تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار الحطيئة مع سعيد بن العاص

ديوان الحطيئةفيه ٢٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: لقيني إياس بن الحطيئة، فقال لي: يا أبا عثمان، مات أبي، وفي كسر بيته عشرون ألفا أعطاه إياها أبوك، وقال فيه خمس قصائد، فذهب واللّه ما أعطيتمونا وبقي ما أعطيناكم، فقلت: صدقت واللّه.

قال أبو زيد: فممّا قال فيه قوله:

أمن رسم دار مربع ومصيفلعينك من ماء الشؤون وكيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
إليك سعيد الخير جبت مهامهايقابلني آل بها وتنوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
ولو لا أصيل اللّبّ غضّ شبابهكريم لأيام المنون عروف
إذا همّ بالأعداء لم يثن همّهكعاب عليها لؤلؤ وشنوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
حصان لها في البيت زيّ وبهجةومشي كما تمشى القطاة قطوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
ولو شاء وارى الشمس من دون وجههحجاب ومطويّ السراة منيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ، وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم الطائيّ، عن خالد بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: كان سعيد بن العاص في المدينة زمن معاوية، وكان يعشّي الناس، فإذا فرغ من العشاء قال الآذن: أجيزوا إلّا من كان من أهل سمره. قال: فدخل الحطيئة فتعشّى مع الناس، ثم أقبل فقال الآذن: أجيزوا، حتى انتهى إلى الحطيئة، فقال: أجز، فأبى، فأعاد عليه فأبى، فلما رأى سعيد إباءه قال: دعه، وأخذ في الشّعر والحطيئة مطرق لا ينطق، فقال الحطيئة: واللّه ما أصبتم جيّد الشعر، ولا شاعر الشعراء. قال سعيد: من أشعر العرب يا هذا؟ فقال: الذي يقول:

لا أعدّ الإقتار عدما ولكنفقد من قد رزئته الإعدام
للشاعر ابو دُاود الإيادي، من قصيدة «منع النوم ماوي التهمام»
من رجال من الأقارب بانوامن جذام هم الرؤوس الكرام
سلّط الموت والمنون عليهمفلهم في صوى المقابر هام
وكذاكم سبيل كلّ أناسسوف حقّا تبليهم الأيام

قال: ويحك! من يقول هذا الشعر؟ قال: أبو دواد الإياديّ، قال: أو ترويه؟ قال: نعم، قال: فأنشدنيه، فأنشده الشعر كلّه، قال: ومن الثاني؟ قال: الذي يقول:

أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

قال: ومن يقول هذا؟ قال: عبيد، قال: أو ترويه؟ قال: نعم، قال: فأنشدنيه، فأنشده، ثم قال له: ثمّ من؟

قال: واللّه لحسبك بي عند رهبة أو رغبة، إذا وضعت إحدى رجليّ على الأخرى، ثم رفعت عقيرتي بالشّعر، ثم عويت على أثر القوافي عواء الفصيل الصادر عن الماء.

قال: ومن أنت؟ قال: الحطيئة، قال: ويحك! قد علمت تشوّقنا إلى مجلسك، وأنت تكتمنا نفسك منذ الليلة! قال: نعم لمكان هذين الكلبين عندك، وكان عنده كعب بن جعيل، وأخوه. وكان عنده سويد بن مشنوء النّهديّ، حليف بني عديّ بن جناب الكلبيّين، فأنشده الحطيئة قوله:

ألست بجاعلي كابني جعيلهداك اللّه أو كابني جناب
أدبّ فلا أقدّر أن ترانيودونك بالمدينة ألف باب
وأحبس بالعراء المحل بيتيودونك عازب ضخم الذباب
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألست بجاعلي كبني جعيل»

العازب: الكلأ الذي لم يرع، وقد التفّ نبته.

فقال له سعيد: لعمر اللّه لأنت أشعر عندي منهم، فأنشدني، فأنشده:

سعيد وما يفعل سعيد فإنهنجيب فلاه في الرّباط نجيب
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لعمري لقد أمسى على الأمر سائس»
سعيد فلا يغررك قلّة لحمهتخدّد عنه اللحم فهو صليب

ويروى: خفّة لحمه.

إذا غاب عنّا غاب عنا ربيعناونسقى الغمام الغرّ حين يؤوب
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لعمري لقد أمسى على الأمر سائس»
فنعم الفتى تعشو إلى ضوء نارهإذا الريح هبّت والمكان جديب
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لعمري لقد أمسى على الأمر سائس»

فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم عاد فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

أمن رسم دار مربع ومصيف

يقول فيها:

إذا همّ بالأعداء لم يثن عزمهكعاب عليها لؤلؤ وشنوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

فأعطاه عشر آلاف أخرى.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة بهذا الحديث نحو ما رواه خالد بن سعيد، وزاد فيه: فانتهى الشّرط إلى الحطيئة فرأوه أعرابيا قبيح الوجه، كبير السن، سيّىء الحال، رثّ الهيئة، فأرادوا أن يقيموه، فأبى أن يقوم، وحانت من سعيد التفاتة، فقال: دعوا الرجل، وباقي الخبر مثله.

قال أبو عبيدة في هذا الخبر: وأخبرني رجل من بني كنانة، قال: أقبل الحطيئة في ركب من بني عبس، حتى قدم المدينة، فأقام مدّة، ثم قال له من في رفقته: إنا قد أرذينا وأخلينا، فلو تقدّمت إلى رجل شريف من أهل هذه القرية فقرانا وحملنا. فأتى خالد بن سعيد بن العاص، فسأله فاعتذر إليه، وقال: ما عندي شيء فلم يعد عليه الكلام، وخرج من عنده، فارتاب به خالد، فبعث يسأل عنه، فأخبر أنه الحطيئة، فردّه. فأقبل الحطيئة، فقعد لا يتكلّم، فأراد خالد أن يستفتحه الكلام، فقال: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:

ومن يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فقال خالد لبعض جلسائه: هذه بعض عقاربه، وأمر بكسوة وحملان، فخرج بذلك من عنده.

صوت

حبّذا ليلتي بتلّ بونّىحين نسقّى شرابنا ونغنّى
إذ رأينا جواريا عطراتوغناء وقرقفا فنزلنا
ما لهم لا يبارك اللّه فيهمإذ يسألون: ويحنا ما فعلنا!

عروضه الضرب الأوّل من الخفيف. الشعر لمالك بن أسماء بن خارجة، والغناء لحنين، رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»