من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر شريح ونسبه وخبره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو فيما أخبرني به الحسن بن علي الخفّاف، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا أبو سعيد، عن هشام بن السائب. وأخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني عليّ بن عبد اللّه بن معاوية بن ميسرة بن شريح، كلاهما اتفق في الرواية لنسبه:
أنه شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكنديّ. قال هشام في خبره خاصة: وليس بالكوفة من بني الرائش غيرهم، وسائرهم من هجر وحضر موت.
وقد اختلف الرواة بعد هذا في نسبه؛ فقال بعضهم: شريح بن هانى ء - وهذا غلط - ذاك شريح بن هانىء الحارثيّ، واعتلّ من قال هذا بخبر روي عن مجالد، عن الشّعبيّ، أنه قرأ كتابا من عمر إلى شريح: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى شريح بن هانى ء. وقد يجوز أن يكون كتب عمر رضي اللّه عنه هذا الكتاب إلى شريح بن هانىء الحارثيّ، وقرأه الشعبيّ، وكلا هذين الرجلين معروف، والفرق بينهما النسب والقضاء؛ فإن شريح بن هانىء لم يقض، وشريح بن الحارث قد قضى لعمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب عليه السلام. وقيل: شريح بن عبد اللّه، وشريح بن شراحيل، والصحيح ابن الحارث. وابنه أعلم به.
وقد أخبرنا وكيع، قال: حدثنا أحمد بن عمر بن بكير، قال: حدثني أبي عن الهيثم بن عديّ، عن أبي ليلى: أن خاتم شريح كان نقشه شريح بن الحارث. وقيل: إنه من أولاد الفرس الذين قدموا اليمن مع سيف بن ذي يزن، وعداده في كندة، وقد روى عنه شبيه بذلك.
أخبرنا وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد الحنفيّ، قال: حدثنا عبدان، قال: حدثنا عبد اللّه بن المبارك، قال: حدثنا سفيان الثوريّ، عن ابن أبي السّفر، عن الشعبيّ، قال: جاء أعرابيّ إلى شريح، فقال: ممّن أنت؟ قال: أنا من الذين أنعم اللّه عليهم، وعدادي في كندة.
قال وكيع: وقال أبو حسان، عن أيوب بن جابر، عن أبي حصين، قال: كان شريح إذا قيل له ممن أنت؟ قال: ممّن أنعم اللّه عليه بالإسلام، عديد كندة.
قال وكيع: وقيل: إنما خرج إلى المدينة ثم إلى العراق؛ لأنّ أمّه تزوّجت بعد أبيه فاستحيا.
وقد اختلف أيضا في سنّه؛ فقيل: مائة وعشرون سنة، وقيل: مائة وعشر، وقيل: أقل من ذلك وأكثر.
فممن ذكر أنه عمّر مائة وعشرين سنة أشعث بن سوّار، روى ذلك يحيى بن معين، عن المحاربيّ، عن أشعث، وأبو سعيد الجعفيّ، روى ذلك عنه أبو إبراهيم الزهريّ. وممن قال أقل من ذلك أبو نعيم.
أخبرنا الحسن بن عليّ، عن الحارث، عن ابن سعد، عن أبي نعيم، قال: بلغ شريح مائة وثمانين سنة.
قال الحارث: وأخبرني ابن سعد، عن الواقديّ، عن أبي سبرة، عن عيسى، عن الشعبيّ، قال: توفي شريح في سنة ثمانين، أو تسع وسبعين.
قال أبو سعيد: وقال إبراهيم: في سنة ست وسبعين. وقال أبو إبراهيم الزّهريّ، عن أبي سعيد الجعفيّ: إنّ شريحا مات في زمن عبد الملك بن مروان.
أخبرني وكيع، قال: حدثنا الكرانيّ، عن سهل، عن الأصمعيّ، قال: ولد لشريح وهو ابن مائة سنة.
وروى إسماعيل بن أبان الورّاق، عن عليّ بن صالح، قال: قيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ابن ستّ ومائة، قضيت منها ستين سنة.
وأخبرني وكيع بخبر عمر حين استقضاه، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن أيوب، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت سيّارا قال: سمعت الشعبيّ يقول: إنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ من رجل فرسا على سوم، فحمل عليه رجلا، فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال له الرجل: اجعل بيني وبينك شريحا العراقيّ. فقال: يا أمير المؤمنين! أخذته صحيحا سليما على سوم، فعليك أن تردّه كما أخذته. قال: فأعجبه ما قال، وبعث به قاضيا، ثم قال: «ما وجدته في كتاب اللّه فلا تسأل عنه أحدا، وما لم تستبن في كتاب اللّه فالزم السنّة، فإن لم يكن في السنّة، فاجتهد رأيك».
أخبرني وكيع، قال: أخبرني عبد اللّه بن الحسن، عن النّميريّ، عن حاتم بن قبيصة المهلبيّ، عن شيخ من كنانة، قال: قال عمر لشريح، حين استقضاه: «لا تشارّ ولا تضارّ، ولا تشتر ولا تبع». فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين:
إن القضاة إن أرادوا عدلاوفصلوا بين الخصوم فصلا
وزحزحوا بالحكم منهم جهلاكانوا كمثل الغيث صاب محلا
وله أخبار في قضايا كثيرة يطول ذكرها، وفيها ما لا يستغنى عن ذكره، منها محاكمة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام إليه في الدّرع.
حدثني به عبد اللّه بن محمد بن إسحاق بن أخت داهر بن نوح بالأهواز، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجليّ، قال: حدثني حكيم بن حزام، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، قال: عرف عليّ صلوات اللّه عليه درعا مع يهوديّ، فقال: يا يهوديّ، درعي سقطت منّي يوم كذا وكذا، فقال اليهوديّ: ما أدري ما تقول! درعي وفي يدي، بيني وبينك قاضي المسلمين.
فانطلقا إلى شريح، فلما رآه شريح قام له عن مجلسه، فقال له عليّ: اجلس. فجلس شريح، ثم قال: إنّ خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجلس، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشيّعوا جنائزهم، واضطرّوهم إلى أضيق الطرق، وإن سبّوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم. ثم قال: درعي عرفتها مع هذا اليهوديّ.
فقال شريح لليهوديّ: ما تقول؟ قال: درعي وفي يدي.
قال شريح: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك كما قلت، ولكن لا بدّ من شاهد؛ فدعا قنبرا فشهد له، ودعا الحسن بن عليّ، فشهد له، فقال: أمّا شهادة مولاك فقد قبلتها، وأما شهادة ابنك لك فلا. فقال عليّ: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة.
قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة أحد سيّدي شباب أهل الجنة! واللّه لتخرجنّ إلى بانقيا فلتقضينّ بين أهلها أربعين يوما. ثم سلّم الدّرع إلى اليهودي.
فقال اليهوديّ: أمير المؤمنين مشى معي إلى قاضيه، فقضى عليه، فرضي به، صدقت إنها لدرعك، سقطت منك يوم كذا وكذا عن جمل أورق فالتقطتها، وأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه. فقال عليّ عليه السلام: هذه الدّرع لك، وهذه الفرس لك، وفرض له في تسعمائة، فلم يزل معه حتى قتل يوم صفّين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع