تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر ليزيد بن معاوية

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدثني السكريّ والمبرّد، عن دماذ أبي غسان - واسمه رفيع بن سلمة - عن أبي عبيدة: أن معاوية وجّه جيشا إلى بلد الروم ليغزو الصائفة، فأصابهم جدريّ فمات أكثر المسلمين، وكان ابنه يزيد مصطبحا بدير مرّان مع زوجته أم كلثوم، فبلغه خبرهم، فقال:

إذا ارتفقت على الأنماط مصطبحابدير مرّان عندي أمّ كلثوم
فما أبالي بما لاقت جنودهمبالغذقذونة من حمّى ومن موم

فبلغ شعره أباه، فقال: أجل، واللّه ليلحقنّ بهم فليصيبنّه ما أصابهم.

فخرج حتى لحق بهم، وغزا حتى بلغ القسطنطينية، فنظر إلى قبّتين مبنيّتين عليهما ثياب الديباج، فإذا كانت الحملة للمسلمين ارتفع من إحداهما أصوات الدّفوف والطبول والمزامير، وإذا كانت الحملة للروم ارتفع من الأخرى، فسأل يزيد عنهما فقيل له: هذه بنت ملك الروم، وتلك بنت جبلة بن الأيهم، وكلّ واحدة منهما تظهر السرور بما تفعله عشيرتها، فقال: أما واللّه لأسرّنّها، ثمّ صفّ العسكر، وحمل حتى هزم الرّوم، فأحجرهم في المدينة، وضرب باب القسطنطينية بعمود حديد كان في يده، فهشمه حتى انخرق، فضرب عليه لوح من ذهب، فهو عليه إلى اليوم.

نسخت من كتاب محمد بن موسى اليزيديّ: حدثني العباس بن ميمون طابع، قال: حدثني ابن عائشة، عن أبيه، وحدثني القحذميّ: أنّ ميسون بنت بحدل الكلبيّة كانت تزيّن يزيد بن معاوية، وترجّل جمّته، قال: فإذا نظر إليه معاوية قال:

فإن مات لم تفلح مزينة بعدهفنوطي عليه يا مزين التّمائما
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، من قصيدة «فإنْ ماتَ لم تُفْلح مزينة ُ بَعْدَهُ»

فلما احتضر معاوية حضره يزيد بن معاوية، وعنبسة بن أبي سفيان، فبكى يزيد إلى عنبسة، وقال:

لو فات شيء يرى لفات أبوحيّان لا عاجز ولا وكل
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «لو فات شيء يرى لفات ابو»
الحوّل القلّب الأريب ولنيدفع زوء المنية الحيل
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «لو فات شيء يرى لفات ابو»

فسمعهما معاوية بعد أن ردّدهما مرارا، فقال: يا بنيّ، إنّ أخوف ما أخاف على نفسي شيء صنعته قبل ذلك، إني كنت أوضّىء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فكساني قميصا، وأخذت شعرا من شعره، فإذا أنا متّ فكفّنّي في قميصه، واجعل الشّعر في منخري وأذني وفمي، وخلّ بيني وبين ربّي، لعل ذلك ينفعني شيئا.

قال العباس بن ميمون: فقلت للقحذميّ: هذا غلط، والدليل على ذلك أنّ أبا عدنان حدثني - وها هو حيّ فاسأله - عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، عن الشعبيّ: أنّ معاوية مات ويزيد بالصائفة، فأتاه البريد بنعيه، فأنشأ يقول:

جاء البريد بقرطاس يخبّ بهفأوجس القلب من قرطاسه فزعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
قلنا: لك الويل، ماذا في صحيفتكم؟قال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
مادت بنا الأرض أو كادت تميد بناكأنّ ما عزّ من أركانها انقلعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جَاءَ البَرِيدُ بِقرطاسٍ يَخبُّ بِهِ»
من لم تزل نفسه توفي على وجلتوشك مقادير تلك النفس أن تقعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
لما وردت وباب القصر منطبقلصوت رملة هدّ القلب فانصدعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»

وكان الذي تولّى غسله ودفنه الضحاك بن قيس، فخطب الناس، فقال: إنّ ابن هند قد توفّي، وهذه أكفانه على المنبر، ونحن مدرجوه فيها، ومخلّون بينه وبين ربّه، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة. ولو كان يزيد حاضرا لم يكن للضحاك ولا غيره أن يفعل من هذا شيئا.

قال العباس: فسكت القحذميّ، وما ردّ عليّ شيئا.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثني الزّبير بن بكّار، قال: حدثني عمّي، عن جدّي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: صلّى بنا عبد اللّه بن الزّبير يوما، ثم انفتل من الصلاة، فنشج، وكان قد نعي له معاوية، ثم قال: رحم اللّه معاوية إن كنا لنخدعه فيتخادع لنا، وما ابن أنثى بأكرم منه، وإن كنا لنعرفه يتفارق لنا، وما الليث المحرب بأجرأ منه؛ كان واللّه كما قال بطحاء العذريّ:

ركوب المنابر وثّابهامعنّ بخطبته يجهر
تريع إليه عيون الكلامإذا حصر الهذر المهمر

كان واللّه كما قالت رقيقة، أو قال: بنت رقيقة:

ألا ابكيه ألا ابكيهألا كلّ الفتى فيه

واللّه لودّي أنه بقي بقاء أبي قبيس، لا يتخوّن له عقل، ولا تنقص له قوة.

قال: فعرفنا أنّ الرجل قد استوجس.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: قال محمد بن إسحاق المسّيبيّ: حدثني جماعة من أصحابنا: أنّ ابن عباس أتاه نعي معاوية وولاية يزيد، وهو يعشّى أصحابه ويأكل معهم، وقد رفع إلى فيه لقمة، فألقاها وأطرق هنيهة ثم قال: جبل تدكدك، ثم مال بجميعه في البحر، واشتملت عليه الأبحر، للّه درّ ابن هند! ما كان أجمل وجهه، وأكرم خلقه، وأعظم حلمه.

فقطع عليه الكلام رجل من أصحابه، وقال: أتقول هذا فيه؟ فقال: ويحك! إنك لا تدري من مضى عنك، ومن بقي عليك، وستعلم. ثم قطع الكلام.

صوت

إذا زينب زارها أهلهاحشدت وأكرمت زوّارها
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
وإن هي زارتهم زرتهموإن لم أجد لي هوى دارها
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
فسلمي لمن سالمت زينبوحربي لمن أشعلت نارها
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
وما زلت أرعى لما عهدهاولم أتّبع ساعة عارها

عروضه من المتقارب. الشعر لشريح القاضي في زوجته زينب بنت حدير التميمية، والغناء لعمرو بن بانة، ثاني ثقيل بالبنصر، عنه على مذهب إسحاق. وذكر إسحاق في كتاب «الأغاني» المنسوب إليه أنه لابن محرز.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»