من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي تمام ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو تمام حبيب بن أوس الطائيّ، من نفس طيّىء صليبة. مولده ومنشؤه منبج، بقرية منها يقال لها جاسم.
شاعر مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غوّاص على ما يستصعب منها، ويعسر متناوله على غيره. وله مذهب في المطابق، هو كالسابق إليه جميع الشعراء، وإن كانوا قد فتحوه قبله، وقالوا القليل منه، فإن له فضل الإكثار فيه، والسلوك في جميع طرقه. والسليم من شعره النادر شيء لا يتعلق به أحد. وله أشياء متوسطة، ورديئة رذلة جدا.
وفي عصرنا هذا من يتعصب له فيفرط، حتى يفضله على كل سالف وخالف، وأقوام يتعمّدون الرديء من شعره فينشرونه، ويطوون محاسنه، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك، ليقول الجاهل بهم: إنهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلا بأدب فاضل، وعلم ثاقب. وهذا مما يتكسب به كثير من أهل هذا الدهر، ويجعلونه وما جرى مجراه من ثلب الناس، وطلب معايبهم، سببا للترفّع، وطلبا للرياسة. وليست إساءة في القليل، وأحسن في الكثير، مسقطة إحسانه؛ ولو كثرت إساءته أيضا ثم أحسن، لم يقل له عند الإحسان أسأت، ولا عند الصواب أخطأت، والتوسط في كل شيء أجمل، والحق أحق أن يتّبع.
وقد روي عن بعض الشعراء أن أبا تمام أنشده قصيدة له أحسن في جميعها، إلا في بيت واحد، فقال له: يا أبا تمام، لو ألقيت هذا البيت ما كان في قصيدتك عيب. فقال له: أنا واللّه أعلم منه مثل ما تعلم، ولكن مثل شعر الرجل عنده مثل أولاده، فيهم الجميل والقبيح، والرشيد والساقط، وكلهم حلو في نفسه، فهو وإن أحب الفاضل، لم يبغض الناقص، وإن هوي بقاء المتقدم، لم يهو موت المتأخر.
واعتذاره بهذا ضدّ لما وصف به نفسه في مدحه الواثق، حيث يقول:
جاءتك من نظم اللسان قلادةسمطان فيها اللؤلؤ المكنون
أحذاكها صنع اللسان يمدّهجفر إذا نضب الكلام معين
ويسيء بالإحسان ظنّا لاكمنهو بابنه وبشعره مفتون
فلو كان يسيء بالإساءة ظنّا ولا يفتتن بشعره، كنا في غنى عن الاعتذار له.
وقد فضّل أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء، من لا يشقّ الطاعنون عليه غباره، ولا يدركون - وإن جدّوا - آثاره، وما رأى الناس بعده إلى حيث انتهوا له في جيّده نظيرا ولا شكلا؛ ولو لا أن الرواة قد أكثروا في الاحتجاج له وعليه، وأكثر متعصبوه الشرح لجيد شعره، وأفرط معادوه في التسطير لرديئه، والتنبيه على رذله ودنيئه، لذكرت منه طرفا، ولكن قد أتى من ذلك مالا مزيد عليه.
أخبرني عمي قال: حدثني أبي قال: سمعت محمد بن عبد الملك الزيات يقول: أشعر الناس طرّا الذي يقول:
وما أبالي وخير القول أصدقهحقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
فأحببت أن أستثبت إبراهيم بن العباس، وكان في نفسي أعلم من محمد وآدب، فجلست إليه، وكنت أجري عنده مجرى الولد، فقلت له: من أشعر أهل زماننا هذا؟ فقال: الذي يقول:
مطر أبوك أبو أهلّة وائلملأ البسيطة عدّة وعديدا
نسب كأنّ عليه من شمس الضّحىنورا ومن فلق الصباح عمودا
ورثوا الأبوّة والحظوظ فأصبحواجمعوا جدودا في العلا وجدودا
فاتفقا على أن أبا تمام أشعر أهل زمانه.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، وعلي بن سليمان الأخفش قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحويّ قال: قدم عمارة بن عقيل بغداد، فاجتمع الناس إليه، فكتبوا شعره وشعر أبيه، وعرضوا عليه الأشعار. فقال بعضهم: ها هنا شاعر يزعم أنه أشعر الناس طرّا، ويزعم غيرهم ضدّ ذلك. فقال: أنشدوني قوله.
فأنشدوه:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غدوعاد قتادا عندها كلّ مرقد
وأنقذها من غمرة الموت أنّهصدود فراق لا صدود تعمّد
فأجرى لها الإشفاق دمعا مورّدامن الدم يجري فوق خد مورّد
هي البدر يغنيها تودّد وجههاإلى كلّ من لاقت وإن لم تودّد
ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده وقال:
ولكنني لم أحو وفرا مجمّعاففزت به إلا بشمل مبدّد
ولم تعطني الأيام نوما مسكّناألذّ به إلا بنوم مشرّد
فقال عمارة: للّه درّه! لقد تقدم في هذا المعنى من سبقه إليه، على كثرة القول فيه، حتى لقد حبّب إليّ الاغتراب، هيه. فأنشده:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبّةإلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
فقال عمارة: كمل واللّه، لئن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واتساق الكلام، فإن صاحبكم هذا أشعر الناس.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال: حدثني محمد بن موسى بن حمّاد قال: سمعت علي بن الجهم يصف أبا تمّام ويفضله، فقال له رجل: واللّه لو كان أبو تمام أخاك مازدت على مدحك هذا. فقال: إن لم يكن أخا بالنسب، فإنه أخ بالأدب والمودة؛ أما سمعت ما خاطبني به حيث يقول:
إن يكد مطّرف الإخاء فإننانغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤناعذب تحدّر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بينناأدب أقمناه مقام الوالد
أخبرني محمد قال: حدثني هارون بن عبد اللّه المهلبيّ قال: كنا في حلقة دعبل، فجرى ذكر أبي تمام، فقال دعبل: كان يتتبع معانيّ فيأخذها. فقال له رجل في مجلسه: وأي شيء من ذلك، أعزك اللّه؟ قال: قولي:
وإن امرأ أسدى إليّ بشافعإليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج إنهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
فقال الرجل: فكيف قال أبو تمام؟ فقال: قال:
فلقيت بين يديك حلو عطائهولقيت بين يديّ مرّ سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةمن جاهه فكأنها من ماله
فقال له الرجل: أحسن واللّه. فقال: كذبت قبحك اللّه. فقال: واللّه لئن كان أخذه منك، لقد أجاد، فصار أولى به منك. وإن كنت أخذته منه فما بلغت مبلغه. فغضب دعبل وانصرف.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن جرير قال: سمعت محمد بن حازم الباهليّ يقدم أبا تمام ويفضله، ويقول: لو لم يقل إلا مرثيته التي أولها:
أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا
وقوله:
لو يقدرون مشوا على وجناتهموجباههم فضلا عن الأقدام
لكفتاه.
أخبرني عمي قال: حدثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال: كان عمارة بن عقيل عندنا يوما، فسمع مؤدّبا كان لولد أخي يروّيهم قصيدة أبي تمام:
الحق أبلج والسيوف عوار
فلما بلغ إلى قوله:
سود اللباس كأنما نسجت لهمأيدي السّموم مدارعا من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامرقيدت لهم من مربط النّجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبدا على سفر من الأسفار
فقال عمارة: للّه دره! ما يعتمد معنى إلا أصاب أحسنه، كأنه موقوف عليه.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال: حدثني أبو ذكوان قال: قال لي إبراهيم بن العباس: ما اتكلت في مكاتبتي قطّ إلا على ما جاش به صدري، وجلبه خاطري، إلا أني قد استحسنت قول أبي تمام:
فإن باشر الإصحار فالبيض والقناقراه وأحواض المنايا مناهله
وإن يبن حيطانا عليه فإنماأولئك عقّالاته لا معاقله
وإلا فأعلمه بأنك ساخطعليه، فإن الخوف لا شكّ قاتله
فأخذت هذا المعنى في بعض رسائلي، فقلت: «فصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وكان كان يعقلهم يعتقلهم». قال: ثم قال لي إبراهيم: إن أبا تمام اخترم وما استمتع بخاطره، ولا نزح ركيّ فكره، حتى انقطع رشاء عمره.
أخبرني محمد قال: حدثني أبو الحسين بن السخيّ قال: حدثني الحسين بن عبد اللّه قال: سمعت عمي إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام، وقد أنشد شعرا له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراء الكلام رعية لإحسانك.
أخبرني محمد قال: حدثني هارون بن عبد اللّه قال: قال لي محمد بن جابر الأزديّ، وكان يتعصب لأبي تمام: أنشدت دعبل بن عليّ شعرا لأبي تمام ولم أعلمه أنه له، ثم قلت له: كيف تراه؟ قال: أحسن من عافية بعد يأس. فقلت: إنه لأبي تمام. فقال: لعله سرقه!
أخبرني محمد قال: حدثني أحمد بن يزيد المهلبيّ عن أبيه قال: ما كان أحد من الشعراء يقدر على أن يأخذ درهما بالشعر في حياة أبي تمام، فلما مات اقتسم الشعراء ما كان يأخذه.
أخبرني عمي والحسن بن عليّ ومحمد بن يحيى وجماعة من أصحابنا، وأظن أيضا جحظة حدّثنا به، قالوا: حدّثنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال: لما قدم أبو تمام إلى خراسان اجتمع الشعراء إليه، وسألوه أن ينشدهم، فقال: قد وعدني الأمير أن أنشده غدا، وستسمعوني. فلما دخل على عبد اللّه أنشده:
هنّ عوادي يوسف وصواحبهفعزما فقدما أدرك السؤل طالبه
فلما بلغ إلى قوله:
وقلقل نأي من خراسان جأشهافقلت اطمئني أنضر الروض عازبه
وركب كأطراف الأسنة عرّسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
فصاح الشعراء بالأمير أبي العباس: ما يستحقّ مثل هذا الشعر غير الأمير أعزه اللّه! وقال شاعر منهم يعرف بالرياحيّ: لي عند الأمير أعزه اللّه جائزة وعدني بها، وقد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للأمير. فقال له: بل نضعفها لك، ونقوم له بما يجب له علينا. فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار، فلقطها الغلمان، ولم يمسّ منها شيئا، فوجد عليه عبد اللّه وقال: يترفع عن برّي، ويتهاون بما أكرمته به. فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك.
أخبرني أبو مسلم محمد بن بحر الكاتب وعمي، عن الحزنبل، عن سعيد بن جابر الكرخيّ، عن أبيه: أنه حضر أبا دلف القاسم بن عيسى وعنده أبو تمام الطائيّ، وقد أنشده قصيدته:
على مثلها من أربع وملاعبأذيلت مصونات الدموع السواكب
فلما بلغ إلى قوله:
إذا افتخرت يوما تميم بقوسهاوزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكمعروش الذين استرهنوا قوس حاجب
محاسن من مجد متى تقرنوا بهامحاسن أقوام تكن كالمعايب
فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة، ما مدحتم بمثل هذا الشعر قطّ، فما عندكم لقائله؟ فبادروه بمطارفهم يرمون بها إليه. فقال أبو دلف: قد قبلها وأعاركم لبسها، وسأنوب عنكم في ثوابه. تمّم القصيدة يا أبا تمام. فتممها، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: واللّه ما هي بإزاء استحقاقك وقدرك. فاعذرنا، فشكره وقام ليقبّل يده، فحلف ألا يفعل، ثم قال له: أنشدني قولك في محمد بن حميد:
وما مات حتى مات مضرب سيفهمن الضرب واعتلت عليه القنا السّمر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّهإليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
فأثبت في مستنقع الموت رجلهوقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج ردائهفلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
كأن بني نبهان يوم مصابهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
يعزّون عن ثاو يعزّى به العلىويبكى عليه البأس والجود والشعر
فأنشده إياها، فقال: واللّه لوددت أنها فيّ. فقال: بل أفدّي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقدم، فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر، أو مثله.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني إسحاق بن يحيى الكاتب قال: قال الواثق لأحمد بن أبي دواد: بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائيّ في قصيدة مدحك بها ألف دينار. قال: لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين، ولكني أعطيته خمس مئة دينار رعاية للذي قاله للمعتصم:
فاشدد بهارون الخلافة إنهسكن لوحشتها ودار قرار
ولقد علمت بأن ذلك معصمما كنت تتركه بغير سوار
فابتسم وقال: إنه لحقيق بذلك.
أخبرني علي بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحويّ قال: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد وهو بأرمينية، فامتدحه، فأعطاه عشرة آلاف درهم ونفقة لسفره، وقال: تكون العشرة الآلاف موفورة، فإن أردت الشخوص فاعجل، وإن أردت المقام عندنا فلك الحباء والبرّ.
قال: بل أشخص. فودّعه؛ ومضت أيام، وركب خالد يتصيد، فرآه تحت شجرة، وبين يديه زكرة فيها شراب، وغلام يغنيه بالطّنبور. فقال: أبو تمام؟ قال: خادمك وعبدك. قال: ما فعل المال؟ فقال:
علّمني جودك السماح فماأبقيت شيئا لديّ من صلتك
ما مرّ شهر حتى سمحت بهكأنّ لي قدرة كمقدرتك
تنفق في اليوم بالهبات وفي الساعة ما تجتنيه في سنتك
فلست أدري من أين تنفق لولا أن ربي يمدّ في هبتك
فأمر له بعشرة أخرى، فأخذها وخرج.
أخبرني محمد بن يحيى الصّولي قال: حدّثنا عون بن محمد الكنديّ قال: حدّثنا محمد بن سعد أبو عبد اللّه الرقّيّ، وكان يكتب للحسن بن رجاء؛ قال: قدم أبو تمام مادحا للحسن بن رجاء، فرأيت منه رجلا عقله وعلمه فوق شعره، فاستنشده الحسن ونحن على نبيذ قصيدته اللامية التي امتدحه بها، فلما انتهى إلى قوله:
أنا من عرفت فإن عرتك جهالةفأنا المقيم قيامة العذّال
عادت له أيامه مسودّةحتى توهم أنهن ليال
فقال الحسن: واللّه لا تسودّ عليك بعد اليوم. فلما قال:
لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
وتنظّري حيث الركاب ينصّهامحيى القريض إلى مميت المال
فقام الحسن بن رجاء على رجليه، وقال: واللّه لا أتممتها إلا وأنا قائم. فقام أبو تمام لقيامه، وقال:
لما بلغنا ساحة الحسن انقضىعنا تملّك دولة الإمحال
بسط الرجاء لنا برغم نوائبكثرت بهن مصارع الآمال
أغلى عذارى الشعر إنّ مهورهاعند الكرام وإن رخصن غوال
ترد الظّنون بنا على تصديقهاويحكّم الآمال في الأموال
أضحى سميّ أبيك فيك مصدّقابأجلّ فائدة وأيمن فال
ورأيتني فسألت نفسك سيبهالي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له - أريد غمامهأولم يرد - بدّ من التّهطال
فتعانقا وجلسا. وقال له الحسن: ما أحسن ما جلوت هذه العروس! فقال: واللّه لو كانت من الحور العين لكان قيامك لها أوفى مهورها.
قال محمد بن سعد: وأقام شهرين، فأخذ على يدي عشرة آلاف درهم، وأخذ غير ذلك مما لم أعلم به؛ على بخل كان في الحسن بن رجاء.
أخبرني الصّولي قال: حدّثني عون بن محمد قال: شهدت دعبلا عند الحسن بن رجاء وهو يضع من أبي تمام، فاعترضه عصابة الجرجرائيّ، فقال: يا أبا علي، اسمع مني ما قاله، فإن أنت رضيته فذاك؛ وإلا وافقتك على ما تذمّه منه، وأعوذ باللّه فيك من ألّا ترضاه، ثم أنشده قوله:
أما إنه لولا الخليط المودّعومغنى عفا منه مصيف ومربع
فلما بلغ إلى قوله:
هو السيل إن واجهته انقدت طوعهوتقتاده من جانبيه فيتبع
ولم أر نفعا عند من ليس ضائراولم أر ضرّا عند من ليس ينفع
معاد الورى بعد الممات وسيبهمعاد لنا قبل الممات ومرجع
فقال له دعبل: لم ندفع فضل هذا الرجل، ولكنكم ترفعونه فوق قدره، وتقدمونه على من يتقدمه، وتنسبون إليه ما قد سرقه. فقال له عصابة: إحسانه صيرك له عائبا، وعليه عاتبا.
أخبرني الصّولي قال: حدّثنا الحسن بن وداع كاتب الحسن بن رجاء قال: حضرت أبا الحسين محمد بن الهيثم بالجبل وأبو تمام ينشده:
أسقى ديارهم أجشّ هزيموغدت عليهم نضرة ونعيم
قال: فلما فرغ أمر له بألف دينار، وخلع عليه خلعة حسنة، وأقمنا عنده يومنا، فلما كان من غد كتب إليه أبو تمام:
قد كسانا من كسوة الصيف خرقمكتس من مكارم ومساع
حلّة سابريّة ورداءكسحا القيض أو رداء الشّجاع
كالسّراب الرّقراق في الحسن إلاأنه ليس مثله في الخداع
قصبيّا تسترجف الريح متنيه بأمر من الهبوب مطاع
رجفانا كأنه الدهر منهكبد الضّبّ أو حشا المرتاع
لازما ما يليه تحبسه جزء آمن المتنتين والأضلاع
يطرد اليوم ذا الهجير ولو شبّه في حرّه بيوم الوداع خلعة من أغرّ أروع رحب الصّدر رحب الفؤاد رحب الذراع
سوف أكسوك ما يعفّي عليهامن ثناء كالبرد برد الصّناع
حسن هاتيك في العيون وهذاحسنه في القلوب والأسماع
فقال محمد بن الهيثم: ومن لا يعطي على هذا ملكه؟ واللّه لا بقي في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام، فأمر له بكل ثوب كان يملكه في ذلك الوقت.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي الفضل قال: لما شخص أبو تمام إلى عبد اللّه بن طاهر وهو بخراسان، أقبل الشتاء وهو هناك، فاستثقل البلد، وقد كان عبد اللّه وجد عليه، وأبطأ بجائزته، لأنه نثر عليه ألف دينار فلم يمسسها بيده، ترفعا عنها، فأغضبه وقال: يحتقر فعلي، ويترفع عليّ. فكان يبعث إليه بالشيء بعد الشيء كالقوت، فقال أبو تمام:
لم يبق للصيف لا رسم ولا طللولا قشيب فيستكسى ولا سمل
عدل من الدمع أن يبكي المصيف كمايبكى الشباب، ويبكي اللهو والغزل
يمنى الزمان انقضى معروفها وغدتيسراه وهي لنا من بعدها بدل
فبلغت الأبيات أبا العميثل شاعر آل عبد اللّه بن طاهر، فأتى أبا تمام، واعتذر إليه لعبد اللّه بن طاهر، وعاتبه على ما عتب عليه من أجله، وتضمّن له ما يحبه. ثم دخل إلى عبد اللّه، فقال: أيها الأمير، أتتهاون بمثل أبي تمّام وتجفوه؟
فو اللّه لو لم يكن له ماله من النباهة في قدره، والإحسان في شعره، والشائع من ذكره، لكان الخوف من شره، والتوقّي لذمه، يوجب على مثلك رعايته ومراقبته، فكيف وله بنزوعه إليك من الوطن، وفراقه السّكن، وقد قصدك عاقدا بك أمله، معملا إليك ركابه، متعبا فيك فكره وجسمه، وفي ذلك ما يلزمك قضاء حقه، حتى ينصرف راضيا؛ ولو لم يأت بفائدة، ولا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:
تقول في قومس صحبي وقد أخذتمنا السّرى وخطا المهريّة القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنافقلت كلّا ولكن مطلع الجود
فقال له عبد اللّه: لقد نبّهت فأحسنت، وشفعت فلطفت، وعاتبت فأوجعت، ولك ولأبي تمام العتبى، ادعه يا غلام. فدعاه، فنادمه يومه، وأمر له بألفي دينار، وما يحمله من الظّهر، وخلع عليه خلعة تامة من ثيابه، وأمر ببذرقته إلى آخر عمله.
أخبرني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: مرّ أبو تمام بمخنّث يقول الآخر: جئتك أمس فاحتجبت عني، فقال له: السماء إذا احتجبت بالغيم رجّي خيرها. فتبينت في وجه أبي تمام أنه قد أخذ المعنى، ليضمنه في شعره، فما لبثنا إلا أياما حتى أنشدت قوله:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإنّ السماء ترجّى حين تحتجب
أخبرني أبو العباس أحمد بن وصيف، وأبو عبد اللّه أحمد بن الحسن بن محمد الأصبهاني ابن عمي، قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال: كنا عند دعبل أنا والقاسم، في سنة خمس وثلاثين ومئتين، بعد قدومه من الشأم، فذكرنا أبا تمام، فثلبه، وقال: هو سروق للشعر. ثم قال لغلامه: يا ثقيف، هات تلك المخلاة. فجاء بمخلاة فيها دفاتر، فجعل يمرّها على يده، حتى أخرج منها دفترا، فقال: اقرءوا هذا. فنظرنا فيه، قال مكنف أبو سلمى، من ولد زهير بن أبي سلمى، وكان هجا ذفافة العبسيّ بأبيات منها:
إن الضّراط به تصاعد جدّكمفتعاظموا ضرطا بني القعقاع
قال ثم مات ذفافة بعد ذلك، فرثاه فقال:
أبعد أبي العباس يستعذب الدهرفما بعده للدهر حسن ولا عذر
ألا أيّها الناعي ذفافة والندىتعست وشلّت من أنا ملك العشر
أتنعى لنا من قيس عيلان صخرةتفلّق عنها من جبال العدا الصخر
إذا ما أبو العباس خلّى مكانهفلا حملت أنثى ولا نالها طهر
ولا أمطرت أرضا سماء ولا جرتنجوم ولا لذّت لشاربها الخمر
كأنّ بني القعقاع يوم مصابهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
توفّيت الآمال يوم وفاتهوأصبح في شغل عن السّفر السفر
ثم قال: سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة، فأدخلها في قصيدته:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمروليس لعين لم يفض ماؤها عدر
أخبرني الصّوليّ قال: حدّثني محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعشق غلاما خزريا للحسن بن وهب، وكان الحسن يتعشق غلاما روميا لأبي تمام، فرآه أبو تمام يوما يعبث بغلامه، فقال له: واللّه لئن أعنقت إلى الروم، لنركضنّ إلى الخزر. فقال له الحسن: لو شئت حكّمتنا واحتكمت. فقال أبو تمام: أنا أشبهك بداود عليه السّلام، وأشبه نفسي بخصمه، فقال الحسن: لو كان هذا منظوما خفناه، فأما وهو منثور فلا، لأنه عارض لا حقيقة له، فقال أبو تمام:
أبا عليّ لصرف الدهر والغيروللحوادث والأيام والعبر
أذكرتني أمر داود وكنت فتىمصرّف القلب في الأهواء والفكر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بهاوأنت مضطرب الأحشاء للقمر
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلىجآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
إن القطوب له مني محلّ هوىيحل مني محلّ السمع والبصر
وربّ أمنع منه جانبا وحمىأمسى وتكّته منّي على خطر
جرّدت فيه جنود العزم فانكشفتمنه غيابتها عن نيكة هدر
سبحان من سبّحته كلّ جارحةما فيك من طمحان الأير والنظر
أنت المقيم فما تغدو رواحلهوأيره أبدا منه على سفر
أخبرني الصوليّ قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسين قال: حدّثني وهب بن سعيد قال: جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد موت أبي تمام، فقال له رجل في المجلس: يا أبا عليّ، أنت الذي تطعن على من يقول:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعديومحّت كما محت وشائع من برد
وأنجدتم من بعد إتهام داركمفيا دمع أنجدني على ساكني نجد
فصاح دعبل: أحسن واللّه! وجعل يردد «فيا دمع أنجدني على ساكني نجد» ثم قال: رحمه اللّه! لو كان ترك لي شيئا من شعره لقلت إنه أشعر الناس.
أخبرني عليّ بن سليمان ومحمد بن يحيى قالا: حدّثنا محمد بن يزيد قال: مات لعبد اللّه بن طاهر ابنان صغيران في يوم واحد، فدخل عليه أبو تمام فأنشده:
ما زالت الأيام تخبر سائلاأن سوف تفجع مسهلا أو عاقلا
مجد تأوّب طارقا حتى إذاقلنا أقام الدهر أصبح راحلا
نجمان شاء اللّه ألا يطلعاإلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرياض نواضرالأجل منها بالرياض ذوابلا
لو ينسبان لكان هذا غارباللمكرمات وكان هذا كاهلا
لهفي على تلك المخايل منهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى وصباهماحلما وتلك الأريحية نائلا
إن الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدرا كاملا
صوت
باللّه قل يا طللأهلك ماذا فعلوا
فإن قلبي حذرمن أن يبينوا وجل
عروضه من الرجز. الشعر لأبي الشيص. والغناء لأحمد بن يحيى المكيّ. خفيف ثقيل بالوسطى من نسخة عمرو بن بانة الثانية. ومن رواية الهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع