من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر لابن قيس الرقيّات
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني بالسبب الذي قال فيه ابن قيس هذا الشعر الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الحارث الكاتب، مولى بني عامر بن لؤيّ، وأبو الحارث هذا هو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائرفائتمر أمر رشيد مؤتمن
قال: حدثني عمرو بن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل، قال: حدثني سليمان بن نوفل بن مساحق، عن أبيه، عن جدّه، قال: أراد عبد الملك بن مروان البيعة لابنه الوليد بعد عبد العزيز بن مروان، وكتب إلى عبد العزيز يسأله ذلك، فامتنع عليه، وكتب إليه يقول له: لي ابن ليس ابنك أحبّ إليّ منه؛ فإن استطعت ألّا يفرق بيننا الموت وأنت لي قاطع فافعل. فرقّ له عبد الملك، وكفّ عن ذلك، فقال عبيد اللّه بن قيس في ذلك - وكان عند عبد العزيز -:
يخلفك البيض من بنيك كمايخلف عود النّضار في شعبه
ليسوا من الخروع الضّعاف ولاأشباه عيدانه ولا غربه
نحن على بيعة الرسول التيأعطيت في عجمه وفي عربه
نأتي إذا ما دعوت في الزّغف المسرود أبدانه وفي جنبه
نهدي رعيلا أمام أرعن لايعرف وجه البلقاء في لجبه
فقال عبد الملك: لقد دخل ابن قيس الرقيّات مدخلا ضيّقا، وتهدّده وشتمه. وقال: أليس هو القائل:
كيف نومي على الفراش ولماتشمل الشّام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبديعن خدام العقيلة العذراء
وهو القائل أيضا:
على بيعة الإسلام بايعن مصعباكراديس من خيل وجمعا مباركا
تدارك أخرانا ويمضي أمامناويتبع ميمون النقيبة ناسكا
إذا فرغت أظفاره من كتيبةأمال على أخرى السيوف البواتكا
قال: فلما بلغ عبيد اللّه قول عبد الملك وشتمه إياه قال:
بشّر الظّبي والغراب بسعدىمرحبا بالذي يقول الغراب
قال لي: إنّ خير سعدي قريبقد أنى أن يكون منه اقتراب
قلت: أنّى تكون سعدى قريباوعليها الحصون والأبواب
حبذا الرّيم ذو الوشاحين والخصر الذي لا يناله الأثواب
إنّ في القصر لو دخلت غزالامصفقا موصدا عليه الحجاب
أرسلت أن فدتك نفسي فاحذرها هنا شرطة عليك غضاب
أقسموا إن رأوك لا تطعم الماء وهم حين يقدرون ذئاب
قلت: قد يغفل الرّقيب ويغفيشرطة أو يحين منه انقلاب
أو عسى أن يورّي اللّه أمراليس في غيبه علينا ارتقاب
اذهبي فاقرئي السلام عليهاثم ردّي جوابنا يا رباب
حدثيها ما قد لقيت وقوليحقّ للعاشق الكريم ثواب
رجل أنت همّه حين يمسيخامرته من أجلك الأوصاب
لا أشمّ الريحان إلّا بعينيّ كرما إنما يشمّ الكلاب
ربّ زار عليّ لم ير منّيعثرة وهو مومس كذّاب
خادع اللّه حين جلّله الشيب فأضحى قد بان منه الشّباب
يأمر الناس أن يبرّوا ويمسيوعليه من عيبه جلباب
لا تعبني فليس عندك علملا تنامنّ أيّها المغتاب
تختل الناس بالكتاب فهلّاحين تغتابني نهاك الكتاب
لست بالمخبت التقيّ ولا المحضيه من مقالتي الاحتساب
إنني والتي رمت بك كرهاساقطا ملصقا عليك التراب
لتذوقنّ غبّ رأيك فيناحين تبدو بعرضك الأنداب
قال الزبير: معنى قوله:
لا أشمّ الريحان إلّا بعينيّ كرما إنّما يشمّ الكلاب
يعرّض بعبد الملك؛ لأنه كان متغيّر الفم يؤذيه رائحته، فكان في يده أبدا ريحان، أو تفّاحة، أو طيب يشمه.
أخبرني الحرميّ، قال: حدثنا الزبير، عن عمه: أنّ ابن قيس قال في عبد العزيز بن مروان:
يلتفت الناس عند منبرهإذا عمود البريّة انهدما
يعني إذا مات عبد الملك؛ لأنّ العهد كان إليه بعده.
قال الزّبير: فأخبرني مصعب بن عثمان، قال: لما بلغ عبد الملك هذا البيت أحفظه، وقال: بفيه الحجر، وحينئذ قال: لقد دخل ابن قيس مدخلا ضيقا.
أخبرني الحرميّ، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني كثيّر بن جعفر، عن أبيه، قال: قال الحجّاج يوما لأهل ثقته من جلسائه: ما من أحد من بني أميّة أشدّ نصبا لي من عبد العزيز بن مروان، وليس يوم من الأيام إلّا وأنا أتخوّف أن تأتيني منه قارعة، فهل من رجل تدلّوني عليه، له لسان وشعر وجلد؟ قالوا: نعم، عمران بن عصام العنزيّ، فدعاه فأخلاه، ثم قال: اخرج بكتابي هذا إلى أمير المؤمنين، فاقدح في قلبه من ابنه شيئا في الولاية، فقال له عمران: دسّ أيها الأمير إليّ دسّا، فقال له الحجاج: «إنّ العوان لا تعلّم الخمرة»: فخرج بكتاب الحجّاح، فلما دخل على عبد الملك دفع إليه الكتاب، وسأله عن الحجّاج، وأمر العراق، فاندفع يقول:
أمير المؤمنين إليك أهديعلى الشّحط التحيّة والسلاما
أمير من بنيك يكن جوابيلهم أكرومة ولنا نظاما
فلو أن الوليد أطاع فيهجعلت له الإمامة والذّماما
فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز في ذلك. ثم ذكر من خبرهما في المكاتبة مثل الخبر الذي قبله، وقال فيه: فرقّ عبد الملك رقّة شديدة، وقال: لا يكون إلى الصلة أسرع مني، فكفّ عن ذلك، وما لبث عبد العزيز إلا ستّة أشهر حتى مات.
فلما كان زمان ابن الأشعث خرج عمران بن عصام معه على الحجّاج، فأتى به حين قتل ابن الأشعث فقتله، فبلغ ذلك عبد الملك فقال: قطع اللّه يدي الحجاج! أقتله وهو الذي يقول:
وبعثت من ولد الأغرّ معتّبصقرا يلوذ حمامه بالعوسج
وإذا طبخت بناره أنضجتهاوإذا طبخت بغيرها لم تنضج
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع