تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر خبر العباس وفوز

فيه ٤٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الخراسانيّ، قال: حدثنا محمد بن النضر، قال: كانت فوز جارية لمحمد بن منصور، وكان يلقّب فتى العسكر، ثم اشتراها بعض شباب البرامكة فدبّرها وحجّ بها. فلما قدمت قال العباس:

ألا قد قدمت فوزفقرّت عين عبّاس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا سيدة الناس»
لمن بشّرني البشرىعلى العينين والرّأس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا سيدة الناس»
أيا ديباجة الحسنويا رامشنة الآس
يلوموني على الحبّوما بالحبّ من باس!
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا سيدة الناس»

أخبرني محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الأنباريّ - وهو أبو عاصم بن محمد الكاتب - قال: حدثني علي بن محمد النّوفليّ قال: كانت فوز لرجل جليل من أسباب السلطان، وكان العبّاس يتشبّه في أشعاره وذكر فوز بما قاله أبو العتاهية في عتبة، فحجّ بها مولاها، فقال العباس:

يا ربّ ردّ علينامن كان أنسا وزينا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا رب رد علينا»
من لا نسرّ بعيشحتى يكون لدينا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا رب رد علينا»
يا من أتاح لقلبيهواه شؤما وحينا ضما زلت مذغبت عنّي
من أسخن الناس عيناما كان حجّك عندي
إلّا بلاء علينا

فلما قدمت قال:

ألا قد قدمت فوزفقرّت عين عبّاس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا سيدة الناس»

وذكر الأبيات المتقدمة.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه، أنه دخل على الفضل بن الربيع يوما، والعباس بن الأحنف بين يديه، فقال العباس للفضل: دعني أعابث الأصمعيّ. قال: لا تفعل، فليس المزاح من شأنه. قال: إن رأى الأمير أن يفعل. قال: ذاك إليك. قال: فلما دخلت قال لي العبّاس: يا أبا سعيد من الذي يقول:

إذا أحببت أن تصنع شيئا يعجب النّاسا
فصوّر ها هنا فوزاوصوّر ثمّ عبّاسا
فإن لم يدنوا حتىترى خلقيهما خلقا
فكذّبها بما لاقتوكذّبه بما قاسى

فقال لي ابن أبي السّعلاء الشاعر: إنه أراد العبث بك، وهو نبطيّ، فأجبه على هذا. قال: فقلت له: لا أعرف هذا، ولكني أعرف الذي يقول:

إذا أحببت أن تبصر شيئا يعجب الخلقا
فصوّر ها هنا زوراوصوّر ههنا فلقا
فإن لم يدنوا حتىترى خلقيهما خلقا
فكذّبها بما لاقتوكذّبه بما يلقى

فعرّض بالعباس أنه نبطيّ، فضحك الفضل، فوجم العباس، فقال له الفضل: قد كنت نهيتك عنه، فلم تقبل.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن الفضل الهاشميّ، قال: حدثني أبو توبة الحنفيّ، قال: وجّه العباس بن الأحنف رسولا إلى فوز، فعاد فأخبره أنها تجد صداعا، وأنه رآها معصوبة الرّأس؛ فقال العباس:

عصبت رأسها فليت صداعاقد شكته إليّ كان براسي
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «عصبت رأسها فليت صداعا»
ثم لا تشتكي، وكان لها الأجر، وكنت السّقام عنها أقاسي
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «عصبت رأسها فليت صداعا»
ذاك حتى يقول لي من رآني:هكذا يفعل المحبّ المواسي
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «عصبت رأسها فليت صداعا»

قال: فبرئت ثم نكست، فقال:

إنّ التي هامت بها النّفسعاودها من عارض نكس
كانت إذا ما جاءها المبتلىأبرأه من كفّها اللّمس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إن التي هامت بها النفس»
وابأبي الوجه المليح الّذيقد عشقته الجنّ والإنس
إن تكن الحمّى أضرّت بهفربما تنكسف الشمس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إن التي هامت بها النفس»

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني أبو العباس الخلنجيّ، قال: حدثني أبو عبد كان الكاتب، قال: حدثني أبو توبة الحنفيّ، قال: لمّا قال العباس بن الأحنف:

أما والذي أبلى المحبّ وزادنيبلاء، لقد أسرفت في الظلم والهجر
فإن كان حقّا ما زعمت أتيتهإليك، فقام النائحات على قبري
وإن كان عدوانا عليّ وباطلافلا متّ حتى تسهري الليل من ذكري

بعثت إليه فوز: أظنّنا ظلمناك يا أبا الفضل، فاستجيب لك فينا! ما زلت البارحة ساهرة ذاكرة لك.

أخبرني جحظة البرمكيّ، قال: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون، عن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني محمد بن سلّام، قال: كان في خلق العباس بن الأحنف شدّة، فضرب غلاما له، وحلف أنه يبيعه، فمضى الغلام إلى فوز فاستشفع بها عليه، فكتبت إليه فيه؛ فقال:

يا من أتانا بالشفاعاتمن عند من فيه لجاجاتي
إن كنت مولاك فإنّ التيقد شفعت فيك لمولاتي
إرسالها فيك إلينا لناكرامة فوق الكرامات
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا من أتاني بالشفاعات»

ورضي عنه ووصله، وأعتقه.

اكتئابه من قولة فوز له: يا شيخ!

أخبرني جحظة، قال: حدثنا أبو عبد اللّه بن حمدون، عن أبيه حمدون بن إسماعيل، عن أخيه إبراهيم بن إسماعيل، قال: جاءنا العباس بن الأحنف يوما وهو كئيب، فنشّطناه فأبى أن ينشط، فقلنا: ما دهاك؟ فقال: لقيتني فوز اليوم، فقالت لي: يا شيخ! وما قالت ذلك إلّا من حادث ملال. فقلنا له: هوّن عليك؛ فإنها امرأة لا تثبت على حال، وما أرادت إلا العبث بك والمزاح معك. فقال: إني واللّه قد قلت أقبح مما قالت، ثم أنشدنا:

هزئت إذ رأت كئيبا معنّىأقصدته الخطوب فهو حزين
هزئت بي ونلت ما شئت منهايا لقومي فأيّنا المغبون!
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «ذكر البين ليته لا يكون»

فقلت له: قد انتصفت وزدت.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا علي بن الصبّاح، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: كانت لفوز جارية يقال لها يمن، وكانت تجيء إلى العباس برسالتها، فمضت إلى فوز، وقد طلبت من العباس شيئا فمنعها إيّاه، وزعمت أنه أرادها ودعاها إلى نفسه، فغضبت فوز من ذلك، فكتب إليها:

لقد زعمت يمن بأني أردتهاعلى نفسها، تبّا لذلك من فعل
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسففإنّ قميصي لم يكن قدّ من قبل
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يقولون لي واصل سواها لعلها»

أخبرني محمد، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن حميد، قال: كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند، وبلغ ذلك العباس، فتركها ولم ترض هي البديل بعد ذلك، فعادت إلى العباس، وكتبت إليه تعاتبه في جفائه؛ فكتب إليها:

كتبت تلوم وتستريب زيارتيوتقول لست لنا كعهد العاهد
فأجبتها ودموع عيني جمّةتجري على الخدّين غير جوامد!
يا فوز لم أهجركم لملالةمنّي ولا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكملا تصبرون على طعام واحد

وقد أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش هذه الأبيات، وقال: سرقها من أبي نواس حيث يقول:

صوت

ومظهرة لخلق اللّه ودّاوتلقى بالتحيّة والسلام
أتيت فؤادها أشكو إليهفلم أخلص إليه من الزّحام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ومظهرة لخلق الله نسكا»
فيما من ليس يكفيه محبّولا ألفا محبّ كلّ عام
أظنّك من بقية قوم موسىفهم لا يصبرون على طعام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ومظهرة لخلق الله نسكا»

غنّت فيه عريب لحنا ذكره ابن المعتزّ، ولم يذكر طريقته.

ومما يغنّى فيه من شعر العباس في فوز قوله:

صوت

يا فوز ما ضرّ من يمسي وأنت لهألّا يفوز بدنيا آل عبّاس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز ما ضر من أمسى وأنت له»
أبصرت شيبا بمولاها فوا عجبامنه يراها ويبدو الشّيب في الرّاس!
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز ما ضر من أمسى وأنت له»

غنّاه سليم، رمل مطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكّيّ.

وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: قرأت على أحمد بن أبي فنن شعر العباس بن الأحنف، وكان مشغوفا به، فسمعته يقول: وددت أن أبياته التي يقول فيها:

يا فوز ما ضرّ من يمسي وأنت له

لي بكلّ شعري.

وفي بذل يقول عبد اللّه بن العباس الربيعيّ يخاطب عمرا في بذل بقوله:

صوت

تسمّع بحقّ اللّه يا عمرو من بذلفقد أحسنت واللّه واعتمدت قتلي
كأني أرى حبّيك يرجح كلّماتغنّت لإعجابي وأفقد من عقلي

غنّاه عبد اللّه بن العباس الربيعيّ، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وغنّى فيه عمرو بن بانة خفيف رمل بالبنصر عن حبش.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»