من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر ابن سريج مع سكينة بنت الحسين عليهما السّلام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزّبيريّ، قال: حدثني شيخ من المكيّين، ووجدت هذا الخبر أيضا في بعض الكتب مرويّا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن مصعب، عن شيخ من المكيّين، والرواية عنهما متّفقة، قال:
كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة، وآلى يمينا ألّا يغنّي، ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي. ثم خرج وفيه بقيّة من العلّة، فأتى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وموضع مصلّاة.
فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النّسك والقراءة، فكان أهل الغناء يأتونه مسلّمين عليه، فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة، فأقام بالمدينة حولا حتى لم يحسّ من علّته بشيء، وأراد الشخوص إلى مكة.
وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين، فاغتمّت اغتماما شديدا، وضاق به ذرعها، وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره، وقالت لأشعب: ويلك! إنّ ابن سريج شخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه قليلا ولا كثيرا، ويعزّ ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، ولو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب: جعلت فداك! وأنّى لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي تورك تنفعك حلاوة فمك.
فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه، وخنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا. فخرج على أسوإ الحالات، واغتمّ أشعب غمّا شديدا، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك؛ فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب، والدّم سائلا من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزّقة، وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدّوس والخنق، ومات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال له: ما هذا ويحك؟ فقصّ عليه القصة.
فقال ابن سريج: إنا للّه وإنا إليه راجعون! ماذا نزل بك؟ والحمد للّه الذي سلّم نفسك، لا تعودنّ إلى هذه أبدا. قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بدّ لي منها، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنّيها؛ فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟ قال ابن سريج: كلّا واللّه لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته.
قال أشعب: قد قطعت أملي ورفعت رزقي، وتركتني حيران بالمدينة، لا يقبلني أحد وهي ساخطة عليّ، فاللّه اللّه فيّ، وأنا أنشدك إلّا تحمّلت هذا الإثم فيّ، فأبى عليه.
فلما رأى أشعب أنّ عزم ابن سريج قد تمّ على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي، وهذا خارج، وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها، ونبّه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم، ثم سكت، فلم يدر الناس ما القصّة عند خفوت الصّوت بعد أن قد راعهم.
فقال له ابن سريج: ويلك! ما هذا؟ قال: لئن لم تصر معي إليها لأصرخنّ أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلّا صار بالباب، ثم لأفتحنّه ولأرينّهم ما بي، ولأعلمنّهم أنك أردت تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به - فمنعتك، وخلّصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى؛ ففعلت بي هذا غيظان وتأسّفا، وأنك إنما أظهرت النّسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه، وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه. فقال ابن سريج: اغرب، أخزاك اللّه. قال أشعب: واللّه الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة، وامرأته طالق ثلاثا، وهو نحير في مقام إبراهيم، والكعبة، وبيت النار، والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلنّ.
فلما رأى ابن سريج الجدّ منه قال لصاحبه: ويحك! أما ترى ما وقعنا فيه؟! وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا؛ فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث. وتذمّم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا.
فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عنّي. قال: واللّه لئن لم تفعل ما قلت لأصيحنّ الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقولنّ: إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنّيها سرّا، وإنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل.
فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه. فقال: أمضي، لا بارك اللّه فيك. فمضى معه.
فلمّا صار إلى باب سكينة قرع الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج، ففتح الباب لهما، ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء؟ قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني. قالت: أجل، فتحدّثا ساعة، وقصّ عليها ما صنع به أشعب، فضحكت، وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه، وأمرت لأشعب بعشرين دينارا وكسوة. ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين؟ قال: المنزل، قالت: برئت من جدّي إن برحت داري ثلاثا، وبرئت من جدّي إن أنت لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدّي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدّي إن حنثت في يميني أو شفّعت فيك أحدا.
فقال عبيد: واسخنة عيناه! واذهاب دنياه! وافضيحتاه! ثم اندفع يغنّي:
أستعين الذي بكفّيه نفعيورجائي على التي قتلتني
الصوت المذكور آنفا. فقالت له سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر؟ ثم أخرجت دملجا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت به إليه، ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل ذلك.
ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزّة فاقرئها مني السلام، وأعلمها أنّ عبيدا عندنا، فلتأتنا متفضّلة بالزيارة.
فأتاها أشعب فأعلمها، فأسرعت المجيء، فتحدّثوا باقي ليلتهم. ثم أمرت عبيدا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها.
فلما أصبحت هيّىء لهم غداؤهم، وأذنت لابن سريج فدخل فتغدّى قريبا منها مع أشعب ومواليها، وقعدت هي مع عزّة وخاصّة جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّ، إن رأيت أن تغنّينا فافعلي. قالت: إي وعيشك.
فتغنّت لحنها في شعر عنترة العبسيّ:
حيّيت من طلل تقادم عهدهأقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنمازمّت ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت واللّه يا عزّة! وأخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمته إلى عزّة، وقالت: صيّري هذا في يدك، ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غنّنا. فقال: حسبك ما سمعت البارحة. فقالت: لا بدّ أن تغنينا في كلّ يوم لحنا. فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غنّى:
قالت: من أنت؟ - على ذكر - فقلت لها:أنا الذي ساقه للحين مقدار
قد حان منك - فلا تبعد بك الدار -بين وفي البين للمتبول إضرار
ثم قالت لعزّة في اليوم الثاني: غنّي، فغنّت لحنها في شعر الحارث بن خالد - ولابن محرز فيه لحن -، ولحن عزّة أحسنهما:
وقرّت بها عيني، وقد كنت قبلهاكثير البكاء مشتفقا من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعةتظلّ النصارى حوله يوم عيدها
قال ابن سريج: واللّه ما سمعت مثل هذا قطّ حسنا ولا طيبا.
ثم قالت لابن سريج: هات، فاندفع يغنّي:
أرقت فلم أنم طرباوبتّ مسهّدا نصبا
لطيف أحبّ خلق اللّهإنسانا وإن غضبا
فلم أردد مقالتهاولم أك عاتبها عتبا
ولكن صرّمت تحبليفأمسى الحبل منقضبا
فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا، وقد شفّعناك، ولم نردّك. وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام، فاذهب في حفظ اللّه وكلاءته.
ثم قالت لعزّة: إذا شئت. ودعت لها بحلّة، ولابن سريج بمثلها. فانصرفت عزّة، وأقام ابن سريج حتى انقضت ليلته، وانصرف، فمضى من وجهه إلى مكة راجعا.
أشعار وأصواتها.
نسبة الأصوات التي في هذا الخبر
منها:
صوت
حيّيت من طلل تقادم عهدهأقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
الشّعر لعنترة بن شدّاد العبسيّ. والغناء لعزّة الميلاء، وقد كتب ذلك في أول هذه القصيدة وسائر ما يغنيّ فيها.
ومنها:
صوت
أرقت فلم أنم طرباوبتّ مسهّدا نصبا
لطيف احبّ خلق اللّهإنسانا وإن غضبا
إلى نفسي، وأوجههموإن أمسى قد احتجبا
وصرّم حبلنا ظلمالبلغة كاشح كذبا
عروضه من الوافر. الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج، ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.
ومنها قوله:
صوت
قد حان منك - فلا تبعد بك الدار -بين وفي البين للمتبول إضرار
قالت: من أنت؟ - على ذكر - فقلت لها:أنا الذي ساقني للحين مقدار
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى.
ومنها الصوت الذي أوّله:
وقرّت بها عيني وقد كنت قبلها
أوله قوله:
صوت
لبشرة أسرى الطّيف والخبت دونهاوما بيننا من حزن أرض وبيدها
وقرّت بها عيني وقد كنت قبلهاكثيرا بكائي مشفقا من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعةتظلّ النصارى حولها يوم عيدها
الشعر للحارث بن خالد المخزوميّ، والغناء لمعبد، خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى.
وذكر إسحاق هذه الطريقة في هذا الصّوت ولم ينسبها إلى أحد، ولابن محرز في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، وفيها لعزّة الميلاء خفيف رمل.
وبشرة هذه - التي ذكرها الحارث بن خالد - أمة كانت لعائشة بنت طلحة، وكان الحارث يكنى عن ذكر عائشة بها، وله فيها أشعار كثيرة.
منها مما يغنّي فيه قوله:
صوت
يا ربع بشرة بالجناب تكلّموأبن لنا خبرا ولا تستعجم
ما لي رأيتك بعد أهلك موحشاخلقا كحوض الباقر المتهدّم
تسقي الضجيع إذا النجوم تغوّرتطوع الضجيع وغاية المتوسّم
قبّ البطون أوانس شبه الدّمىيخلطن ذاك بعفّة وتكرّم
عروضه من الكامل، والشعر للحارث بن خالد، والغناء لمعبد، ولحنه من خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق.
وفيه أيضا ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق في رواية عمرو، ومنها:
صوت
يا ربع بشرة إن أضرّ بك البلىفلقد عهدتك آهلا معمورا
عقب الرّذاذ خلافه فكأنمابسط الشّواطب بينهنّ حصيرا
غنّاه ابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، عن إسحاق، وفيه لحن لمالك، وقيل: بل هو لابن محرز. وعروضه من الكامل.
وقوله: «عقب الرّذاذ خلافه» يقول: جاء الرذاذ بعده، ومنه يقال: عقب لفلان غنى بعد فقر. وعقب الرجل أباه، إذا قام بعده مقامه. وعواقب الأمور مأخوذة منه، واحدتها عاقبة. والرذاذ: صغار المطر. وقوله خلافه: أي بعده. قالل متمم بن نويرة:
وفقدي بني أمّ تداعوا فلم أكنخلافهم أن أستكين وأضرعا
أي بعدهم. والشّواطب: النساء اللواتي يشطبن لحاء السّعف يعملن منه الحصر، ومنه السيف المشطّب.
والشّطيبة: الشّعبة من الشيء، ويقال: بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا، أي قطعة.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: كانت مغنّية تختلف إلى صديق لها، فأتته يوما، فوجدته مريضا لا حراك به، فدعت بالعود وغنّت:
يا ربع بشرة إن أضر بك البلىفلقد عهدتك آهلا معمورا
ومما يغنّي به فيه من هذه الأبيات الرائية:
صوت
أعرفت أطلال الرّسوم تنكّرتبعدي وغيّر آيهنّ دثورا
وتبدّلت بعد الأنيس بأهلهاعفر البواقر يرتعين وعورا
من كل مصبية الحديث ترى لهاكفلا كرابية الكثيب وثيرا
الأطلال: ما شخص من آثار الدّيار. الرسوم: البقايا من الديار، وهي دون الأطلال وأخفى منها. وتنكّرت: تغيّرت. والدّاثر: الدارس. والعفر: الظباء، واحدها أعفر. والوعور: المواضع التي لا أنيس فيها. والرّبية: الأرض المشرفة، وهي دون الجبل. والكثيب: القطعة العالية المرتفعة من الرّمل، جمعها كثب. والوثير: التامّ المرتفع، يقال: فراش وثير إذا كان مرتفعا عن الأرض.
لإسحاق الموصليّ في البيتين الأوّلين ثاني ثقيل بالبنصر، ولإبراهيم فيها خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى، ولطويس فيهما خفيف ثقيل. وقيل: إنه ليس له. ولابن سريج في الثالث ثم الأول خفيف رمل، وقيل: بل هو لخليدة المكّيّة. وفي البيت الأول والثاني لمالك رمل بالوسطى، وقيل: الرمل لطويس، وخفيف الثقيل لمالك. ولمعبد في هذا الصوت لحنان: أحدهما ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، والآخر خفيف ثقيل أول.
ومنها:
صوت
يا دار حسّرها البلى تحسيراوسفت عليها الريح بعدك مورا
دقّ التراب بخيلها فمخيّمبعراصها ومسيّر تسييرا
غنّى في هذين البيتين ابن مسجح خفيف ثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى. وللغريض في: «أعرفت أطلال الرسوم» وما بعده ثقيل أول بالبنصر، وللغريض أيضا ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.
حسّرها: أذهب معالمها، ومنه حسر الرجل عن ذراعه وعن رأسه إذا كشفهما. وحسر الصلع شعر الرأس، إذا حصّه. والمور: التراب، والمخيّم: المقيم.
ومنها صوت، أوله:
من كلّ مصيبة الحديث ترى لهاكفلا كرابية الكثيب وثيرا
يفتنّ - لا يألون - كلّ مغفّليملأنه بحديثهنّ سرورا
ومنها:
صوت
دع ذا ولكن هل رأيت ظعائناقرّبن أجمالا لهنّ قحورا؟!
قرّبن كلّ مخيّس متحمّلبزلا تشبّه هامهنّ قبورا
القحور: واحدها قحر، وهو المسنّ. والمخيّس: المحبوس للرحلة. والمتحمّل: معتاد الحمل.
وفي هذه الأربعة الأبيات للغريض اللّحن الذي ذكرناه. ولابن جامع في:
دع ذا ولكن هل رأيت ظعائنا
والذي بعده ثاني ثقيل بالوسطى.
ومنها:
صوت
إن يمس حبلك بعد طول تواصلخلقا ويصبح بيتكم مهجورا
فلقد أراني - والجديد إلى بلى -زمنا بوصلك راضيا مسرورا
جذلا بمالي عندكم لا أبتغيللنفس بعدك خلّة وعشيرا
كنت الهوى وأعزّ من وطىء الحصاعندي، وكنت بذاك منك جديرا
لإبراهيم الموصليّ، ويحيى المكّيّ في هذه الأبيات لحنان، كلاهما من الثقيل الثاني؛ فلحن إبراهيم بالوسطى، ولحن يحيى بالبنصر، ولإسحاق فيهما رمل. وقيل: إنّ لابن سريج فيهما أيضا لحنا آخر.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: حدثني رجل من أهل البصرة، قال: اشتريت جارية مغنيّة، عندي زمنا وهويتني، وكرهت أن يراها أهلي، فعرضتها للبيع، فجزعت، وقالت: لقد اشتريتني وأنا لك كارهة، وإنك لتبيعني وأنا لذلك كارهة. فقال أخ لي: أرنيها، فقلت: هي عند فلانة، فانظر إليها، فأتاها فنظر إليها وأنا حاضر، فلما اعترضها وفرغ من ذلك غنّت:
إن يمس حبلك بعد طول تواصلخلقا ويصبح بيتكم مهجورا
فلقد أراني - والجديد إلى بلى -زمنا بوصلك راضيا مسرورا
ثم بكت، وضربت بالعود الأرض فكسرته، فخيّرتها بين أنّ أعتقها أو أبيعها ممن شاءت، فاختارت البيع، وطلبت موضعا ترضاه حتى أصابته، فصيّرتها إليه.
أخبرني يحيى بن عليّ، قال: حدثني أبو أيوب المدائني، قال: حدثني إبراهيم بن علي بن هشام، قال: حدثتني جارية يقال لها طباع - جارية محمد بن سهل بن فرخنّد - قالت: غنيت إسحاق في لحنه:
أعرفت أطلال الرسوم تنكرتبعدي…
فأنكر عليّ في مقاطعة شيئا، وقال: ممن أخذته؟ فقلت: من مخارق، فقال لي: تعثّر الجواد بل هو كما أقول لك، وردّه عليّ، فهو يقال كما يقول مخارق، وكما غيّره إسحاق.
صوت
أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السّماك والأسد
فجّعني الرّعد والصّواعق بالفارس يوم الكريهة النّجد
يا عين هلّا بكيت أربد إذقمنا وقام الخصوم في كبد
إن يشغبوا لا يبال شغبهمأو يقصدوا في الخصام يقتصد
عروضه من المنسرح.
النّجد: البطل ذو النّجدة. وقال الأصمعيّ في النّجد مثل ذلك. وقال: النّجد - بكسر الجيم -: الذي قد عرق جدّا. والكبد: الثبات والقيام.
الشعر للبيد بن ربيعة، والغناء للأبجر، رمل بالبنصر عن عمرو بن بانة. ولإبراهيم فيها رمل آخر بالوسطى في مجراها عن إسحاق، أوّله الثالث والرابع ثم الأول والثاني، وذكرت بذل أنّ في الثالث والرابع لحنا لحنين بن محرز.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع