تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر زينب بنت حدير وتزويج شريح إياها

فيه ٦ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، قال: حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، وأبو محمد رجل ثقة، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال لي شريح: يا شعبيّ، عليكم بنساء بني تميم فإنهنّ النساء، قال: قلت: وكيف ذاك؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم مظهرا، فمررت بدور بني تميم، فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وتجاهها جارية رؤد - يعني التي قد بلغت - ولها ذؤابة على ظهرها جالسة على وسادة، فاستسقيت، فقالت لي: أيّ الشراب أعجب إليك: النبيذ، أم اللبن، أم الماء؟ قلت: أي ذلك يتيسّر عليكم، قالت: اسقوا الرجل لبنا؛ فإني إخاله غريبا.

فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ قالت: ابنتي، قالت: وممّن؟ قالت: زينب بنت حدير، إحدى نساء بني تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهيّة، قلت: أفارغة أم مشغولة؟

قالت: بل فارغة، قلت: أتزوّجينيها؟ قالت: نعم إن كنت كفيّا، ولها عمّ فاقصده.

فانصرفت فامتنعت من القائلة، فأرسلت إلى إخواني القرّاء الأشراف: مسروق بن الأجدع، والمسيّب بن نجبة، وسليمان بن صرد الخزاعيّ، وخالد بن عرفطة العذريّ، وعروة بن المغيرة بن شعبة، وأبي بردة بن أبي موسى، فوافيت معهم صلاة العصر، فإذا عمّها جالس، فقال: أبا أمية، حاجتك؟ قلت: إليك، قال: وما هي؟

قلت: ذكرت لي بنت أخيك زينب بنت حدير، قال: ما بها عنك رغبة، ولا بك عنها مقصر، وإنك لنهزة.

فتكلمت فحمدت اللّه جلّ ذكره، وصلّيت على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم، وذكرت حاجتي، فردّ الرجل عليّ وزوّجني، وبارك القوم لي، ثم نهضنا.

فما بلغت منزلي حتى ندمت، فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأجفاها فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إليّ، فإن رأيت ما أحبّ وإلا طلّقتها.

فأقمت أياما، ثم أقبل نساؤها يهادينها، فلما أجلست في البيت أخذت بناصيتها فبركت، وأخلى لي البيت، فقلت: يا هذه، إنّ من السنة إذا دخلت المرأة على الرجل أن يصلّي ركعتين وتصلّي ركعتين، ويسألا اللّه خير ليلتهما، ويتعوّذا باللّه من شرها. فقمت أصلّي ثم التفتّ، فإذا هي خلفي فصليت، ثم التفتّ فإذا هي على فراشها، فمددت يدي، فقالت لي: على رسلك، فقلت: إحدى الدواهي منيت بها، فقالت: إن الحمد للّه أحمده وأستعينه إني امرأة غريبة، ولا واللّه ما سرت مسيرا قط أشد عليّ منه، وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك، فحدّثني بما تحبّ فآتيه، وما تكره فأنزجر عنه. فقلت: الحمد للّه وصلّى اللّه على محمد، قدمت خير مقدم، قدمت على أهل دار زوجك سيّد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم، أحبّ كذا وأكره كذا.

قالت: أخبرني عن أختانك أتحبّ أن يزوروك؟ فقلت: إني رجل قاض، وما أحبّ أن تملّوني.

قال: فبتّ بأنعم ليلة، وأقمت عندها ثلاثا، ثم خرجت إلى مجلس القضاء، فكنت لا أرى يوما إلا هو أفضل من الذي قبله، حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي، فإذا عجوز تأمر وتنهى، قلت: يا زينب، من هذه؟

فقالت: أمّي فلانة. قلت: حيّاك اللّه بالسلام، قالت: أبا أمية كيف أنت وحالك؟ قلت: بخير أحمد اللّه، قالت: أبا أمية؛ كيف زوجك؟ قلت: كخير امرأة، قالت: إنّ المرأة لا ترى في حال أسوأ خلقا منها في حالين: إذا حظيت عند زوجها، وإذا ولدت غلاما؛ فإن رأبك منها ريب فالسّوط؛ فإنّ الرجال واللّه ما حازت إلى بيوتها شرّا من الورهاء المتدلّلة.

قلت: أشهد أنها ابنتك، قد كفيتنا الرياضة، وأحسنت الأدب.

قال: فكانت في كل حول تأتينا فتذكر هذا، ثم تنصرف.

قال شريح: فما غضبت عليها قطّ إلا مرّة كنت لها ظالما فيها؛ وذاك أني كنت أمام قومي فسمعت الإقامة، وقد ركعت ركعتي الفجر، فأبصرت عقربا، فعجلت عن قتلها، فأكفأت عليها الإناء، فلما كنت عند الباب قلت: يا زينب لا تحرّكي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحرّكت الإناء فضربتها العقرب، فجئت فإذا هي تلوّى. فقلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب. فلو رأيتني يا شعبيّ وأنا أعرك أصبعها بالماء والملح، وأقرأ عليها المعوّذتين وفاتحة الكتاب.

وكان لي يا شعبيّ جار يقال له ميسرة بن عرير من الحيّ، فكان لا يزال يضرب امرأته، فقلت:

رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم أضرب زينبا
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة

يا شعبيّ، فوددت أني قاسمتها عيشي.

ومما يغنّى فيه من الأشعار التي قالها شريح في امرأته زينب:

صوت

رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم أضرب زينبا
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
أأضربها في غير جرم أتت بهإليّ، فما عذري إذا كنت مذنبا!
فتاة تزين الحلي إن هي حلّيتكأن بفيها المسك خالط محلبا

والغناء ليونس الكاتب من كتابه غير مجنّس.

صوت

أمن رسم دار مربع ومصيفلعينك من ماء الشؤون وكيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
تذكرت فيها الجهل حتى تبادرتدموعي وأصحابي عليّ وقوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

عروضه من مصرّع الطويل. الشعر للحطيئة من قصيدة يمدح بها سعيد بن العاص لما ولى الكوفة لعثمان.

والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»