تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عزة الميلاء

فيه ٥٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كانت عزّة مولاة للأنصار، ومسكنها المدينة، وهي أقدم من غنّى الغناء الموقّع من النساء بالحجاز، وماتت قبل جميلة، وكانت من أجمل النساء وجها، وأحسنهنّ جسما، وسمّيت الميلاء؛ لتمايلها في مشيها.

وقيل: بل كانت تلبس الملاء، وتشبّه بالرجال، فسمّيت بذلك. وقيل: بل كانت مغرمة بالشراب، وكانت تقول: خذ ملئا واردد فارغا - ذكر ذلك حمّاد بن إسحاق، عن أبيه.

والصحيح أنها سمّيت الميلاء لميلها في مشيتها.

قال إسحاق: ذكر لي ابن جامع، عن يونس الكاتب، عن معبد، قال: كانت عزّة الميلاء ممّن أحسنّ ضربا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغنّي أغاني القيان من القدائم، مثل سيرين، وزرنب، وخولة، والرباب، وسلمى، ورائقة، وكانت رائقة أستاذتها. فلما قدم نشيط وسائب خاثر المدينة غنّيا أغاني بالفارسية، فلقنت عزّة عنهما نغما، وألّفت عليها ألحانا عجيبة، فهي أوّل من فتن أهل المدينة بالغناء، وحرّض نساءهم ورجالهم عليه.

قال إسحاق: وقال الزّبير: إنه وجد مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزّة قالوا: للّه درّها! ما كان أحسن غناءها، ومدّ صوتها، وأندى حلقها، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي، وأجمل وجهها، وأظرف لسانها، وأقرب مجلسها، وأكرم خلقها، وأسخى نفسها، وأحسن مساعدتها.

قال إسحاق: وحدّثني أبي، عن سياط، عن معبد، عن جميلة، بمثل ذلك من القول فيها.

قال إسحاق: وحدثني أبي، عن يونس، قال: كان ابن سريج في حداثة سنّه يأتي المدينة، فيسمع من عزّة ويتعلّم غناءها، ويأخذ عنها، وكان بها معجبا، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المفضّلة على كلّ من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنّساء.

قال: وحدثني هشام بن المرّيّة أنّ ابن محرز كان يقيم بمكة ثلاثة أشهر، ويأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزّة، وكان يأخذ عنها.

قال إسحاق: وحدثني الجمحيّ، عن جرير المغنّي المديني، أنّ طويسا كان أكثر ما يأوي إلى منزل عزّة الميلاء، وكان في جوارها، وكان إذا ذكرها يقول: هي سيّدة من غنّى من النساء، مع جمال بارع، وخلق فاضل وإسلام لا يشوبه دنس؛ تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له، فناهيك ما كان أنبلها، وأنبل مجلسها!.

ثم قال: كانت إذا جلست جلوسا عامّا فكأنّ الطير على رؤوس أهل مجلسها، من تكلّم أو تحرك نقر رأسه.

قال ابن سلّام: فما ظنّك بمن يقول: فيه طويس هذا القول! ومن ذلك الذي سلم من طويس!.

قال إسحاق: وحدثني أبو عبد اللّه الأسلميّ، عن معبد: أنه أتى عزّة يوما وهي عند جميلة وقد أسنّت، وهي تغنّي على معزفة في شعر ابن الإطنابة، قال:

علّلاني وعلّلا صاحبيّاواسقياني من المروّق ريّا
للشاعر عمرو بن الإطنابة، اقرأ القصيدة

قال: فما سمع السامعون قطّ بشيء أحسن من ذلك. قال معبد: هذا غناؤها، وقد أسنّت، فكيف بها وهي شابّة!.

قال إسحاق: وذكر لي عن صالح بن حسّان الأنصاريّ، قال: كانت عزّة مولاة لنا، وكانت عفيفة جميلة، وكان عبد اللّه بن جعفر، وابن أبي عتيق، وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنّيهم. وغنّت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق معها، فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب! قال: إني سمعت واللّه ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي.

وقال إسحاق: وحدثني أبو عبد اللّه الأسلميّ المدنيّ، قال: كان حسّان بن ثابت معجبا بعزّة الميلاء، وكان يقدّمها على سائر قيان المدينة.

أخبرني حرميّ، عن الزبير، عن محمد بن الحسن المخزوميّ، عن محرز بن جعفر، قال: ختن زيد بن ثابت الأنصاري بنته، فأولم؛ فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامّة أهل المدينة، وحضر حسّان بن ثابت وقد كفّ بصره يومئذ، وثقل سمعه، وكان يقول إذا دعي: أعرس أم عذار؟ فحضر ووضع بين يديه خوان ليس عليه إلّا عبد الرحمن ابنه، فكان يسأله: أطعام يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جاءوا بالشّواء، فقال: طعام يدين؛ فأمسك يده حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة، وأقبلت الميلاء، وهي يومئذ شابّة، فوضع في حجرها مزهر، فضربت به، ثم تغنّت، فكان أوّل ما ابتدأت به شعر حسّان، قال:

فلا زال قبر بين بصرى وجلّقعليه من الوسميّ جود ووابل

فطرب حسّان، وجعلت عيناه تنضحان، وهو مصغ لها.

أخبرني ابن عبد العزيز الجوهريّ، عن ابن شبّة، عن الأصمعيّ، عن أبي الزناد، قال: قلت لخارجة بن زيد: أكان يكون هذا الغناء عندكم؟ قال: كان يكون في العرسات ولم يكن يشهد بما يشهد به اليوم من السّعة.

وكان في إخواننا بني نبيط مأدبة، فدعينا، وثمّ قينة أو قينتان تنشدان شعر حسّان بن ثابت، قال:

انظر خليلي بباب جلّق هلتبصر دون البلقاء من أحد؟؟

قال: وحسّان يبكي، وابنه يومىء إليهما أن زيدا؛ فإذا زادتا بكى حسّان، فأعجبني ما يعجبه من أن تبكيا أباه، وقد كفّ بصر حسّان بن ثابت يومئذ.

أخبرنا وكيع، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن الواقديّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: سمعت خارجة بن زيد يقول: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط، قال خارجة: فحضرتها، وحسّان بن ثابت قد حضرها، فجلسنا جميعا على مائدة واحدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فكان إذا أتى طعام سأل ابنه: أطعام يد أم يدين؟ يعني باليد الثّريد وباليدين الشّواء؛ لأنه ينهش نهشا، فإذا قال: طعام يدين أمسك يده. فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين: إحداهما رائقة والأخرى عزّة، فجلستا وأخذتا مزهريهما، وضربتا ضربا عجيبا، وغنّتا بقول حسّان:

انظر خليلي بباب جلّق هلتبصر دون البلقاء من أحد

فأسمع حسّانا يقول:

قد أراني بها سميعا بصيرا

وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء، وإذا غنّتا بكى، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكتتا يشير إليهما أن تغنّيا، فيبكي أبوه، فأقول: ما حاجته إلى إبكاء أبيه!.

قال الواقديّ: فحدّثت بهذا الحديث يعقوب بن محمد الظفريّ، فقال: سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان يقول: لما انقلب حسّان من مأدبة بني نبيط إلى منزله استلقى على فراشه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال: لقد أذكرتني رائقة وصاحبتها أمرا ما سمعته أذناي بعيد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم! فقلت: يا أبا الوليد! أكان القيان يكنّ عند جبلة؟، فبتسّم ثم جلس، فقال: لقد رأيت عشر قيان: خمس روميّات يغنّين بالروميّة بالبرابط، وخمس يغنّين غناء أهل الحيرة، وأهداهنّ إليه إياس بن قبيصة، وكان يفد إليه من يغنّيه من العرب من مكّة وغيرها، وكان إذا جلس للشرب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب، وأتي بالمسك الصحيح في صحاف الفضة، وأوقد له العود المندّى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا بطّن بالثّلج، وأتي هو وأصحابه بكسا صيفيّة يتفضّل هو وأصحابه بها في الصيف، وفي الشتاء الفراء الفنك، وما أشبهه، ولا واللّه ما جلست معه يوما قطّ إلّا خلع عليّ ثيابه التي عليه في ذلك اليوم، وعلى غيري من جلسائه، هذا مع حلم عمّن جهل، وضحك وبذل من غير مسألة، مع حسن وجه وحسن حديث، ما رأيت منه خنى قطّ ولا عربدة، ونحن يومئذ على الشّرك، فجاء اللّه بالإسلام فمحا به كلّ كفر، وتركنا الخمر وما كره، وأنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ من التّمر، والفضيخ من الزّهر والرّطب، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتى يصاحب صاحبته ويفارقها، وتضربون فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون!.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن أبي أيوب المدينيّ، عن مصعب الزبيريّ، عن الضحّاك، عن عثمان بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد مثله، وزاد فيه: فلما فرغنا من الطعام ثقل علينا جلوس حسّان، فأومأ ابنه إلى عزّة الميلاء فغنّت:

انظر خليلي بباب جلّق هلتبصر دون البلقاء من أحد

فبكى حسّان حتى سدر، ثم قال: هذا عمل الفاسق، أما لقد كرهتم مجالستي، فقبّح اللّه مجلسكم سائر اليوم، وقام فانصرف.

أخبرني حرميّ، عن الزبير، عن عمه مصعب، قال: ذكر هشام بن عروة، عن أبيه: أنه دعي إلى مأدبة في زمن عثمان، ودعي حسّان ومعه ابنه عبد الرحمن، ثم ذكر نحو ما ذكره عمر بن شبّة عن الأصمعيّ في الحديث الأول، قال:

نسبة هذا الصوت

انظر خليلي بباب جلّق هلتؤنس دون البلقاء من أحد
أجمال شعثا إن هبطن من المحبس بين الكثبان فالسّند
يملن حورا حور المدامع فيالرّيط وبيض الوجوه كالبرد
من دون بصرى ودونها جبلالثلّج عليه السّحاب كالقرد
إنّي وأيدي المخيّسات ومايقطعن من كلّ سربخ جدد
أهوى حديث النّدمان فيفلق الصّبح وصوت المسامر الغرد
تقول شعثا بعد ما هبطتبصور حسنى من احتدى بلدي
لا أخدش الخدش بالحبيب ولايخشى نديمي إذا انتشيت يدي

الشعر لحسّان بن ثابت، والغناء لعزّة الميلاء، رمل بالبنصر، وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى ابن محرز، وإلى عزّة الميلاء. وإلى الهذليّ في:

تقول شعثاء بعد ما هبطت

وما بعده من الأبيات، ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيها لعبد الرحيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو.

وشعثاء هذه التي شبّب بها حسّان - فيما ذكر الواقديّ ومصعب الزبيريّ - امرأة من أسلم، تزوّجها حسّان، وولدت منه بنتا يقال لها أمّ فراس تزوّجها عبد الرحمن بن أم الحكم. وذكر أبو عمرو الشيبانيّ مثل ما ذكره في نسبها، ووصف أنه خطبها إلى قومها من أسلم فردّوه، فقال يهجوهم:

لقد أتى عن بني الجرباء قولهمودونهم قفّ جمدان فموضوع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد أتى عن بني الجرباء قولهم»
قد علمت أسلم الأرذال أنّ لهاجارا سيقتله في داره الجوع
وأن سيمنعهم مما نووا حسب- لن يبلغ المجد والعلياء - مقطوع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد أتى عن بني الجرباء قولهم»
وقد علوا - زعموا - عنّى بأختهموفي الذّرا حسبي والمجد مرفوع
ويل أمّ شعثاء شيئا تستغيث بهإذا تجلّلها النّعظ الأفاقيع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد أتى عن بني الجرباء قولهم»
كأنه في صلاها وهي باركةذراع بكر من النيّاط منزوع

أخبرني حرميّ، عن الزبير، عن إبراهيم بن المنذر، عن أبي القاسم بن أبي الزناد، عن أخيه عبد الرحمن، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، قال: شعثاء هذه بنت عمرو، من بني ماسكة من يهود، وكانت مساكن بني ماسكة بناحية القفّ، وكان أبو شعثاء قد رأس اليهود التي تلي بيت الدّراسة للتوراة، وكان ذا قدر فيهم، فقال حسّان يذكر ذلك:

هل في تصابي الكريم من فندأم هل لمدى الأيام من نفد
تقول شعثاء: لو أفقت عن الكاس لألفيت مثري العدد
يأبى لي السيف واللسان وقوم لم يضاموا كبدة الأسد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أنظر خليلي ببطن جلق هل»

وذكر باقي الأبيات التي فيها الغناء.

ومما قاله حسّان بن ثابت في شعثاء، وغنّي به قوله:

ما هاج حسّان رسوم المقامومظعن الحيّ ومبنى الخيام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
والنّؤي قد هدّم أعضادهتقادم العهد بوادي تهام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
قد أدرك الواشون ما حاولواوالحبل من شعثاء رثّ رمام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
جنّيّة أرّقني طيفهايذهب صبحا ويرى في المنام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
هل هي إلّا ظبية مطفلمألفها السّدر بنعفي برام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
ترعى غزالا فاترا طرفهمقارب الخطو ضعيف البغام
كأنّ فاها ثغب باردفي رصف تحت ظلال الغمام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
شجّ بصهباء لها سورةمن بنت كرم عتّقت في الخيام
تدبّ في الكأس دبيبا كمادبّ دبى وسط رفاق هيام
من خمر بيسان تخيّرتهادرياقة توشك فتر العظام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»
يسعى بها أحمر ذو برنسمحتلق الذّفرى شديد الحزام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»

يقول فيها:

قومي بنو النّجّار إذ أقبلتشهباء ترمي أهلها بالقتام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»

لا تخذل الجار ولا تسلم المولى ولا تخصم يوم الخصام الشعر لحسّان، والغناء لمعبد، خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى في البيت الأول من الأبيات، والرابع والتاسع والحادي عشر. وذكر الهشاميّ أنّ فيه لحنا لابن سريج من الرمل بالوسطى.

وهذه الأبيات يقولها حسّان في حرب كانت بينهم وبين الأوس، تعرف بحرب مزاحم، وهو حصن من حصونهم.

أخبرني بخبره حرميّ عن الزّبير، عن عمه مصعب، قال: جمعت الأوس وحشدت بأحلافها، ورأّسوا عليهم أبا قيس بن الأسلت يومئذ، فسار بهم حتى كان قريبا من مزاحم. وبلغ ذلك الخزرج، فخرجوا يومئذ وعليهم سعد بن عبادة؛ وذلك أنّ عبد اللّه بن أبيّ كان مريضا أو متمارضا، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتلت بينهم قتلى كثيرة، وكان الطّول يومئذ للأوس؛ فقال حسّان في ذلك:

ما هاج حسّان رسوم المقامومظعن الحيّ ومبنى الخيام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ما هاج حسان رسوم المقام»

وذكر الأبيات كلها.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن عمر بن القاسم بن الحسن، عن محمد بن سعد، عن الواقديّ، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبيّ، قال: قال رجل من أهل المدينة: ما ذكر بيت حسّان بن ثابت: أهوى حديث النّدمان في فلق الصّبح وصوت المسامر الغرد إلّا عدت في الفتوّة كما كنت. قال: وهذا البيت من قصيدته التي يقول فيها:

انظر خليلي بباب جلّق هلتؤنس دون البلقاء من أحد

وقد روي أيضا في هذا الخبر غير الروايتين اللتين ذكرتهما.

أخبرني بذلك حرميّ، عن الزبير، عن وهب بن جرير، عن جويرية بن أسماء، عن عبد الوهاب بن يحيى، عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن شيخ من قريش، قال: إني وفتية من قريش عند قينة من قيان المدينة، ومعنا عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت إذ استأذن حسّان، فكرهنا دخوله، وشقّ ذلك علينا؛ فقال لنا عبد الرحمن: أيسّركم ألّا يجلس؟ قلنا: نعم. قال: فمروها إذا نظرت إليه أن ترفع عقيرتها وتغنّي:

أولاد جفنة عند قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

قال: فو اللّه لقد بكى حتى ظننا أنه سقطت نفسه، ثم قال: أفيكم الفاسق! لعمرى لقد كرهتم مجلسي سائر اليوم، وقام فانصرف، واللّه تعالى أعلم.

نسبة هذا الصوت وسائر ما يغنّى فيه من القصيدة التي هو منها.

صوت

أولاد جفنة عند قبر أبيهمقبر ابن مارية الجواد المفضل
يسقون من ورد البريص عليهمكأسا تصفّق بالرحيق السّلسل

البريص: موضع بدمشق.

بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

ذكر حبش أن فيه لسيرين قينة حسّان بن ثابت لحنا ثقيلا أول ابتداؤه نشيد، وفيه لعريب ثقيل أول لا يشكّ فيه.

ومما يغنى فيه من هذه القصيدة قوله:

صوت

كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
بزجاجة رقصت بما في قعرهارقص القلوص براكب مستعجل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

غنّاه إبراهيم الموصليّ رملا مطلقا في مجرى الوسطى، عن إسحاق وعمرو وغيرهما، ويروى: «كلتاهما حلب العصير»، بجعل الفعل للعصير. ويروى للمفصل، بكسر الميم وفتح الصاد، وللمفصل، بفتح الميم وكسر الصاد، وهو اللسان.

أخبرنا بذلك عليّ بن سليمان الأخفش، عن المبرد، حكاية عن أصحابه، عن الأصمعيّ.

رجع الحديث إلى أخبار عزّة الميلاء

قال إسحاق: حدثني مصعب الزبيريّ، عن محمد بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أبي مليكة، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد اللّه بن جعفر، فسمع جارية مغنّية لبعض النخّاسين تغني:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا

فاستهتر بها وهام، وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء وطاووس فلاماه؛ فكان جوابه لهما أن تمثّل بقول الشاعر:

يلومني فيك أقوام أجالسهمفما أبالي أطار اللّوم أم وقعا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا دين قلبك منها لست ذاكرها»

وبلغ عبد اللّه بن جعفر خبره، فبعث إلى النخّاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممّن أخذته؟ قالت: من عزّة الميلاء. فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبره، فأعلمه إياه وصدقه عنه، فقال له: أتحبّ أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية؟ قال: نعم، فدعا بعزّة وقال لها: غنّيه إياه، فغنّته؛ فصعق الرجل، وخرّ مغشيّا عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه، الماء، الماء! فنضح على وجهه، فلما أفاق قال له: أكلّ هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفي عنك أكثر. قال: أفتحبّ أن تسمعه منها؟

قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها، وأنا لا أحبّها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها، وأنا لا أقدر على ملكها! قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، واللّه ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبّل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي، ودعا له دعاء كثيرا. فقال: ما أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام احمل معها مثل ثمنها لكيلا تهتمّ به ويهتمّ بها.

نسبة هذا الصوت

صوت

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاواحتلّت الغور فالجدّين فالفرعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
وأنكرتني وما كان الذي نكرتمن الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

عروضه من البسيط، والشعر للأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة.

وزعم الأصمعيّ أن البيت الثاني هو صنعه ونحله الأعشى.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ، عن عمه، عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ، عن عمه، قال: ما نحلت أحدا من الشعراء شيئا قطّ لم يقله إلّا بيتا واحدا نحلته الأعشى، وهو:

وأنكرتني وما كان الذي نكرتمن الحوادث إلا الشّيب والصّلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

الغناء لعزّة الميلاء، خفيف ثقيل أول بالوسطى؛ وذكر عمرو بن بانة أنه لمعبد، وأنكر إسحاق ذلك ودفعه، وفيه للغريض ثقيل أول بالبنصر، وقيل: إنه لجميلة.

قال إسحاق: وحدثني ابن سلّام، عن ابن جعدبة، قال: كان ابن أبي عتيق معجبا بعزّة الميلاء، فأتى يوما عند عبد اللّه بن جعفر، فقال له: بأبي أنت وأمي! هل لك في عزّة، فقد اشتقت إليها! قال: لا، أنا اليوم مشغول. فقال: بأبي أنت وأمي! إنها لا تنشط إلّا بحضورك، فأقسمت عليك إلّا ساعدتني وتركت شغلك، ففعل، فأتياها ورسول الأمير على بابها يقول لها: دعي الغناء، فقد ضجّ أهل المدينة منك، وذكروا أنك قد فتنت رجالهم ونساءهم. فقال له ابن جعفر: ارجع إلى صاحبك فقل له عنّي: أقسم عليك إلّا ناديت في المدينة: أيّما رجل فسد أو امرأة فتنت بسبب عزّة إلّا كشف نفسه بذلك لنعرفه، ويظهر لنا ولك أمره. فنادى الرسول بذلك، فما أظهر أحد نفسه. ودخل ابن جعفر إليها وابن أبي عتيق معه، فقال لها: لا يهولنّك ما سمعت، وهاتي فغنّينا، فغنّته بشعر القطاميّ:

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّللوإن بليت، وإن طالت بك الطّيل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فاهتزّ ابن أبي عتيق طربا، فقال عبد اللّه بن جعفر: ما أراني أدرك ركابك بعد أن سمعت هذا الصوت من عزّة.

وقد مضت نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني في مواضع أخر.

صوت

من كان مسرورا بمقتل مالكفليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنهقد قمن قبل تبلّج الأسحار

عروضه من الكامل. قوله:

قد قمن قبل تبلّج الأسحار

يعني أنّهن يندبنه في ذلك الوقت؛ وإنما خصّه بالندبة لأنه وقت الغارة. يقول: فهنّ يذكرنه حينئذ؛ لأنه كان من الأوقات التي ينهض فيها للحرب والغارات. قال اللّه تبارك وتعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً

. وأما قول الخنساء:

يذكّرني طلوع الشمس صخراوأذكره لكلّ غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

فإنما ذكرته عند طلوع الشمس للغارة، وعند غروبها للضيف.

الشعر للربيع بن زياد العبسيّ، والغناء لابن سريج، رمل بالخنصر في مجرى البنصر، عن إسحاق، واللّه أعلم.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»