من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
حلف الفضول
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرنا به الطّوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة قال: كان سبب حلف الفضول أنّ رجلا من أهل اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها رجل من بني سهم، فلوى الرجل بحقّه؛ فسأله متاعه فأبى عليه، فقام في الحجر، فقال:
يال قصيّ لمظلوم بضاعتهببطن مكة نائي الدار والنّفر
وأشعث محرم لم يقض حرمتهبين المقام وبين الرّكن والحجر
وروى بعض الثقات تماما لهذين البيتين، وهو:
أقائم من بني سهم بذمّتهمأم ذاهب في ضلال مال معتمر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامتهولا حرام لثوب الفاجر الغدر
قال: وقال بعض العلماء: إنّ قيس بن شيبة السّلميّ باع متاعا من أبيّ بن خلف، فلواه وذهب بحقّه، فاستجار برجل من بني جمح، فلم يقم بجواره، فقال:
يال قصيّ كيف هذا في الحرموحرمة البيت وأعلاق الكرم
أظلم لا يمنع منّي من ظلم
قال: وبلغ الخبر العبّاس بن مرداس السّلميّ، فقال:
إن كان جارك لم تنفعك ذمّتهوقد شربت بكأس الغلّ أنفاسا
فائت البيوت وكن من أهلها صددالا تلف ناديهم فحشا ولا باسا
وثمّ كن بفناء البيت معتصماتلق ابن حرب وتلق المرء عبّاسا
قرمى قريش وحلّا في ذؤابتهابالمجد والحزم ما حازا وما ساسا
ساقي الحجيج وهذا ياسر فلجوالمجد يورث أخماسا وأسداسا
فقام العباس وأبو سفيان حتى ردّا عليه. واجتمعت بطون قريش، فتحالفوا على ردّ الظلم بمكة، وألا يظلم رجل بمكة إلّا منعوه، وأخذوا له بحقه، وكان حلفهم في دار ابن جدعان، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «لقد شهدت حلفا في دار ابن جدعان ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، ولو دعيت به لأجبت».
فقال قوم من قريش: هذا واللّه فضل من الحلف؛ فسمّى حلف الفضول.
قال: وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلف تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر ألّا يقرّوا ظلما ببطن مكة إلّا غيّروه، وأسماؤهم الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة.
قال: وحدثني محمد بن فضالة، عن عبد اللّه بن سمعان، عن ابن شهاب، قال: كان شأن حلف الفضول أنّ بدء ذلك أنّ رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فأواها إلى بيته، ثم تغيّب، فابتغى متاعه الزّبيديّ، فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا عليه، فعرف أن لا سبيل إلى ماله؛ فطوّف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد، ثم قال:
يا آل فهر لمظلوم بضاعتهببطن مكّة نائي الدار والنّفر
ومحرم شعث لم يقض عمرتهيا إل فهر وبين الحجر والحجر
أقائم من بني سهم بخفرتهمفعادل أم ضلال مال معتمر
فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلموا فيه، فقال المطيّبون: واللّه لئن قمنا في هذا ليغضبنّ الأحلاف، وقال الأحلاف: واللّه لئن تكلّمنا في هذا ليغضبنّ المطيّبون، وقال ناس من قريش: تعالوا فليكن حلفا فضولا دون المطيّبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد اللّه بن جدعان، وصنع لهم طعاما يومئذ كثيرا، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يومئذ معهم، قبل أن يوحي اللّه إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم، وكان الذي تعاقد عليه القوم: تحالفوا على ألّا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حرّ ولا عبد إلّا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقّه، ويؤدّوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا، به إلى البيت، فغسلت به أركانه، ثم أتوا به فشربوه.
قال: فحدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها: أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلف الفضول، أما لو دعيت إليه اليوم لأجبت، وما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، وأني نقضته».
قال: وحدثني عمر بن عبد العزيز العنبسيّ أنّ الذي اشترى من الزّبيديّ المتاع العاص بن وائل السّهميّ.
وقال: أهل حلف الفضول بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم، تحالفوا بينهم ألّا يظلم بمكة أحد إلا كنّا جميعا مع المظلوم على الظالم، حتى نأخذ له مظلمته ممّن ظلمه شريفا أو وضيعا، منّا أو من غيرنا.
ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل، ثم قالوا: واللّه لا نفارقك حتى تؤدّي إليه حقّه، فأعطى الرجل حقّه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقّه بمكة إلّا أخذوه له. وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أنّ رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل في حلف الفضول. وليس عبد شمس في حلف الفضول.
وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة، عن موسى بن عبد اللّه بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وعن إبراهيم بن محمد، وعن أبي عبد اللّه بن الهاد: أنّ بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزّى وتيم بن مرّة احتلفوا على ألّا يدعوا بمكة كلها، ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلّا أنجدوه، حتى يردّوا عليه مظلمته، أو يبلوا في ذلك عذرا، أو على ألّا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلّا أخذوه، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وبذلك سمّي حلف الفضول - باللّه الغالب أنّ اليد على الظالم حتى يأخذوا للمظلوم حقّه ما بلّ بحر صوفة، وعلى التأسّي في المعاش.
قال محمد بن الحسن: قال محمد بن طلحة في حديثه، عن موسى بن محمد عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن أبيه، قال: لم يكن بنو أسد بن عبد العزى في حلف الفضول، قال: وكان بعد عبد المطلب.
قال: وحدثني محمد بن الحسن، عن عيسى بن يزيد بن دأب، قال: أهل حلف الفضول: هاشم، وزهرة، وتيم. قال: وقيل له: فهل لذلك شاهد من الشعر؟ قال: نعم، قال: أنشدني بعض أهل العلم قول بعض الشعراء:
تيم بن مرّة إن سألت وهاشموزهرة الخير في دار ابن جدعان
متحالفون على النّدى ما غرّدتورقاء في فنن من جزع كتمان
فقيل له: وأين كتمان؟ فقال: واد بنجران؛ فجاء ببيتين مضطربين مختلفي النصفين.
وحدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: تداعى بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزّى وبنو زهرة بن كلاب وتيم بن مرّة إلى حلف الفضول، فاجتمعوا في دار عبد اللّه بن جدعان، فتحالفوا عنده، وتعاقدوا ألّا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها ولا من غيرهم إلّا قاموا معه على من ظلمه حتى يردّوا مظلمته. وشهد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم هذا الحلف قبل أن يبعث، فهذا حلف الفضول.
قال: وحدثني إبراهيم بن حمزة عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه، قال: إنما سمّي حلف الفضول لأنه كان في جرهم رجال يردّون المظالم يقال لهم: فضيل وفضّال وفضل ومفضل، قال: فلذلك سمّي حلف الفضول، تعاقدوا أن يردّوا المظالم.
قال: فتحالفوا باللّه الغالب لنأخذنّ للمظلوم من الظالم، وللمقهور من القاهر، ما بلّ بحر صوفة.
قال: وقال أبي: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «فشهدت حلفا في دار عبد اللّه بن جدعان لم يزده الإسلام إلا شدة، ولهو أحبّ إلى من حمر النّعم»، قال: وقال غيره: «لو دعيت إليه لأجبت».
قال: وحدثني محمد بن حسن، عن نوفل بن عمارة عن إسحاق بن الفضل قال: إنّما سمّت قريش هذا الحلف حلف الفضول؛ لأن نفرا من جرهم يقال لهم: الفضل وفضّال والفضيل، تحالفوا على مثل ما تحالفت عليه هذه القبائل.
قال: وحدثني رجل عن محمد بن حسن، عن محمد بن فضالة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «لقد شهدت في دار ابن جدعان حلف الفضول، أما لو دعيت إليه لأجبت، وما أحبّ أنّي نقضته، وأنّ لي حمر النّعم».
قال الزّبير: وحدثني علي بن صالح عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لقد شهدت في الجاهلية حلفا - يعني حلف الفضول - أما لو دعيت إليه اليوم لأجبت، لهو أحبّ إليّ من حمر النعم، لا يزيده الإسلام إلا شدّة».
قال: وحدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: حدثني رجل عن محمد بن يزيد الليثيّ، قال: سمعت طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزّبيريّ، يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحبّ أنّ لي به حمر النعم، ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت».
قال: وحدثني محمد بن حسن، عن نصر بن مزاحم، عن معروف بن خرّبوذ، قال: تداعت بنو هاشم وبنو المطلب وأسد وتيم، فاحتلفوا على ألّا يدعوا بمكة كلّها ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلّا أنجدوه، حتى يردّوا إليه مظلمته، أو يبلوا في ذلك عذرا. وكره ذلك سائر المطيّبين والأحلاف من أمره، وسمّوه حلف الفضول، عيبا له، وقالوا: هذا من فضول القوم، فسمّوه حلف الفضول.
قال: وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد اللّه بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، قال: كان حلف الفضول بين بني هاشم وبني أسد وبني زهرة وبني تيم.
قال: فحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن محمد بن حبيب، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «شهدت مع عمومتي حلف المكّيين، فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأني أنكثه».
قال: وحدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيميّ: أنه بلغه أنّ الذي بدأ بحلف الفضول من هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.
حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبيه، قال: قدم ابن جبير بن مطعم على عبد الملك بن مروان، وكان من حلفاء قريش.
فقال له عبد الملك: يا أبا سعيد، لم يكن بنو عبد شمس وأنتم - يعني بني نوفل - في حلف الفضول، قال: وأنتم أعلم يا أمير المؤمنين، قال: لتحدثّني بالحق من ذلك، قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين، لقد خرجنا نحن وأنتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم إلّا جميعا في الجاهلية والإسلام.
قال: وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد بن يزيد بن عبد اللّه بن الهاد اللّيثيّ أنّ محمد بن الحارث التيميّ أخبره: أنه كان بين الحسين بن عليّ عليهما السلام وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كلام - والوليد يومئذ أمير المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان - في مال كان بينهما بذي المروة، فقال الحسين بن عليّ عليهما السلام: استطال عليّ الوليد بن عتبة في حقّي بسلطانه، فقلت: أقسم باللّه لتنصفنّي في حقّي أو لآخذنّ سيفي، ثم لأقومنّ في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، ثم لأدعونّ بحلف الفضول، قال: فقال عبد اللّه بن الزّبير - وكان عند الوليد لما قال الحسين ما قال -: وأنا أحلف باللّه لئن دعا به لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهريّ، فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيميّ، فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقّه حتى رضي.
قال: وحدثني أبو الحسن الأثرم عليّ بن المغيرة، عن أبي عبيدة، قال: حدثني رجل عن يزيد بن عبد اللّه بن أسامة الليثيّ: أنّ محمد بن إبراهيم التيميّ حدّثه مثل حديث محمد بن حسن الذي قبل هذا.
قال: وحدثني إبراهيم بن حمزة، عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه أنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام كان بينه وبين معاوية كلام في أرض له، فقال له الحسين عليه السلام: اختر خصلة من ثلاث خصال: إما أن تشتري مني حقي، وإما أن تردّه عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن الزبير وابن عمر، والرابعة الصّيلم، قال: وما الصّيلم؟
قال: أن أهتف بحلف الفضول، قال: فلا حاجة لنا بالصّيلم.
قال: فخرج وهو مغضب، فمرّ بعبد اللّه بن الزّبير فأخبره، فقال: واللّه لئن لم ينصفني لأهتفنّ بحلف الفضول، فقال عبد اللّه بن الزبير: واللّه لئن هتفت به وأنا مضطجع لأقعدنّ أو قاعد لأقومنّ، ولئن هتفت به وأنا ماش لأسعينّ، ثم لينفدنّ روحي مع روحك، أو لينصفنّك.
قال: فخرج عبد اللّه بن الزّبير فدخل على معاوية فباعه منه، وخرج عبد اللّه فجاء إلى الحسين عليه السلام، فقال: أرسل فانتقد مالك، فقد بعته لك.
قال: وحدثني عليّ بن صالح، عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه، قال: خرج الحسين عليه السلام من عند معاوية، فلقي عبد اللّه بن الزبير، والحسين مغضب، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حقّ له، فقال الحسين: أخيّره في ثلاث خصال، والرابعة الصّيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقرّ بحقي، ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه منّي، فإن لم يفعل فو الذي نفسي بيده لأهتفنّ بحلف الفضول.
قال ابن الزبير: والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومنّ أو قائم لأمشينّ، أو ماش لأشتدنّ، حتى تفنى روحي مع روحك أو ينصفك.
قال: ثم ذهب ابن الزبير إلى معاوية، فقال: لقيني الحسين فخيّرك في ثلاث خصال، والرابعة الصّيلم. قال معاوية: لا حاجة لنا بالصّيلم؛ إنك لقيته مغضبا، فهات الثلاث، قال: تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه، قال: فقد جعلتك بيني وبينه أو ابن عمر أو جعلتكما، قال: أو تقرّ له بحقّه وتسأله إياه، قال: أنا أقرّ له بحقّه وأسأله إياه، قال: أو تشتريه منه، قال: وأنا أشتريه منه، قال: فلما انتهى إلى الرابعة قال لمعاوية كما قال للحسين عليه السلام: إن دعاني إلى حلف الفضول لأجبته، فقال معاوية: لا حاجة لنا بهذا.
قال: وبلغني أنّ عبد الرحمن بن أبي بكرة والمسور بن مخرمة قالا للحسين بن عليّ عليهما السلام مثل ما قال ابن الزبير، فبلغ ذلك معاوية وعنده جبير بن مطعم، فقال له معاوية: يا أبا محمد، أكنّا في حلف الفضول؟ قال: لا، قال: فكيف كان؟ قال: قدم رجل من ثمالة فباع سلعة له من أبيّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، فظلمه، وكان يسيء المخالطة فأتى الثماليّ إلى أهل حلف الفضول فأخبرهم، فقالوا: اذهب فأخبره أنك أتيتنا، فإن أعطاك حقّك وإلا فارجع إلينا، فأتاه فأخبره بما قال له أهل حلف الفضول، قال: فأخرج إليه ماله، وأعطاه إياه بعينه، وقال:
أيأخذني في بطن مكّة ظالماأبيّ ولا قومي لديّ ولا صحبى
وناديت قومي صارخا ليجيبنىوكم دون قومي من فياف ومن سهب
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتيبني جمح والحقّ يؤخذ بالغصب
وقد روى إبراهيم بن المنذر الحزاميّ في أمر حلف الفضول غير ما رواه الزبير، قال إبراهيم: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: قدم أبو الطمحان القينيّ الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقيّ، فاستجار عبد اللّه بن جدعان التيمي ومعه مال له من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم فانتحروا ثلاثة من إبله، وبلغه ذلك فأتاهم بمثلها، فقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها فانتحروها، ثم أمسكوا عنه زمانا، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا غدوا على إبله فأساقوها كلها، فأتى عبد اللّه بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان:
ألا حنّت المرقال واشتاق ربّهاتذكّر أرماما وأذكر معشري
ولو علمت صرف البيوع لسرّهابمكة أن تبتاع حمضا بإذخر
أجدّ بني الشّر فيّ أنّ أخاهممتى يعتلق جارا وإن عزّ يغدر
إذا قلت واف أدركته دروكهفيا موزع الجيران بالغيّ أقصر
ثم ارتحل عنهم.
ووفد لميس بن سعد البارقيّ مكة، فاشترى منه أبيّ بن خلف سلعة، فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجره أحد، فقال:
أيظلمني مالي أبيّ سفاهةوبغيا ولا قومي لديّ ولا صحبي
وناديت قومي بارقا لتجيبنيوكم دون قومي من فياف ومن سهب
ثم قدم رجل من بني زبيد، فاشترى منه رجل من بني سهم يقال له: حذيفة سلعة، وظلمه حقّه، فصعد الزبيديّ على أبي قبيس، ثم نادى بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعتهببطن مكّة نائي الحيّ والنّفر
يا آل فهر لمظلوم ومضطهدبين المقام وبين الركن والحجر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامتهولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فأعظم الزّبير بن عبد المطلب ذلك، وقال: يا قوم، إني واللّه لأخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكّة، فمشى إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له في ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم، وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشكّ أنهما للبغي: احتراق المقاييس منهم، وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له القطيعة، فصبّوا فضلة خمر لهم في إناء، وشربوا ثم ناموا، وقد بقيت منهم بقية فكرع منها حيّة أسود، ثم تقيأ في الإناء، فهبّ القوم فشربوا منه، فماتوا عن آخرهم، فأذكره هذا ومثله، فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم: باللّه الغالب، إنا ليد واحدة على الظالم، حتى يردّ الحق.
وخرج سائر قريش من هذا الحلف. إلا أنّ ابن الزبير ادّعاه لبني أسد في الإسلام. قال: فأخبرني الواقديّ وغيره أن محمد بن جبير بن مطعم دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن حلف الفضول فقال: أما أنا وأنت يا أمير المؤمنين فلسنا فيه، فقال: صدقت واللّه، إني لأعرفك بالصدق، قال: فإنّ ابن الزبير يدّعيه، فقال: ذاك هو الباطل.
قال: وكان عتبة بن ربيعة يقول: لو أنّ رجلا خرج عن قومه إلى غيرهم لكرم حلف لخرجت عن قومي إلى حلف الفضول.
قال الواقديّ: قد اختلف فيه، لم سمّي حلف الفضول؛ فقيل: إنه سمّي بذلك لأنهم قالوا: لا ندع لأحد عند أحد فضلا إلّا أخذناه منه، وقيل: بل سمع بهذا بعض من لم يدخل فيه، فقال: هذا فضول من الأمر.
وقال الواقديّ: والصحيح أن قوما من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضّال ومفضّل تحالفوا على مثل هذا في أيامهم، فلما تحالفت قريش هذا الحلف سموا بذلك.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
يا للرّجال لمظلوم بضاعتهببطن مكّة نائي الدار والنفر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامتهولا حرام لثوبي لابس الغدر
غنّاه ابن عائشة، ثقيل أول بالبنصر، عن حبش.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا المدائنيّ، عن ابن أبي سبرة، عن لقيط بن نصر المحاربيّ، قال: كان يزيد بن معاوية أول من سنّ الملاهي في الإسلام من الخلفاء، وآوى المغنّين، وأظهر الفتك وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النّصرانيّ مولاه والأخطل، وكان يأتيه من المغنّين سائب خاثر فيقيم عنده، فيخلع عليه ويصله، فغنّاه يوما:
يا للرّجال لمظلوم بضاعتهببطن مكة نائي الأهل والنّفر
فاعترته أريحيّة، فرقص حتى سقط، ثم قال: اخلعوا عليه خلعا يغيب فيها حتى لا يرى منه شيء، فطرحت عليه الثياب والجباب والمطارف والخزّ حتى غاب فيها.
صوت
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافي رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فعادا بعد أبوالا
عروضه++ من البسيط.
المرتفق: المتّكىء على مرفقه. وغمدان: اسم قصر كان لسيف بن ذي يزن باليمن. والمحلال. الدار التي يحلّ فيها، أي يقيم فيها. وشيبا: معناه خلطا. والشوب: الخلط، يقال: شاب كذا بكذا إذا خلطهما.
الشعر لأميّة بن أبي الصلت الثقفيّ، وقيل: بل هو للنابغة الجعديّ، وهذا خطأ من قائله؛ وإنما أدخل النابغة البيت الثاني من هذه الأبيات قي قصيدة له على جهة التضمين. والغناء لسائب خاثر خفيف رمل بالوسطى، من رواية حماد عن أبيه، وفيه لطويس لحن من كتاب يونس الكاتب غير مجنّس.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع