من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب أبي قيس بن الأسلت وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو قيس لم يقع إليّ اسمه غير ابن الأسلت، والأسلت لقب أبيه، واسمه عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عمارة بن مرّة بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر.
وهو شاعر من شعراء الجاهلية، وكانت الأوس قد أسندت إليه حربها، وجعلته رئيسا عليها، فكفى وساد.
وأسلم ابنه عقبة بن أبي قيس، واستشهد يوم القادسيّة.
وكان يزيد بن مرداس السّلميّ أخو عباس بن مرداس الشاعر قتل قيس بن أبي قيس بن الأسلت في بعض حروبهم، فطلبه بثأره هارون بن النعمان بن الأسلت، حتى تمكّن من يزيد بن مرداس، فقتله بقيس بن أبي قيس، وهو ابن عمه.
ولقيس يقول أبوه أبو قيس بن الأسلت:
أقيس إن هلكت وأنت حيّفلا تعدم مواصلة الفقير
وهذا الشّعر الذي فيه الغناء يقوله أبو قيس في خرب بعاث.
قال هشام بن الكلبي: كانت الأوس قد أسندوا أمرهم في يوم بعاث إلى أبي قيس بن الأسلت الوائليّ، فقام في حربهم وآثرها على كلّ أمر حتى شحب وتغيّر، ولبث أشهرا لا يقرب امرأة. ثم إنه جاء ليلة فدقّ على امرأته، وهي كبشة بنت ضمرة بن مالك بن عديّ بن عمرو بن عوف، ففتحت له؛ فأهوى إليها بيده فدفعته، وأنكرته، فقال: أنا أبو قيس! فقالت: واللّه ما عرفتك حتى تكلّمت. فقال في ذلك أبو قيس هذه القصيدة، وأولها:
قالت ولم تقصد لقيل الخنا:مهلا فقد أبلغت أسماعي
استنكرت لونا له شاحباوالحرب غول ذات أوجاع
من يذق الحرب يجد طعمهامرّا وتتركه بجعجاع
فأما السبب في هذا اليوم - وهو يوم بعاث - فيما أخبرني به محمد بن جرير الطبريّ، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازيّ، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، وأضفت إليه ما ذكره ابن الكلبيّ عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي عبيدة، عن محمد بن عمّار بن ياسر، وعن عبد الرحمن بن سليمان بن عبد اللّه بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب:
أنّ الأوس كانت استعانت ببني قريظة والنّضير في حروبهم التي كانت بينهم وبين الخزرج، وبلغ ذلك الخزرج، فبعثت إليهم: إنّ الأوس فيما بلغنا قد استعانت بكم علينا، ولن يعجزنا أن نستعين بأعدادكم وأكثر منكم من العرب، فإن ظفرنا بكم فذاك ما تكرهون، وإن ظفرتم لم ننم عن الطّلب أبدا، فتصيروا إلى ما تكرهون، ويشغلكم من شأننا ما أنتم الآن منه خالون، وأسلم لكم من ذلك أن تدعونا وتخلّوا بيننا وبين إخواننا.
فلما سمعوا ذلك علموا أنه الحقّ؛ فأرسلوا إلى الخزرج: إنه قد كان الذي بلغكم، والتمست الأوس نصرنا، وما كنا لننصرهم عليكم أبدا. فقالت لهم الخزرج: فإن كان ذلك كذلك فابعثوا إلينا برهائن تكون في أيدينا. فبعثوا إليهم أربعين غلاما منهم، ففرّقهم الخزرج في دورهم فمكثوا بذلك مدة.
ثم إنّ عمرو بن النعمان البياضيّ قال لقومه بياضة: إنّ عامرا أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، وإنه واللّه لا يمسّ رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنّضير على عذب الماء وكريم النّخل. ثم راسلهم: إمّا أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها، وإمّا أن نقتل رهنكم، فهمّوا أن يخرجوا من ديارهم، فقال لهم كعب بن أسد القرظيّ: يا قوم، امنعوا دياركم، وخلّوه يقتل الرّهن، واللّه ما هي إلّا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته حتّى يولد له غلام مثل أحد الرّهن.
فاجتمع رأيهم على ذلك، فأرسلوا إلى عمرو بألّا نسلّم لكم دورنا، وانظروا الذي عاهدتمونا عليه في رهننا، فقوموا لنا به، فعدا عمرو بن النّعمان على رهنهم هو ومن أطاعه من الخزرج، فقتلوهم وأبى عبد اللّه بن أبيّ - وكان سيّدا حليما - وقال: هذا عقوق ومأثم وبغي؛ فلست معينا عليه، ولا أحد من قومي أطاعني. وكان عنده في الرّهن سليم بن أسد القرظيّ - وهو جدّ محمد بن كعب القرظيّ - فخلّى عنه، وأطلق ناس من الخزرج نفرا فلحقوا بأهليهم، فناوشت الأوس الخزرج يوم قتل الرهن شيئا من قتال غير كبير.
واجتمعت قريظة والنّضير إلى كعب بن أسد، أخي بني عمرو بن قريظة، ثم توامروا أن يعينوا الأوس على الخزرج؛ فبعث إلى الأوس بذلك.
ثمّ أجمعوا عليه، على أن ينزل كلّ أهل بيت من النّبيت على بيت من قريظة والنضير، فنزلوا معهم في دورهم، وأرسلوا إلى النّبيت يأمرونهم بإتيانهم، وتعاهدوا ألّا يسلموهم أبدا، وأن يقاتلوا معهم حتى لا يبقى منهم أحد. فجاءتهم النّبيت فنزلوا مع قريظة والنّضير في بيوتهم، ثم أرسلوا إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج، فأجابوهم إلى ذلك. فاجتمع الملأ منهم، واستحكم أمرهم، وجدّوا في حربهم، ودخلت معهم قبائل من أهل المدينة، منهم بنو ثعلبة - وهم من غسان - وبنو زعوراء، وهم من غسّان.
فلما سمعت بذلك الخزرج اجتمعوا، ثم خرجوا، وفيهم عمرو بن النعمان البياضيّ، وعمرو بن الجموح السّلميّ، حتى جاءوا عبد اللّه بن أبيّ، وقالوا له: قد كان الذي بلغك من أمر الأوس وأمر قريظة والنّضير واجتماعهم على حربنا، وإنّا نرى أن نقاتلهم، فإن هزمناهم لم يحرز أحد منهم معقله ولا ملجأه حتى لا يبقى منهم أحد.
فلما فرغوا من مقالتهم قال عبد اللّه بن أبيّ خطيبا وقال: إنّ هذا بغي منكم على قومكم وعقوق، وو اللّه ما أحبّ أنّ رجلا من جراد لقيناهم.
وقد بلغني أنهم يقولون: هؤلاء قومنا منعونا الحياة أفيمنعوننا الموت! واللّه إني أرى قوما لا ينتهون أو يهلكوا عامّتكم، وإني لأخاف إن قاتلوكم أن ينصروا عليكم لبغيكم عليهم، فقاتلوا قومكم كما تقاتلونهم، فإذا ولّوا فخلّوا عنهم، فإذا هزموكم فدخلتم أدنى البيوت خلّوا عنكم. فقال له عمرو بن النعمان: انتفخ واللّه سحرك يا أبا الحارث حين بلغك حلف الأوس قريظة والنضير! فقال عبد اللّه: واللّه لا حضرتكم أبدا، ولا أحد أطاعني أبدا، ولكأني أنظر إليك قتيلا تحملك أربعة في عباءة.
وتابع عبد اللّه بن أبيّ رجال من الخزرج، منهم عمرو بن الجموح الحراميّ. واجتمع كلام الخزرج على أن رأسوا عليهم عمرو بن النعمان البيّاضيّ، وولّوه أمر حربهم، ولبثت الأوس والخزرج أربعين ليلة يتصنّعون للحرب، ويجمع بعضهم لبعض، ويرسلون إلى خلفائهم من قبائل العرب.
فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع، فكان الذي ذهب إلى أشجع ثابت بن قيس بن شمّاس، فأجابوه، وأقبلوا إليهم، وأقبلت جهينة إليهم أيضا. وأرسلت الأوس إلى مزينة، وذهب حضير الكتائب الأشهليّ إلى أبي قيس بن الأسلت، فأمره أن يجمع له أوس اللّه، فجمعهم له أبو قيس، فقام حضير، فاعتمد على قوسه، وعليه نمرة تشفّ عن عورته، فحرّضهم وأمرهم بالجدّ في حربهم، وذكر ما صنعت بهم الخزرج من إخراج النّبيت وإذلال من تخلّف من سائر الأوس، في كلام كثير.
فجعل كلّما ذكر ما صنعت بهم الخزرج وما ركبوه منهم يستشيط ويحمى، وتقلص خصيتاه، حتى تغيبا، فإذا كلّموه بما يحبّ تدلّتا حتى ترجعا إلى حالهما. فأجابته أوس اللّه بالذي يحبّ من النّصرة والموازرة والجدّ في الحرب.
قال هشام: فحدثني عبد المجيد بن أبي عيسى، عن خير، عن أشياخ من قومه: أن الأوس اجتمعت يومئذ إلى حضير بموضع يقال له الجباة، فأجالوا الرّأي، فقالت الأوس: إن ظفرنا بالخزرج لم نبق منهم أحدا ولم نقاتلهم كما كنا نقاتلهم. فقال حضير: يا معشر الأوس؛ ما سمّيتم الأوس إلّا لأنكم تؤوسون الأمور الواسعة. ثم قال:
يا قوم قد أصبحتم دوارالمعشر قد قتلوا الخيارا
يوشك أن يستأصلوا الدّيارا
قال: ولما اجتمعت بالجباة طرحوا بين أيديهم تمرا، وجعلوا يأكلون وحضير الكتائب جالس، وعليه بردة له قد اشتمل بها الصمّاء، وما يأكل معهم، ولا يدنو إلى التمر غضبا وحنقا.
فقال: يا قوم، اعقدوا لأبي قيس بن الأسلت. فقال لهم أبو قيس: لا أقبل ذلك؛ فإني لم أرأّس على قوم في حرب قطّ إلّا هزموا وتشاءموا برياستي. وجعلوا ينظرون إلى حضير واعتزاله أكلهم واشتغاله بما هم فيه من أمر الحرب، وقد بدت خصيتاه من تحت البرد، فإذا رأى منهم ما يكره من الفتور والتخاذل تقلّصتا غيظا وغضبا، وإذا رأى منهم ما يحبّ من الجدّ والتشمير في الحرب عادتا لحالهما.
وأجابت إلى ذلك أوس مناة، وجدّوا في الموازرة والمظاهرة. وقدمت مزينة على الأوس، فانطلق حضير وأبو عامر الراهب بن صيفيّ إلى أبي قيس بن الأسلت، فقالا: قد جاءتنا مزينة، واجتمع إلينا من أهل يثرب ما لا قبل للخزرج به، فما الرّاي إن نحن ظهرنا عليهم: الإنجاز أم البقيّة؟ فقال أبو قيس: بل البقيّة، فقال أبو عامر: واللّه لوددت أنّ مكانهم ثعلبا ضبّاحا. فقال أبو قيس: اقتلوهم حتى يقولوا: بزا بزا - كلمة كانوا يقولونها إذا غلبوا - فتشاجروا في ذلك، وأقسم حضير ألّا يشرب الخمر أو يظهر ويهدم مزاحما أطم عبد اللّه بن أبيّ.
فلبثوا شهرين يعدّون ويستعدّون، ثم التقوا ببعاث، وتخلّف عن الأوس بنو حارثة بن الحارث، فبعثوا إلى الخزرج: إنّا واللّه ما نريد قتالكم. فبعثوا إليهم أن ابعثوا إلينا برهن منكم يكونون في أيدينا، فبعثوا إليهم اثني عشر رجلا، منهم خديج، أبو رافع بن خديج.
وبعاث: من أموال بني قريظة، فيها مزرعة يقال لها قورى؛ فلذلك تدعى بعاث الحرب.
وحشد الحيّان فلم يتخلف عنهم إلّا من لا ذكر له. ولم يكونوا حشدوا قبل ذلك في يوم التقوا فيه، فلما رأت الأوس الخزرج أعظموهم، وقالوا لحضير: يا أبا أسيد، لو حاجزت القوم، وبعثت إلى من تخلّف من حلفائك من مزينة! فطرح قوسا كانت في يده، ثم قال: أنتظر مزينة، وقد نظر إليّ القوم ونظرت إليهم! الموت قبل ذلك.
ثم حمل وحملوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الأوس حين وجدوا مسّ السلاح، فولّوا مصعدين في حرّة قورى نحو العويض، وذلك وجه طريق نجد.
فنزل حضير، وصاحب بهم الخزرج: أين الفرار؟ ألا إنّ نجدا سنة - أي مجدب - يعيّرونهم.
فلما سمع حضير طعن بسنان رمحه فخذه، ونزل وصاح: واعقراه! واللّه لا أريم حتى أقتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا.
فتعطّفت عليه الأوس، وقام على رأسه غلامان من بني عبد الأشهل، يقال لهما: محمود ولبيد - ابنا خليفة بن ثعلبة - وهما يومئذ معرسان ذوا يطش، فجعلا يرتجزان ويقولان:
أيّ غلامي ملك ترانافي الحرب إذ دارت بنا رحانا
فقاتلا حتى قتلا، وأقبل سهم حتى أصاب عمرو بن النعمان رأس الخزرج فقتله، لا يدرى من رمى به، إلّا أنّ بني قريظة تزعم أنه سهم رجل يقال له أبو لبابة، فقتله.
فبينا عبد اللّه بن أبيّ يتردّد على بغلة له قريبا من بعاث، يتحسّس أخبار القوم، إذ طلع عليه بعمرو بن النّعمان ميّتا في عباءة، يحمله أربعة إلى داره. فلما رآه عبد اللّه بن أبيّ قال: من هذا؟ قالوا: عمرو بن النعمان. قال: ذق وبال العقوق.
وانهزمت الخزرج، ووضعت الأوس فيهم السّلاح، وصاح صائح: يا معشر الأوس، أسجحوا ولا تهلكوا إخوتكم فجوارهم خير من جوار الثّعالب.
فتناهت الأوس، وكفّت عن سلبهم بعد إثخان فيهم، وسلبتهم قريظة والنّضير، وحملت الأوس حضيرا من الجراح التي به، وهم يرتجزون حوله ويقولون:
كتيبة زيّنها مولاهالا كهلها هدّ ولا فتاها
وجعلت الأوس تحرّق على الخزرج نخلها ودورها؛ فخرج سعد بن معاذ الأشهليّ حتى وقف على باب بني سلمة، وأجارهم وأموالهم جزاء لهم بيوم الرّعل، وكان للخزرج على الأوس يوم يقال له يوم مغلّس ومضرّس. وكان سعد بن معاذ حمل يومئذ جريحا إلى عمرو بن الجموح الحراميّ، فمنّ عليه وأجاره وأخاه يوم رعل، وهو على الأوس، من القطع والحرق، فكافأه سعد بمثل ذلك في يوم بعاث.
وأقسم كعب بن أسد القرظيّ ليذلّنّ عبد اللّه بن أبيّ، وليحلقنّ رأسه تحت مزاحم؛ فناداه كعب: انزل يا عدوّ اللّه. فقال له عبد اللّه: أنشدك اللّه وما خذّلت عنكم. فسأل عما قال، فوجده حقّا، فرجع عنه.
وأجمعت الأوس على أن تهدم مزاحما أطم عبد اللّه بن أبيّ، وحلف حضير ليهدمنّه، فكلّم فيه، فأمرهم أن يريثوا فيه، فحفروا فيه كوّة. وأفلت يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن قيس بن شمّاس أخا بني الحارث بن الخزرج، وهي النعمة التي كافأه بها ثابت في الإسلام يوم بني قريظة.
وخرج حضير الكتائب وأبو عامر الراهب حتى أتيا قيس بن الأسلب بعد الهزيمة، فقال له حضير: يا أبا قيس؛ إن رأيت أن تأتي الخزرج قصرا قصرا ودارا دارا، نقتل ونهدم، حتى لا يبقى منهم أحد! فقال أبو قيس: واللّه لا نفعل ذلك؛ فغضب حضير، وقال: ما سمّيتم الأوس إلا لأنكم تؤوسون الأمر أوسا. ولو ظفرت منّا الخزرج بمثلها ما أقالوناها. ثم انصرف إلى الأوس، فأمرهم بالرجوع إلى ديارهم.
وكان حضير جرح يومئذ جراحة شديدة، فذهب به كليب بن صيفيّ بن عبد الأشهل إلى منزله في بني أميّة بن زيد، فلبث عنده أيّاما ثم مات من الجراحة التي كانت به، فقبره اليوم في بني أمية بن زيد.
وكان يهوديّ أعمى من بني قريظة يومئذ في أطم من آطامهم، فقال لابنة له: أشرفي على الأطم، فانظري ما فعل القوم، فأشرفت، فقالت: أسمع الصوت قد ارتفع في أعلى قورى، وأسمع قائلا يقول: اضربوا يا آل الخزرج. فقال: الدولة إذا على الأوس، لا خير في البقاء. ثم قال: ما ذا تسمعين؟ قالت: أسمع رجالا يقولون: يا آل الأوس، ورجالا يقولون: يا آل الخزرج. قال: الآن حمي القتال. ثم لبث ساعة، ثم قال: أشرفي فاسمعي، فأشرفت، فقالت: أسمع قوما يقولون:
نحن بنو صخرة أصحاب الرّعل
قال: تلك بنو عبد الأشهل، فظفرت واللّه الأوس - وصخرة أمّهم بنت مرّة بن ظفر أمّ بني عبد الأشهل - ثم وثب فرحا نحو باب الأطم فضرب رأسه بحلق بابه، وكان من حجارة فسقط فمات.
وكان أبو عامر قد حلف ليركزن رمحه في أصل مزاحم أطم عبد اللّه بن أبيّ، فخرجت جماعة من الأوس حتى أحاطوا به، وكانت تحت أبي عامر جميلة بنت عبد اللّه بن أبيّ، وهي أمّ حنظلة الغسيل بن أبي عامر، فأشرف عليهم عبد اللّه، فقال: إني واللّه ما رضيت هذا الأمر، ولا كان عن رأيي، وقد عرفتم كراهتي له، فانصرفوا عني، فقال أبو عامر: لا واللّه، لا أنصرف حتّى أركز لوائي في أصل أطمك.
فلمّا رأى حنظلة أنه لا ينصرف، قال لهم: إنّ أبي شديد الوجد بي، فأشرفوا بي عليه، ثم قولوا: واللّه لئن لم تنصرف عنّا لنرمينّ برأسه إليك. فقالوا ذلك له، فركز رمحه في أصل الأطم ليمينه ثم انصرف، فذلك قول قيس بن الخطيم:
صبحنا به الاطام حول مزاحمقوانس أولى بيضنا كالكواكب
وأسر أبو قيس بن الأسلت يومئذ مخلد بن الصامت الساعديّ أبا مسلمة بن مخلّد، اجتمع إليه ناس من قومه من مزينة ومن يهود، فقالوا: اقتله، فأبى، وخلّى سبيله، وأنشأ يقول:
أسرت مخلّدا فعفوت عنهوعند اللّه صالح ما أتيت
مزينة عنده ويهود قورىوقومي كلّ ذلكم كفيت
وقال خفاف بن ندبة، يرثي حضير الكتائب - وكان نديمه وصديقه -:
لو أنّ المنايا حدن عن ذي مهابةلهبن حضيرا يوم أغلق واقما
أطاف به حتى إذا الليل جنّةتبّوأ منه منزلا متناعما
وقال أيضا يرثيه:
أتاني حديث فكذّبتهوقيل: خليلك في المرمس
فيا عين بكّي حضير النّدىحضير الكتائب والمجلس
ويوم شديد أوار الحديدتقطّع منه عرى الأنفس
صليت به وعليك الحديد ما بين سلع إلى الأعرس
فأودى بنفسك يوم الوغىونقّى ثيابك لم تدنس
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني داود بن محمد بن جميل، عن ابن الأعرابيّ، قال: قال لي الهيثم بن عدي: كنّا جلوسا عند صالح بن حسان، فقال لنا: وأخبرني عمّي عن الكرانيّ، عن النوشجاني، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال: قال لنا صالح بن حسّان، وأخبرني به الأخفش عن المبرّد، قال: قال لي صالح بن حسّان:
أنشدوني بيتا خفرا في امرأة خفرة شريفة، فقلنا: قول حاتم:
يضيء لنا البيت الظليل خصاصهإذا هي يوما حاولت أن تبسّما
فقال: هذه من الأصنام، أريد أحسن من هذا. قلنا: قول الأعشى:
كأنّ مشيتها من بيت جارتهامرّ السحابة لا ريث ولا عجل
فقال: هذه خرّاجة ولّاجة كثيرة الاختلاف. قلنا: بيت ذي الرّمّة:
تنوء بأخراها فلأيا قيامهاوتمشي الهوينا من قريب فتبهر
فقال: هذا ليس ما أردت، إنما وصف هذه بالسمن، وثقل البدن. فقلنا: ما عندنا شيء. فقال: قول أبي قيس بن الأسلت:
ويكرمها جاراتها فيزرنهاوتعتلّ عن إتيانهنّ فتعذر
وليس لها أن تستهين بجارةولكنها منهنّ تحيا وتخفر
ثم قال: أنشدوني أحسن بيت وصفت به الثريّا. قلنا: بيت ابن الزّبير الأسديّ:
وقد لاح في القور الثّريّا كأنمابه راية بيضاء تخفق للطّعن
قال: أريد أحسن من هذا، قلنا: بيت امرىء القيس:
إذا ما الثريّا في السماء تعرّضتتعرض أثناء الوشاح المفصّل
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيت ابن الطّثريّة:
إذا ما الثريّا في السماء كأنهاجمان وهى من سلكه فتسرّعا
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: ما عندنا شيء. قال: قول أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاح في الصّبح الثريّا لمن رأىكعنقود ملّاحيّة حين نوّرا
قال: فحكم له عليهم في هذين المعنيين بالتقدم.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن طالب الديناريّ، قال: حدثني أبو عدنان، قال: حدثني الهيثم بن عديّ، قال: حدثني الضحاك بن زميل السّكسكيّ، قال: لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزّبير خطب الناس بالنّخيلة، فقال في خطبته: أيّها الناس، دعوا الأهواء المضلّة، والآراء المشتّتة، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين وأنتم لا تعملون بها؛ فقد جاريتمونا إلى السيف، فرأيتم كيف صنع اللّه بكم، ولا أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جراءة؛ فإني لا أزداد بعدها إلّا عقوبة، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال أبو قيس بن الأسلت:
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترةيصل بنار كريم غير غدّار
أنا النذير لكم منّي مجاهرةكي لا ألام على نهي وإعذار
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفواأن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لتتركنّ أحاديثا ملعّنةعند المقيم وعند المدلج السّاري
وصاحب الوتر ليس الدهر مدركهعندي وإني لطلّاب لأوتار
أقيم عوجته إن كان ذا عوجكما يقوّم قدح النّبعة الباري
صوت
ترفّع أيها القمر المنيرلعلّك أن ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حربليقتله كما زعم الأمير
ألا يا حجر حجر بني عديّتلقّتك السلامة والسرور
تنعّمت الجبابر بعد حجروطاب لها الخورنق والسّدير
الشعر لامرأة من كندة ترثي حجر بن عديّ صاحب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه.
والغناء لحكم الوادي رمل بالوسطى، وفيه لحنين هزج خفيف بالوسطى عن ابن المكي والهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع