيث لا يتعلق عليه فيه بشيء، فجاء العباس يوما إلى الرشيد ببرنيّة فيها غالية، فوضعها بين يديه، ثم قال: هذه يا أمير المؤمنين غالية، صنعتها لك بيدي، اختير عنبرها من شحر عمان، ومسكها من مفاوز التّبّت، وبانها من قعر تهامة؛ فالفضائل كلها مجموعة فيها، والنعت يقصر عنها.

فاعترضه ربيعة، فقال: ما رأيت أعجب منك، ومن صفتك لهذه الغالية، عند من إليه كل موصوف يجلب، وفي سوقه ينفق، وبه إليه يتقرّب، وما قدر غاليتك هذه، أعزك اللّه، حتى تبلغ في وصفها ما بلغت، أأجريت بها إليه نهرا، أم حملت إليه منها وقرا! إن تعظيمك هذا عند من تجبى إليه خزائن الأرض وأموالها من كل بلدة، وتذل لهيبته جبابرة الملوك المطيعة والمخالفة، وتتحفه بطرف بلدانها، وبدائع ممالكها، حتّى كأنك قد فقت به على كل ما عنده، أو أبدعت له ما لا يعرفه، أو خصصته بما لم يحوه ملكه، لا تخلو فيه من ضعف أو قصر همة. أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين، إلا جعلت حظي من كل جائزة وفائدة توصلها إليّ مدة سنتي هذه الغالية، حتى أتلقاها بحقها.

فقال: ادفعوها إليه، فدفعت إليه. فأدخل يده فيها، وأخرج ملئها، وحل سراويله، وأدخل يده فطلى بها استه، وأخذ حفنة أخرى، وطلى بها ذكره وأنثييه، وأخرج حفنتين، فجعلهما تحت إبطيه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، مر غلامي أن يدخل إليّ، فقال: أدخلوه إليه، وهو يضحك، فأدخلوه إليه فدفع إليه البرنية غير مختومة، وقال: اذهب إلى جاريتي فلانة بهذه البرنية، وقل لها: طيبي بها حرك واستك وإبطيك، حتى أجيء الساعة وأنيكك، فأخذها الغلام ومضى وضحك الرشيد حتى غشي عليه، وكاد العباس يموت غيظا، ثم قام فانصرف، وأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم.

وذكر علي بن الحسين بن عبد الأعلى، أنه رأى قصيدة لربيعة الرقيّ مكتوبة في دور بساط من بسط السلطان قديم، وكان مبسوطا في دار العامة بسرّ من رأى، فنسخها منه، وهي قوله:

صوت

وتزعم أني قد تبدّلت خلّةسواها وهذا الباطل المتقوّل
للشاعر ربيعة الرقي، من قصيدة «وتزعم أني قد تبدلتُ خلة ً»
لحا اللّه من باع الصديق بغيرهفقالت نعم حاشاك إن كنت تفعل
ستصرم إنسانا إذا ما صرمتنييحبك فانظر بعده من تبدّل
للشاعر ربيعة الرقي، من قصيدة «وتزعم أني قد تبدلتُ خلة ً»

في هذه الثلاثة الأبيات لحن من الثقيل الأول، ينسب إلى إبراهيم الموصلي، وإلى إبراهيم بن المهديّ، وفيه لعريب رمل من رواية ابن المعتز.

وكان سبب إغراق ربيعة في هجاء يزيد بن أسيد، أنه زاره يستميحه، لقضاء دين كان عليه، فلم يجد عنده ما أحب، وبلغ ذلك يزيد بن حاتم المهلبيّ، فطفّل على قضاء دينه وبره، فاستفرغ ربيعة جهده في مدحه، وله فيه عدة قصائد مختارة، يطول ذكرها، وقد كان أبو الشمقمق عارضه في قوله:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغرّ ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

في قصيدة مدح بها يزيد بن مزيد، وسلخ بيت الرقيّ، بل نقله وقال:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىإذا عد في الناس المكارم والمجد
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لشتان ما بين اليزيدين في الندى»
يزيد بني شيبان أكرم منهماوإن غضبت قيس بن عيلان والأزد
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لشتان ما بين اليزيدين في الندى»
فتى لم تلده من رعين قبيلةولا لخم تنميه ولم تنمه نهد
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لشتان ما بين اليزيدين في الندى»
ولكن نمته الغرّ من آل وائلوبرّة تنميه ومن بعدها هند
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لشتان ما بين اليزيدين في الندى»

ولم يسر في هذا المعنى شيء كما سار بيت ربيعة.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر قال: عرض نخاس على أحمد بن يزيد بن أسيد الذي هجاه ربيعة جواري، فاختار جاريتين منهن، ثم قال للنخاس: أيتهما أحب إليك؟ قال: بينهما أعز اللّه الأمير كما قال الشاعر:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغرّ ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

فأمر بجر رجله وجواريه.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن شبيب قال: لما حج الرشيد لقيه قبل دخوله مكة رجلان من قريش، فانتسب له أحدهما، ثم قال: يا أمير المؤمنين، نهكتنا النوائب، وأجحفت بأموالنا المصائب، ولنا بك رحم أنت أولى من وصلها، وأمل أنت أحق من صدقه، فما بعدك مطلب، ولا عنك مذهب، ولا فوقك مسئول، ولا مثلك مأمول. وتكلم الآخر، فلم يأت بشيء فوصلهما، وفضل الأول تفضيلا كثيرا، ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال: يا فضل:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغرّ ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني أبو دعامة عليّ بن زيد بن عطاء الملط قال: لما هجا ربيعة يزيد بن أسيد السّلميّ، وكان جليلا عند المنصور والمهديّ، وفضّل عليه يزيد بن حاتم، قلت لربيعة: يا أبا شبابة، ما حملك على أن هجوت رجلا من قومك، وفضلت عليه رجلا من الأزد؟ فقال: أخبرك.

أملقت فلم يبق لي شيء إلا داري، فرهنتها على خمس مئة درهم، ورحلت إليه إلى إرمينية، فأعلمته ذلك ومدحته، وأقمت عنده حولا، فوهب لي خمس مئة درهم، فتحملت وصرت بها إلى منزلي، فلم يبق معي كبير شيء، فنزلت في دار بكراء، فقلت: لو أتيت يزيد بن حاتم، ثم قلت: هذا ابن عمي فعل بي هذا الفعل، فكيف غيره؟ ثم حملت نفسي على أن أتيته، فأعلم بمكاني، فتركني شهرا حتى ضجرت، فأكريت نفسي من الحمالين، وكتبت بيتا في رقعة وطرحتها في دهليزه، والبيت:

أراني ولا كفران للّه راجعابخفّي حنين من يزيد بن حاتم

فوقعت الرقعة في يد حاجبه، فأوصلها إليه من غير علمي ولا أمري، فبعث خلفي، فلما دخلت عليه قال: هيه، أنشدني ما قلت. فتمنعت، فقال: واللّه لتنشدنّي، فأنشدته فقال: واللّه لا ترجع كذلك، ثم قال: انزعوا خفيه، فنزعا فحشاهما دنانير، وأمر لي بغلمان وجوار وكسا، أفلا ترى لي أن أمدح هذا وأهجو ذاك! قلت: بلى واللّه. ثم قال: وسار شعري حتى بلغ المهديّ فكان سبب دخولي إليه.

أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ قال: حدّثني محمد بن الحسن بن عباد بن الشهيد القرقيسيانيّ قال: حدثني عمي عبد اللّه بن عباد: أن ربيعة بن ثابت الرقيّ الأسديّ كان يلقب الغاوي، وكان يهوى جارية يقال لها عثمة، أمة لرجل من أهل قرقيسياء، يقال له ابن مرّار، وكان بنو هاشم في سلطانهم قد ولّوه مصر، فأصاب بها مالا عظيما، وبلغه خبر ربيعة مع جاريته، فأحضره، وعرض عليه أن يهبها له، فقال: لا تهبها لي، فإن كل مبذول مملول، وأكره أن يذهب حبّها من قلبي؛ ولكن دعني أواصلها هكذا، فهو أحب إليّ.

قال: وقال فيها:

اعتاد قلبك من حبيبك عيدهشوق عراك فأنت عنه تذوده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
والشوق قد غلب الفؤاد فقادهوالشوق يغلب ذا الهوى فيقوده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
في دار مرّار غزال كنيسةعطر عليه خزوزه وبروده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
ريم أغر كأنه من حسنهصنم يحجّ ببيعة معبوده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
عيناه عينا جؤذر بصريمةوله من الظبي المربّب جيده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
ما ضرّ عثمة أن تلم بعاشقدنف الفؤاد متيم فتعوده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
وتلده من ريقها فلربمانفع السقيم من السّقام لدوده
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وهي طويلة مدح فيها بعض ولد يزيد بن المهلب.

أخبرني يحيى بن عليّ قال: حدثني أبي عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن أبي بشر الفزاريّ قال: لقى ربيعة الرقيّ معن بن زائدة في قدمة قدمها إلى العراق، فامتدحه بقصيدة، وأنشده إياها راويته، فلم يهش له معن، ولا رضي ربيعة لقاءه إياه، وأثابه ثوابا نزرا، فرده ربيعة، وهجاه هجاء كثيرا، فمما هجاه به قوله:

معن يا معن يابن زائدة الكلب التي في الذراع لا في البنان
لا تفاخر إذا فخرت بآبائك وافخر بعمك الحوفزان
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فهشام من وائل في مكانأنت ترضى بدون ذاك المكان
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
ومتى كنت يابن ظبية ترجوأن تثنّي على ابنة الغضبان
وهي حوراء كالمهاة هجانلهجان وأنت غير هجان
وبنات السّليل عند بني ظبية، أفّ لكم بني شيبان
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
قيل: معن لنا فلما اختبرناكان مرعى وليس كالسّعدان
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

قال أبو بشر: ظبية التي عيره بها أمة كانت لبني نهار بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، لقيها عبد اللّه بن زائدة بن مطر بن شريك، وكانت راعية لأهلها، وهي في غنمها، فسرقها ووقع عليها، فولدت له زائدة بن عبد اللّه أبا معن بن زائدة، ودجاجة بنت عبد اللّه. قال: وبنت السليل التي عناها: امرأة من ولد الحوفزان.

أخبرني يحيى عن أبيه عن إسحاق عن أبي بشر الفزاريّ، قال: كان ربيعة الرقيّ يهوى جارية لرجل من أهل الكوفة، يقال لها عثمة، وكان أهلها ينزلون في جوار جعفيّ، فقال فيها في أبيات له:

جعفيّ جيرانها فقد عطرتجعفيّ من نشرها ورياها
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

فقال له رجل من جعفيّ: وأنا جار لها بيت بيت، واللّه ما شممت من دراهم ريحا طيبة قطّ. فتشمم ربيعة رائحته وقال: وما ذنبي إذا كنت أخشم، واللّه إني لأجد ريحها وريح طيبها منك، وأنت لا تجده من نفسك.

أخبرني يحيى عن أبيه عن إسحاق عن أبي بشر قال: كنت حاضرا ربيعة الرقيّ يوما وجاءته امرأة من منزل هذه الجارية، فقالت: تقول لك فلانة: إن بنت مولاي محمومة، فإن كنت تعرف عوذة تكتبها لها فافعل. فقال: أكتب لها يا أبا بشر هذه العوذة:

تفو تفو باسم إلهي الذيلا يعرض السقم لمن قد شفى
أعيذ مولاتي ومولاتهاوابنتها بعوذة المصطفى
للشاعر ربيعة الرقي، من قصيدة «ثفوا ثفوا باسم إلهي الذي»
من شرّ ما يعرض من علةفي الصبح والليل إذا أسدفا
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

قال: فقلت له: يا أبا ثابت، لست أحسن أن أكتب: تفو تفو، فكيف أكتبها؟ قال: انضح المداد من رأس القلم في موضعين، حتى يكون كالنفث، وادفع العوذة إليها، فإنها نافعة. ففعلت ودفعتها إليها، فلم تلبث أن جاءتنا الجارية وهي لا تتمالك ضحكا. فقالت له: يا مجنون، ما فعلت بنا؟ كدنا واللّه نفتضخ بما صنعت. قال: فما أصنع بك؟

أشاعر أنا أم صاحب تعاويذ؟

صوت

ألا من بيّن الأخوين أمّهما هي الثكلى
تسائل من رأى ابنيهاوتستشفي فما تشفى
فلما استيأست رجعتبعبرة واله حرّى
للشاعر أم حكيم بنت قارظ، اقرأ القصيدة
تتابع بين ولولةوبين مدامع تترى
للشاعر أم حكيم بنت قارظ، اقرأ القصيدة

عروضه من الهزج، الشعر لجويرية بنت خالد بن قارظ الكنانية، وتكنى أم حكيم، زوجة عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، في ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة، أحد بني عامر بن لؤيّ باليمن.

والغناء لابن سريج، ولحنه من القدر الأوسط، من الثقيل الأول، بالخنصر في مجرى البنصر. وفيه لحنين الحيريّ، ثاني ثقيل عن الهشاميّ. وفيه لأبي سعيد مولى فائد، خفيف ثقيل الأول، مطلق في مجرى الوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»