من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر لإسحاق وابن هشام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وهذا الشعر يقوله في عليّ بن هشام أيام كان إسحاق بالبصرة، وله إليه رسالة حسنة، هذا موضع ذكرها، أخبرنا بها عليّ بن يحيى المنجّم، عن أبيه، ووقعت إلينا من عدّة وجوه:
أن إسحاق كتب إلى عليّ بن هشام: «جعلت فداك! بعث إليّ أبو نصر مولاك بكتاب منك إليّ يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، فلو لا ما أعرف من معانيه لظننت أنّ الرسول غلط بي فيه، فما لنا ولك يا عبد اللّه، تدعنا حتى إذا أنسينا الدنيا وأبغضناها، ورجونا السلامة من شرّها، أفسدت قلوبنا وعلّقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا، ولا أنت تتركنا؛ فبأيّ شيء تستحلّ هذا! فأما ما ذكرته من شوقك إليّ فلولا أنك حلفت عليه لقلت:
يا من شكا عبثا إلينا شوقهشكوى المحبّ وليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقا إليّ تريدنيما طبت نفسا ساعة بفراقي
وحفظتني حفظ الخليل خليلهووفيت لي بالعهد والميثاق
هيهات قد حدثت أمور بعدناوشغلت باللذّات عن إسحاق
وقد تركت - جعلت فداك - ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره، وقلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد، وأستقبل الشّمال، وأتنسّم أرواحكم فيها، ثم يكون ما اللّه أعلم به، وإن كنت تكرهها تركتها إن شاء اللّه:
ألا قد أرى أنّ الثّواء قليلوأن ليس يبقى للخليل خليل
وإني وإن مكّنت في العيش حقبةكذي سفر قد حان منه رحيل
فهل لي إليّ أن تنظر العين مرّةإلى ابن هشام في الحياة سبيل؟!
فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرةوفي النفس منه حاجة وغليل
وأمّا بعد، فإني أعلم أنك - وإن لم تسل عن حالي - تحبّ أن تعلمها وأن تأتيك عنّي سلامة؛ فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن، مريض القلب.
وبعد: فأنا - جعلت فداك - في صنعة كتاب مليح ظريف، فيه تسمية القوم ونسبهم وبلادهم، وأسبابهم وأزمنتهم، وما اختلفوا فيه من غنائهم، وبعض أحاديثهم، وأحاديث قيان الحجاز والكوفة والبصرة المعروفات والمذكورات، وما قيل فيهنّ من الأشعار، ولمن كنّ، وإلى من صرن، ومن كان يغشاهنّ، ومن كان يرخّص في السماع من الفقهاء والأشراف، فأعلمني رأيك فيما تشتهي لأعمل على قدر ذلك، إن شاء اللّه.
وقد بعثت إليك بأنموذج، فإن كان كما قال القائل: «قبح اللّه كلّ دنّ أوّله درديّ»، لم نتجشّم إتمامه، وربحنا العناء فيه، وإن كان كما قال العربيّ: «إن الجواد عينه فراره» أعلمتنا؛ فأتممناه مسرورين بحسن رأيك فيه، «إن شاء اللّه».
وهذا مما يدلّ على أنّ «كتاب الأغاني» المنسوب إلى إسحاق ليس له؛ وإنما ألف ما رواه حماد ابنه عنه من دواوين القدماء، غير مختلط بعضها ببعض.
وكان إسحاق يألف عليّا وأحمد ابني هشام وسائر أهلهما إلفا شديدا، ثم وقعت بينهم نبوة ووحشة في أمر لم يقع إلينا إلّا لمعا غير مشروحة، فهجاهم هجاء كثيرا، وانفرجت الحال بينه وبينهم.
فأخبرني محمد بن خلف وكيع ويحيى بن عليّ بن يحيى وغيرهما، عن أبي أيوب سليمان المدينيّ، عن مصعب، قال: قال لي أحمد بن هشام: أما تستحي أنت وصباح بن خاقان، وأنتما شيخان من مشايخ المروءة والعلم والأدب أن شبّب بذكركما إسحاق في الشعر، وهو مغنّ مذكور، فيقول:
قد نهانا مصعب وصباحفعصينا مصعبا وصباحا
عذلا ما عذلا أم ملامافاسترحنا منهما فاستراحا
ويروى:
علما في العذل أم قد ألاما
ويروى:
عذلا عذلهما ثم أناما
فقلت: إن كان فعل فما قال إلّا خيرا، إنما ذكر أنّا نهيناه عن خمر شربها، وامرأة عشقها، وقد أشاد باسمك في الشعر بأشدّ من هذا، قال: وما هو؟ قلت: قوله:
وصافية تغشى العيون رقيقةرهينة عام في الدّنان وعام
أدرنا بها الكأس الرّويّة موهنامن الليل حتى انجاب كلّ ظلام
فما ذرّ قرن الشّمس حتى كأننامن العيّ نحكي أحمد بن هشام
قال: أو قد فعل العاضّ بظر أمّه! قلت: إي واللّه لقد فعل.
إلى هاهنا رواية مصعب.
ووجدت هذا الخبر في غير روايته، وفيه زيادة قد ذكرتها، قال: فآلى أحمد بن هشام أن يبلغ فيه كلّ مبلغ يقدر عليه، وأن يجتهد في اغتياله.
قال إسحاق: حضرت بدار الخليفة، وحضر عليّ بن هشام، فقال لي: أتهجو أخي وتذكره بما لغني من القبيح؟ فقلت: أو يتعرّض أخوك لي ويتوعّدني! فو اللّه ما أبالي بما يكون منه؛ لأني أعلم أنه لا يقدر لي على ضرّ، والنفع فلا أريده منه، وأنا شاعر مغنّ، واللّه لأهجونّه بما أفرى به جلده، وأهتك مروءته، ثم لأغنينّ في أقبح ما أقوله فيه غناء تسري به الرّكبان. فقال لي: أو تهب لي عرضه، وأصلح بينكما؟ فقلت: ذاك إليك. وإن فعلته فلك لا له. ففعل ذلك، وفعلته به.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدثني محمد بن يزيد النحويّ، قال: كان صباح بن خاقان المنقريّ نديما لمصعب الزّبيري، فقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة - وكان خليعا من أهل البصرة -:
من يكن إبطه كآباط ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح
لي أبطان يرميان جليسيبشبيه السّلاح بل بالسّلاح
فكأنّي من نتن هذا وهذاجالس بين مصعب وصباح
أخبرني عليّ بن يحيى المنجم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني إسحاق، قال: دخلت على الفضل بن الربيع يوما، فقال: ما عندك؟ قلت: بيتان أرجو أن يكونا فيما يستطرف، وأنشدته:
سنغضي عن المكروه من كلّ ظالمونصبر حتى يصنع اللّه بالفضل
فتنتصر الأحرار ممّن يصيمهاوتدرك أقصى ما تطالب من ذحل
قال: فدمعت عينه، وقال: من آذاك لعنه اللّه؟ فقلت: بنو هاشم، وأخبرته الخبر.
قال يحيى بن علي: ولم يذكر بأي شيء أخبره.
صوت
قد حصّت البيضة رأسي فماأطعم نوما غير تهجاع
أسعى على جلّ بني مالككلّ امرىء في شأنه ساع
من يذق الحرب يجد طعمهامرّا، وتتركه بجعجاع
لا نألم القتل ونجزي به الأعداء كيل الصّاع بالصّاع
الشعر لأبي قيس بن الأسلت، والغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل أول. وقيل: بل هو لمعبد.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع