من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر الخبر في مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني بالسبب في ذلك محمد بن أحمد بن الطّلّاس قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدثنا عليّ بن محمد المدائنيّ، عن أبي مخنف، عن جويرية بن أسماء، والصّقعب بن زهير، وأبي بكر الهذليّ، عن أبي عمرو الوقاصيّ: أن معاوية بن أبي سفيان بعث بسر بن أرطاة، أحد بني عامر بن لؤيّ، بعد تحكيم الحكمين، وعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه يومئذ حيّ، وبعث معه جيشا، ووجّه برجل من غامد ضم إليه جيشا آخر. ووجّه الضحاك بن قيس الفهريّ في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد، فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفّوا أيديهم عن النساء والصبيان. فمضى بسر لذلك على وجهه، حتى انتهى إلى المدينة، فقتل بها ناسا من أصحاب عليّ عليه السّلام، وأهل هواه، وهدم بها دورا من دور القوم. ومضى إلى مكة، فقتل نفرا من آل أبي لهب، ثم أتى السّراة، فقتل من بها من أصحابه. وأتى نجران، فقتل عبد اللّه بن عبد المدان الحارثيّ وابنه، وكانا من أصهار بني العباس، ثم أتى اليمن وعليها عبيد اللّه بن العباس، عاملا لعليّ بن أبي طالب، وكان غائبا، وقيل بل هرب لما بلغه خبر بسر، فلم يصادفه بسر، ووجد ابنين له صبيين، فأخذهما بسر لعنه اللّه، وذبحهما بيده، بمدية كانت معه، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية، وفعل مثل ذلك سائر من بعث به. فقصد الغامديّ إلى الأنبار، فقتل ابن حسان البكري، وقتل رجالا ونساء من الشيعة.
فحدثني العباس بن عليّ بن العباس النسائي قال: حدثنا محمد بن حسان الأزرق، قال: حدثنا شبابة بن سوّار قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن عمرو بن قيس، عن أبي صادق، قال: أغارت خيل لمعاوية على الأنبار، فقتلوا عاملا لعليّ عليه السّلام، يقال له حسان بن حسان، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء، فبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، فخرج حتى أتى المنبر، فرقيه، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم قال: إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه اللّه ثوب الذلة وشمله البلاء، وديّث بالصّغار، وسيم الخسف. وقد قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه لم يغز قوم قطّ في عقر دارهم إلا ذلّوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وتركتم قولي وراءكم ظهريا، حتى شنّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد جاء الأنبار، فقتل عاملي عليها حسان بن حسان، وقتل رجالا كثيرا ونساء. واللّه لقد بلغني أنه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينزع حجلها ورعاثها، ثم ينصرفون موفورين، لم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا، لم يكن عليه ملوما، بل كان به جديرا. يا عجبا، عجبا يميت القلب، ويشعل الأحزان، من اجتماع هؤلاء القوم على ضلالتهم وباطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى صرتم غرضا، ترمون ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى اللّه وترضون. إذا قلت لكم اغزوهم في الحر، قلتم هذه حمارّة القيظ فأمهلنا، وإذا قلت لكم اغزوهم في البرد، قلتم هذا أوان قرّ وصرّ فأمهلنا. فإذا كنتم من الحر والبرد تفرّون، فأنتم واللّه من السيف أشد فرارا. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، وعقول ربات الحجال، وددت واللّه اني لم أعرفكم، بل وددت أني لم أركم، معرفة واللّه جرّعت بلاء وندما، وملأتم جوفي غيظا بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب. ويحهم! هل فيهم أشد مراسا لها مني؟ واللّه لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين، وأنا الآن قد نيّفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.
فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أنا كما قال اللّه تعالى: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
فمرنا بأمرك، فو اللّه لنطيعنك ولو حال بيننا وبينك جمر الغضى، وشوك القتاد. قال: وأين تبلغان مما أريد؛ هذا أو نحوه، ثم نزل.
حدثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدثني عمي عبيد اللّه بن محمد قال: حدثني جعفر بن بشير قال: حدثني صالح بن يزيد الخراساني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن ابن أبي الكنود عبد الرّحمن بن عبيد قال: كتب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «أما بعد، فإن اللّه عزوجل جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه. إني خرجت معتمرا، فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطّلقاء، فقلت لهم، وعرفت المنكر في وجوههم: يا أبناء الطّلقاء، العداوة واللّه لنا منكم غير مستنكرة قديما، تريدون بها إطفاء نور اللّه، وتغيير أمره، فأسمعني القوم وأسمعتهم. ثم قدمت مكة وأهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة، فاحتمل من أموال أهلها ما شاء، ثم انكفأ راجعا، فأفّ لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك. وما الضحاك؟ وهل هو إلا فقع بقرقرة، وقد ظننت وبلغني أن أنصارك قد خذلوك، فاكتب إليّ يابن أمّ برأيك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك ببني أبيك وولد أخيك، فعشنا ما عشت، ومتنا معك، فو اللّه ما أحب أن أبقى بعدك فواقا، وأقسم باللّه الأعز الأجل، أن عيشا أعيشه في هذه الدنيا بعدك، لعيش غير هنيء ولا مريء ولا نجيع. والسّلام».
فأجابه عليّ بن أبي طالب، عليه السّلام: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: «أما بعد، كلأنا اللّه وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب، إنه حميد مجيد، فقد قدم عليّ عبد الرّحمن بن عبيد الأزديّ بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد، في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء، وإنّ بنيّ أبي سرح طال ما كاذ اللّه ورسوله وكتابه، وصدّ عن سبيله، وبغاها عوجا، فدع بني أبي سرح عنك، ودع قريشا وتركاضهم في الضلالة، وتجوالهم في الشقاق، فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك، إجماعها على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه، وجحدوا فضله، وبادوه بالعداوة، ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وساقوا إليه جيش الأمرّين. اللهم فاجز عني قريشا الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت عليّ، والحمد للّه على كل حال.
وأما ما ذكرت من غارة الضحاك بن قيس على الحيرة، فهو أقل وأذل من أن يقرب الحيرة، ولكنه جاء في خيل جريدة، فلزم الظهر، وأخذ على السماوة، فمر بواقصة وشراف وما والى ذلك الصقع، فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك جاز هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن في السير، وقد طفلت الشمس للإياب، فاقتتلوا شيئا كلا ولا، فولّى ولم يصبر، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، ونجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنّق، فلأيا بلأى مانجا.
وأما ما سألت عنه أن أكتب إليك فيه برأيي، فإن رأيي قتال المحلّين حتى ألقى اللّه، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولا تفرّقهم عني وحشة، لأني محق، واللّه مع الحق وأهله، وما أكره الموت على الحق، وما الحير كله إلا بعد الموت لمن كان محقا.
وأما ما عرضته عليّ من مسيرك إليّ ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشدا مهديا، فو اللّه ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبنّ ابن أبيك لو أسلمه الزمان والناس متضرّعا متخشّعا، لكن أقول كما قال أخو بني سليم:
فإن تسأليني كيف أنت فإننيصبور على ريب الزمان صليب
يعزّ عليّ أن ترى بي كآبةفيشمت عاد أو يساء حبيب
والسّلام».
رجع الخبر إلى سياقة مقتل الصبيين
ثم إن بسر بن أرطاة كر راجعا، وانتهى خبره إلى عليّ عليه السّلام، أنه قتل عبد الرّحمن وقثم ابني عبيد اللّه بن العباس، فسرّح حارثة بن قدامة السعديّ في طلبه، وأمره أن يغذّ السير، فخرج مسرعا، فلما وصل إلى المدينة، وانتهى إليه قتل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وبيعة الحسن رضي اللّه تعالى عنه، ركب في السلاح، ودعا أهل المدينة إلى البيعة للحسن، فامتنعوا، فقال: واللّه لتبايعنّ ولو بأستاهكم. فلما رأى أهل المدينة الجدّ منه بايعوا للحسن، وكر راجعا إلى الكوفة، فأصاب أمّ حكيم بنت قارظ ولهى على ابنيها، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم، تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:
صوت
يا من أحس بنيّي اللذين هماكالدّرّتين تشظّى عنهما الصدف
يا من أحس بنيّي اللذين هماسمعي وقلبي، فقلبي اليوم مختطف
يا من أحس بنيّي اللذين همامخّ العظام فمخى اليوم مزدهف
نبئت بسرا وما صدّقت ما زعموامن قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحي على ودجى إبنيّ مرهفةمشحوذة وكذاك الإثم يقترف
حتى لقيت رجالا من أرومتهشم الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسرا حقّ لعنتههذا لعمر أبي بسر هو السّرف
من دلّ والهة حرّى مدلّهةعلى صبيين ضلا إذ هوى السلف
الغناء لأبي سعيد مولى فائد، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وفيه خفيف ثقيل، يقال إنه له أيضا. وفيه لعريب رمل نشيد.
قالوا: ولما بلغ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قتل بسر الصبيين، جزع لذلك جزعا شديدا، ودعا على بسر لعنه اللّه، فقال: اللهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله! فأصابه ذلك، وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه، فيؤتى بسيف من خشب، ويجعل بين يديه زقّ منفوخ، فلا يزال يضربه حتى يسأم، ثم مات لعنه اللّه.
ولما كانت الجماعة واستقر الأمر على معاوية، دخل عليه عبيد اللّه بن العباس وعنده بسر بن أرطاة، فقال له عبيد اللّه: أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟ قال بسر: نعم أنا قاتلهما. فقال عبيد اللّه: أما واللّه لوددت أن الأرض كانت أنبتتني عندك. فقال بسر: فقد أنبتتك الآن عندي. فقال عبيد اللّه: ألا سيف! فقال له بسر: هاك سيفي. فلما أهوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله، أخذه معاوية، ثم قال لبسر: أخزاك اللّه شيخا قد كبرت وذهب عقلك، تعمد إلى رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك، إنك لغافل عن قلوب بني هاشم، واللّه لو تمكن منه لبدأ بي قبلك. فقال عبيد اللّه: أجل، واللّه، ثم إذن لثنّيت به.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: أخبرني محمد بن مسروق قال: قال الأصمعيّ: سمع رجل من أهل اليمن وقد قدم مكة امرأة عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة بقولها:
يا من أحس بنيّي اللذين هماكالدرتين تشظّى عنهما الصّدف
فرقّ لها، فاتصل ببسر حتى وثق به، ثم احتال لقتل ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس، فقتلهما وهرب، وقال:
يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعتشمس النهار ولا غابت على ناس
خير من الهاشميّين الذين همعين الهدى وسمام الأشوس القاسي
ماذا أردت إلى طفلي مدلّهةتبكي وتندب من أثكلت في الناس
إما قتلتهما ظلما فقد شرقتفي صاحبيك قناتي يوم أوطاس
فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربتأم الصبيّين أو ذاق ابن عباس
صوت
صوت لأم حكيم بنت يحيى
ألا فاسقياني من شرابكما الورديوإن كنت قد أنفدت فاسترهنا بردي
سواري ودملوجي وما ملكت يديمباح لكم نهب فلا تقطعوا وردي
عروضه من الطويل. والشعر لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس. والغناء لإبراهيم الموصلي، رمل بالوسطى، من رواية عمرو بن بانة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع