من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار مالك بن أسماء بن خارجة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ، وقد مضى هذا النسب في أخبار عويف القوافي، وقد مضت أخباره، وذكر هذا البيت من فزارة وشرفه فيها وسائر قصصه هناك.
وكان الحجاج بن يوسف ولّى مالك بن أسماء بعد أن تزوّج أخته هندا بأصبهان، بعد حبس طويل في خيانة ظهرت عليه، ثم خلّاه بعد ذلك، وطالت أيامه بأصبهان، فظهرت عليه خيانة أخرى، فحبسه وناله بكل مكروه.
أخبرني يخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى، قال: حدثني هشام بن محمد الهلاليّ، قال: اختلف الحجّاج وهند بنت أسماء زوجته في وقعة بنات قين، فبعث إلى مالك بن أسماء بن خارجة، فأخرجه من السجن، وكان محبوسا بمال عليه للحجاج، فسأله عن الحديث فحدّثه به، ثم أقبل على هند فقال: قومي إلى أخيك، فقالت: لا أقوم إليه، وأنت ساخط عليه. فأقبل الحجاج عليه، فقال: إنك واللّه ما علمت للخائن أمانته، اللئيم حسبه، الزاني فرجه، فقال: إن أذن الأمير تكلّمت، قال: قل، قال: أما قول الأمير الزاني فرجه، فو اللّه لأنا أحقر عند اللّه عزّ وجلّ وأصغر في عين الأمير من أن يجب للّه عليّ حدّ فلا يقيمه، وأما قوله: اللئيم حسبه، فو اللّه لو علم الأمير مكان رجل أشرف منّي لم يصاهرني، وأما قوله: إني خؤون، فلقد ائتمنني فوفّرت، فأخذني بما أخذني به، فبعت ما كان وراء ظهري، ولو ملكت الدنيا بأسرها لافتديت بها من مثل هذا الكلام.
قال: فنهض الحجّاج، وقال: شأنك يا هند بأخيك.
قال مالك بن أسماء: فوثبت هند إليّ فأكبّت عليّ، ودعت بالجواري، ونزعن عنّي حديدي، وأمرت بي إلى الحمّام، وكستني، وانصرفت.
فلبثت أياما، ثم دخلت على الحجاج وبين يديه عهود، وفيها عهدي على أصبهان. قال: خذ هذا العهد، وامض إلى عملك، فأخذته ونهضت. قال: وهي ولايته التي عزله عنها، وبلغ به ما بلغ من الشر.
قال أبو زيد: ويقال إنه كان في الحبس في الدفعة الثانية مضيّقا عليه في كلّ أحواله، حتى كان يشاب له الماء الذي كان يشربه بالرماد والملح، فاشتاق الحجّاج إلى حديثه يوما، فأرسل إليه، فأحضر، فبينا هو يحدّثه إذ استسقى ماء فأتي به، فلما نظر إليه الحجاج قال: لا، هات ماء السجن، فأتى به وقد خلط بالملح والرماد، فسقيه.
قال: ويقال: إنه هرب من الحبس، فلم يزل متواريا حتى مات الحجاج.
قال: وكتب إليه بعض أهله أن يمضي إلى الشام فيستجير ببعض بني أمية حتى يأمن، ثم يعود إلى مصره.
وقد كان خالد بن عتّاب الرّياحيّ فعل ذلك، واستجار بزفر بن الحارث الكلابيّ، فأجاره، فراجعه عبد الملك في أمره، ثم أجاره، فكتب مالك إلى أبيه يسأله أن يدخل إلى الحجاج ويسأله في أمره، فقال أسماء في ذلك:
أبني فزارة لا تعنّوا شيخكممالي وما لزيارة الحجّاج
شبّهته شبهلا غداة لقيتهيلقي الرؤوس شواخب الأوداج
تجري الدماء على النّطاع كأنهاراح شمول غير ذات مزاج
لا تطلبوا حاجا إليه فإنهبئس المؤمّل في طلاب الحاج
يا ليت هندا أصبحت مرموسةأوليتها جلست عن الأزواج
قال أبو زيد: فأما خبر خالد بن عتّاب الرياحيّ، فإنّ الحجاج كان استعمله على الريّ، وكانت أمّه أمّ ولد، فكتب إليه الحجاج يلخن أمّه، ويقول يابن اللخناء؛ أنت الذي هربت عن أبيك حتى قتل، وقد كان حلف ألّا يسبّ أحد أمّه إلا أجابه كائنا من كان.
فكتب إليه خالد: كتبت إليّ تلخّنني، وتزعم أني فررت عن أبي حتى قتل، ولعمري لقد فررت عنه، ولكن بعد أن قتل، وحين لم أجد لي مقاتلا، ولكن أخبرني عنك يابن اللّخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائف، حين فررت أنت وأبوك يوم الحرّة على جمل ثفال، أيكما كان أمام صاحبه، فقرأ الحجاج الكتاب، وقال: صدق:
أنا الّذي فررت يوم الحرّةثم ثنّيت كرّة بفرّه
والشيخ لا يفرّ إلّا مرّه
ثم طلبه، وهرب إلى الشام، وسلّم بيت المال ولم يأخذ منه شيئا.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بما كان منه، وقدم خالد الشام، فسأل عن خاصّة عبد الملك، فقيل له: روح بن زنباع، فأتاه حين طلعت الشمس، فقال: إني جئتك مستجيرا، فقال: إنني قد أجرتك إلّا أن تكون خالدا، قال: فإني خالد، فتغيّر وقال: أنشدك اللّه إلّا خرجت عني؛ فإني لا آمن عبد الملك، فقال: أنظرني حتى تغرب الشمس. فجعل روح يراعيها حتى خرج خالد.
فأتى زفر بن الحارث الكلابيّ فقال: إني جئتك مستجيرا، قال: قد أجرتك، قال: أنا خالد بن عتّاب، قال: وإن كنت خالدا.
فلما أصبح دعا ابنين له فتهادى بينهما وقد أسنّ، فدخل على عبد الملك وقد أذن للناس، فلما رآه دعا له بكرسيّ، فجعل عند فراشه، فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني قد أجرت عليك رجلا، فأجره، قال: قد أجرته إلّا أن يكون خالدا، قال: فهو خالد، قال: لا، ولا كرامة، فقال زفر لابنيه: أنهضاني.
فلما ولّى قال: يا عبد الملك، أما واللّه لو كنت تعلم أنّ يدي تطيق حمل القناة ورأس الجواد لأجرت من أجرت، فضحك، وقال: يا أبا الهذيل، قد أجرناه، فلا أرينّه. وأرسل إلى خالد بألفي درهم، فأخذها، ودفع إلى رسوله أربعة آلاف درهم.
رجع الخبر إلى حديث مالك بن أسماء
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحويّ، وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيوب، قال: حدثنا عبد اللّه بن مسلم، قالا: عشق مالك بن أسماء جارية لأخته هند، وعشقها أخوه عيينة بن أسماء بن خارجة، فاستعان بأخيها مالك، وهو لا يعلم ما يجد بها، يشكو إليه حبّها، فقال مالك:
أعيين هلّا إذ كلفت بهاكنت استغثت بفارغ العقل
أرسلت تبغي الغوث من قبليوالمستغاث إليه في شغل
قال ابن قتيبة خاصة: وهوي مالك بن أسماء جارية من بني أسد، وكانت تنزل دارا من قصب، وكانت دار مالك في بني أسد دارا سريّة مبنيّة بالجصّ والآجرّ فقال:
يا ليت لي خصّا يجاورهابدلا بداري في بني أسد
الخصّ فيه تقرّ أعينناخير من الآجرّ والكمد
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزّبير بن بكار، قال: حدثني عمّي ويعقوب بن عيسى، وأخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم، قال: حدثنا أبو هفّان عن إسحاق الموصلي، عن الزّبير: أنّ عمر بن أبي ربيعة رأى مالك بن أسماء. قال أبو هفان في خبره: وهو يطوف بالبيت، وقد بهر الناس جماله وكماله، فأعجب عمر ما رأى منه، فسأل عنه فعرفه، فعانقه وسلّم عليه وقال له: أنت أخي حقّا، فقال له مالك: ومن أنا ومن أنت؟ فقال: أما أنا فستعرفني، وأما أنت فالذي تقول:
إنّ لي عند كلّ نفحة بستان من الورد أو من الياسمينا
نظرا والتفاتة أترجّىأن تكوني حللت فيما يلينا
غنّت فيه عليّة بنت المهدي خفيف رمل بالوسطى.
وقال أبو هفّان في حديثه: قال له عمر: ما زلت أحبّك منذ سمعت هذا الشعر لك، فقال له مالك: أنت عمر بن أبي ربيعة، قال: نعم. قال الزّبير في خبره خاصة: وحدثني ابن أبي كناسة: أنّ عمر لما لقي مالكا استنشده، فأنشده مالك شيئا من شعره، فقال له عمر: ما أحسن شعرك لو لا أسماء القرى التي تذكرها فيه، قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قولك:
إنّ في الرفقة التي شيّعتنابجوير سما لزين الرّفاق
ومثل قولك:
أشهدتنا أم كنت غائبةعن ليلتي بحديثة القسب
ومثل قولك:
حبّذا ليلتي بتلّ بونّىحين نسقى شرابنا ونغنّي
فقال له مالك: هي قرى البلد الذي أنا فيه، وهو مثل ما تذكره في شعرك من أرض بلادك، قال: مثل ماذا؟
قال: مثل قولك:
حيّ المنازل قد دثرن خرابابين الجوين وبين ركن كسابا
ومثل قولك:
ما على الرّسم بالبليّين لو بيّن رجع السلام أو لو أجابا
فأمسك عنه عمر بن أبي ربيعة.
ومالك بن أسماء الذي يقول:
وحديث ألذّه هو ممّاينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيانا وأحلى الحديث ما كان لحنا
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثني أبي، قلت للجاحظ: إني قرأت في فصل من كتابك المسمى بكتاب البيان والتبيين: إنما يستحسن من النساء اللّحن في الكلام، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء - يعني هذين البيتين - قال: هو كذاك، فقال: أما سمعت بخبر هند ابنة أسماء بن خارجة مع الحجّاج حين لحنت في كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجّت ببيتي أخيها، فقال لها: إنّ أخاك أراد أنّ المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام إلى غير الظاهر بالمعنى لتستر معناه، وتورّى عنه، وتفهمه من أرادت بالتعريض، كما قال اللّه عزّ وجلّ: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد. فوجم الجاحظ ساعة، ثم قال: لو سقط إليّ هذا الخبر أوّلا لما قلت ما تقدم، فقلت له: فأصلحه، فقال: الآن وقد سار به الكتاب في الآفاق، وهذا لا يصلح، أو كلاما نحو ما ذكرنا، فإن أبا أحمد أخبرنا به على سبيل المذاكرة فحفظته عنه.
أخبرني الحسين بن يحيى، وجعفر بن قدامة، قالا: قال حماد: حدثني أحمد بن داود السدّي، قال: ورد عليّ كتاب أمير المؤمنين المتوكل، وأنا على سواد الكوفة: أن ابتع لي تلّ بونّى بما بلغت، فابتعتها له، فإذا قرية صغيرة على تلّ، قد خرب ما حواليها من الضّياع، فابتعتها له بعشرة آلاف درهم، قال: فظننته حرّكه على طلبها أنه غنّي:
حبذا ليلتي بتلّ بونّى
فسألت عن ذلك، فعرفت أنّ جاريته مكتومة غنّته هذا الصوت.
قال حماد: ومكتومة هذه جارية أهداها أبي إليه لما ولى الخلافة، فإنه سأل عنه، فعرف أنه قد كفّ بصره، فكتب له بمائة ألف درهم، وأمر بإشخاصه إليه مكرّما، فأشخص إليه، وأهدى إليه عدّة جوار هذه فيهن.
وروى الهيثم بن عديّ عن ابن عياش أنّ الحجاج دعا يوما بمالك بن أسماء، فعاتبه عتابا طويلا، ثم قال له: أنت واللّه كما قال أخو بني جعدة:
إذا ما سوأة غرّاء ماتتأتيت بسوءة أخرى بهيم
وما تنفكّ ترحض كلّ يوممن السّوآت كالطفل النهيم
أكلّ الدّهر سعيك في تبابتناغي كلّ مومسة أثيم
فقال له: لست كما قال الجعديّ، ولكني كما قلت:
لكل جواد عثرة يستقيلهاوعثرة مثلي لا تقال مدى الدّهر
فهبنى يا حجّاج أخطأت مرّةوجرت عن المثلى وغنّيت بالشعر
فهل لي إذا ما تبت عندك توبةتدارك ما قد فات في سالف العمر
فقال له الحجاج: بلى واللّه، لئن تبت لأقبلنّ توبتك ولأعفّينّ على ما كان من ذنبك ومن لي بذلك يا مالك؟ قال له: لك اللّه به، قال: حسبي اللّه ونعم الوكيل، فانظر ما تقول، قال: الحقّ أصلحك اللّه لا يخفى على أحد.
قال: فترك مالك الشراب، ووفّى بعهده وأظهر النسك، ثم طما به الشعر، وطال عليه ترك اللّذّات والشراب، فقال:
وندمان صدق قال لي بعد هدأةمن الليل: قم نشرب، فقلت له: مهلا
فقال: أبخلا يابن أسماء هاكهاكميتا كريح المسك تزدهف العقلا
فتابعته فيما أراد ولم أكنبخيلا على النّدمان أو شكسا وغلا
ولكنني جلد القوى أبذل النّدىوأشرب ما أعطى ولا أقبل العذلا
ضحوك إذا ما دبّت الكأس في الفتىوغيّره سكر وإن أكثر الجهلا
قال: فبلغ الحجاج أنّ مالكا قد راجع الشّراب، فقال: لا يأتي مالك بخير سجيس الأوجس، قاتل اللّه أيمن بن خريم حيث يقول:
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حجاب ولا ستر
فدعه وما يأتي ولا تعذلنّهوإن مدّ أسباب الحياة له العمر
وأنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش أبيات أيمن هذه الرائية، وقال: أخذ معناها من قول ابن عباس: إذا بلغ المرء أربعين سنة ولم يتب أخذ إبليس بناصيته، وقال: حبّذا من لا يفلح أبدا. وأول الأبيات هذه:
وصهباء جرجانيّة لم يطف بهاحنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
ولم يشهد القسّ المهينم نارهاطروفا ولا صلّى على طبخها حبر
أتاني بها يحيى وقد نمت نومةوقد غابت الجوزاء وانحدر النّسر
فقلت: اصطبحها أو لغيري سقّهافما أنا بعد الشّيب ويحك والخمر!
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حجاب ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتىولو مدّ أسباب الحياة له العمر
صوت
تلك عرسي تروم هجري سفاهاوجفتني فما توافي عناقي
زعمت أنها تواتي مع المال وأنى محالف إملاقي
وتناست رزيّة بدمشقأشخصت مهجتي فويق التّراقي
يوم نلقى نعش ابن عروة محمولا بأيدي الرجال والأعناق
مستحثّا به سباقا إلى القبر وما إن لحثّهم من سباق
ثم ولّيت موجعا قد شجانيقرب عهد بهم وبعد تلاق
عروضه من الخفيف. الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائي يرثي محمد بن عروة بن الزّبير. والغناء لدحمان، خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن حبش.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع