من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار زيد الخيل ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب بن عبد رضا - ورضا: صنم كان لطيّى ء - ابن محلس بن ثور بن عديّ بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان، - وهو أسود بن عمرو بن الغوث بن جلهمة - وهو طيّى ء؛ سمّي بذلك لأنه كان يطوى المناهل في غزواته - ابن أدد بن مذحج بن زيد بن يشجب الأصفر بن عريب بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود النبي صلّى اللّه عليه وسلم. كذا نسبه النّسّابون، واللّه أعلم.
وأم طيّىء مدلّة بنت ذي منحسان بن عريب بن الغوث بن زهير بن وائل بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومدلّة هذه هي مذحج، وهو لقبها، وهي أم مالك بن أدد، وكانت مدلّة عند أدد أيضا، فولدت له الأشعر واسمه نبت، ومرّة، ابني أدد. ومن الناس من يقول مذحج ظرب صغير اجتمعوا عليه، وليس بأمّ ولا أب، واللّه أعلم.
وكان زيد الخيل فارسا مغوارا مظفّرا شجاعا بعيد الصّيت في الجاهلية، وأدرك الإسلام ووفد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم، ولقيه وسرّ به وقرّظه، وسمّاه زيد الخير.
وهو شاعر مقلّ مخضرم معدود في الشعراء الفرسان، وإنما كان يقول الشعر في غاراته ومفاخراته ومغازيه وأياديه عند من مرّ عليه وأحسن في قراه إليه.
وإنما سمي زيد الخيل لكثرة خيله، وأنه لم يكن لأحد من قومه ولا لكثير من العرب إلّا الفرس والفرسان، وكانت له خيل كثيرة، منها المسمّاة المعروفة التي ذكرها في شعره وهي ستّة، وهي: الهطّال، والكميت، والورد، وكامل، ودؤول، ولا حق.
قال شعرا في خيله
وفي الهطال يقول:
أقرّب مربط الهطّال إنّيأرى حربا ستلقح عن حيال
وفي الورد يقول:
أبت عادة للورد أن يكره القناوحاجة نفسي في نمير وعامر
وفي دؤول يقول:
فأقسم لا يفارقني دؤولأجول به إذا كثر الضّراب
هذا ما حضرني من تسمية خيله في شعره، وقد ذكرها.
وكان لزيد الخيل ثلاثة بنين كلّهم يقول الشعر، وهم عروة، وحريث، ومهلهل. ومن الناس من ينكر أن يكون له من الولد إلّا عروة وحريث.
وهذا الشعر الذي فيه الغناء يقوله في فرس من خيله ظلع في بعض غزواته بني أسد، فلم يتبع الخيل ووقف، فأخذته بنو الصيداء، فصلح عندهم واستقلّ.
وقيل: بل أغزى عليه بعض بني نبهان، فنكّس عنه وأخذ. وقيل: إنه خلّفه في بعض أحياء العرب ظالعا ليستقلّ، فأغارت عليهم بنو أسد، فأخذوا الفرس فيما استاقوه لهم، فقال في ذلك زيد الخيل:
يا بني الصّيداء ردّوا فرسيإنما يفعل هذا بالذّليل
لا تذيلوه فإني لم أكنيا بني الصّيدا لمهري بالمذيل
عوّدوه كالذي عوّدتهدلج اللّيل وإيطاء القتيل
أحمل الزقّ على منسجهفيظلّ الضيف نشوانا يميل
قال أبو عمرو الشيبانيّ: وكان زيد الخيل ملحّا على بني أسد بغاراته، ثم على بني الصيداء منهم، ففيهم يقول:
ضجّت بنو الصّيداء من حربناوالحرب من يحلل بها يضجر
بتنا نرجّي نحوهم ضمّرامعروفة الأنساب من منسر
حتى صبحناهم بها غدوةنقتلهم قسرا على ضمّر
يدعون بالويل وقد مسّهممنا غداة الشّعب ذي الهيشر
ضرب يزيل الهام ذو مصدقيعلو على البيضة والمغفر
الهيشر: شجر كثير الشّوك تأكله الإبل.
نسخت من كتاب لأبي المحلم، قال: حدثني أضبط بن الملوّح، قال لي أبي: أنشد حبيب بن خالد بن نضلة الفقعسيّ قول زيد الخيل:
عوّدوا مهري الذي عوّدته
فضحك ثم قال: قولوا له: إن عوّدناه ما عوّدته دفعناه إلى أول من يلقانا، وهربنا.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدثني عليّ بن حرب، قال: أنبأني هشام بن الكلبيّ أبو المنذر، قال: حدثني عباد بن عبد اللّه النّبهانيّ عن أبيه عن جده، وأضفت إلى ذلك ما رواه أبو عمرو الشيبانيّ، قالا: وفد زيد الخيل بن مهلهل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، ومعه وزر بن سدوس النّبهانيّ، وقبيصة بن الأسود بن عامر بن جوين الجرميّ، ومالك بن جبير المغني، وقعين بن خليل الطّريفيّ، في عدة من طيى ء، فأناخوا ركابهم بباب المسجد، ودخلوا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخطب الناس، فلما رآهم قال: إني خير لكم من العزّى، ومما حازت مناع من كل ضارّ غير يفاع، ومن الجبل الأسود الذي تعبدونه من دون اللّه عزّ وجلّ.
قال أبو المنذر: يعني بمناع: جبل طيى ء.
فقام زيد، وكان من أجمل الرّجال وأتمّهم، وكان يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطّان الأرض كأنه على حمار، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك محمد رسول اللّه. قال: ومن أنت؟ قال: أنا زيد الخيل بن مهلهل. فقال رسول اللّه: بل أنت زيد الخير، وقال: الحمد للّه الذي جاء بك من سهلك وجبلك، ورقّق قلبك على الإسلام، يا زيد، ما وصف لي رجل قطّ فرأيته إلّا كان دون ما وصف به إلّا أنت؛ فإنك فوق ما قيل فيك.
فلما ولّى قام النبي صلّى اللّه عليه وسلم: أيّ رجل إن سلم من آطام المدينة! فأخذته الحمّى، فأنشأ يقول:
أنخت بآطام المدينة أربعاوخمسا يغنّي فوقها الليل طائر
شددت عليها رحلها وشليلهامن الدّرس والشّعراء والبطن ضامر
فمكث سبعا، ثم اشتدت الحمّى به فخرج، فقال لأصحابه: جنّبوني بلاد قيس؛ فقد كانت بيننا حماسات في الجاهلية، ولا واللّه لا أقاتل مسلما حتى ألقى اللّه. فنزل بماء لحيّ من طيّىء يقال له فردة، واشتدّت به الحمّى، فأنشأ يقول:
أمرتحل صحبي المشارق غدوةوأترك في بيت بفردة منجد
سقى اللّه ما بين القفيل فطابةفما دون أرمام فما فوق منشد
هنالك لو أني مرضت لعادنيعوائد من لم يشف منهنّ يجهد
فليت اللواتي عدنني لم يعدننيوليت اللواتي غبن عنّي عوّدي
قال: وكتب معه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لبني نبهان بفيدك كتابا مفردا، وقال له: أنت زيد الخير، فمكث بالفردة سبعة أيام ثم مات. فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سبعا، ثم بعث راحلته ورحله، وفيه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فلما نظرت امرأته - وكانت على الشّرك - إلى الراحلة ليس عليها زيد ضربتها بالنار وقالت:
ألا إنما زيد لكلّ عظيمةإذا أقبلت أوب الجراد رعالها
لقاهم فما طاشت يداه بضربهمولا طعنهم حتى تولّى سجالها
قال: فبلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما بلغه ضرب امرأة زيد الراحلة بالنار، واحتراق الكتاب، قال: بؤسا لبني نبهان.
وقال أبو عمرو الشيبانيّ: لما وفد زيد الخيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فدخل إليه، طرح له متّكأ فأعظم أن يتكىء بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فردّ المتّكأ، فأعاده عليه ثلاثا، وعلّمه دعوات كان يدعو بها فيعرف الإجابة، ويستسقى فيسقى، وقال: يا رسول اللّه، أعطني ثلاثمائة فارس أغير بهم على قصور الروم، فقال له: أيّ رجل أنت يا زيد! ولكن أمّ الكلبة تقتلك - يعني الحمّى - فلم يلبث زيد بعد انصرافه إلّا قليلا حتى حمّ ومات.
قال أبو عمرو: وأسلموا جميعا إلّا وزر؛ فإنّه قال لما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم: إني لأرى رجلا ليملكنّ رقاب العرب، وو اللّه لا يملك رقبتي أبدا؛ فلحق بالشام، فتنصّر وحلق رأسه، فمات على ذلك.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثني السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبيّ قال: أقبل زيد الخيل الطائيّ حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم، وكان زيد رجلا جسيما طويلا جميلا، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم: من أنت؟ قال: أنا زيد الخيل. قال: بل أنت زيد الخير، أما إني لم أخبر عن رجل خبرا إلا وجدته دون ما أخبرت به عنه غيرك؛ إن فيك لخصلتين يحبّهما اللّه عزّ وجلّ ورسوله، قال: وما هما يا رسول اللّه؟ قال: الأناة والحلم، فقال زيد: الحمد صلّى اللّه عليه وسلم الذي جبلني على ما يحبّ اللّه ورسوله.
قال: ودخل زيد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعنده عمر رضي اللّه عنه، فقال عمر لزيد: أخبرنا يا أبا مكنف عن طيىء وملوكها نجدتها وأصحاب مرابعها، فقال زيد: في كلّ يا عمر نجدة وبأس وسيادة، ولكلّ رجل من حيّه مرباع، أما بنو حيّة فملوكنا وملوك غيرنا، وهم القداميس القادة، والحماة الذّادة، والأنجاد السادة، أعظمنا خميسا، وأكرمنا رئيسا، وأجملنا مجالس، وأنجدنا فوارس.
فقال له عمر رضي اللّه عنه: ما تركت لمن بقي من طيىء شيئا، فقال: بلى واللّه؛ أمّا بنو ثعل وبنو نبهان وجرم ففوارس العدوة وطلّاعو كلّ نجوة، ولا تحلّ حبوة، ولا تراع لهم ندوة، ولا تدرك لهم نبوة، عمود البلاد، وحيّة كلّ واد، وأهل الأسل الحداد، والخيل الجياد، والطّارف والتّلاد.
وأما بنو جديلة فأسهلنا قرارا، وأعظمنا أخطارا، وأطلبنا للأوتار، وأحمانا للذّمار، وأطعمنا للجار.
فقال له عمر: سمّ لنا هؤلاء الملوك، قال: نعم، منهم عفير المجير على الملوك، وعمرو المفاخر، ويزيد شارب الدماء، والغمر ذو الجود، ومجير الجراد، وسراج كلّ ظلام ولامة، وملحم بن حنظلة؛ هؤلاء كلّهم من بني حيّة.
وأما حاتم بن عبد اللّه الثعليّ الجواد فلا يجاري، والسمح فلا يباري، والليث الضّرغامة، قرّاع كلّ هامة، جوده في الناس علامة، لا يقرّ على ظلامة. فاعترض رجل من بني ثعل لما مدح زيد حاتما، فقال: ومنا زيد بن مهلهل النبهانيّ رئيس قومه وسيّد الشّيب والشبّان، وسمّ الفرسان، وآفة الأقران، والمهيب بكل مكان، أسرع إلى الإيمان، وآمن بالفرقان، رئيس قومه في الجاهلية وقائدهم إلى أعدائهم، على شحط المزار، وطموس الآثار، وفي الإسلام رائدنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، ومجيبه من غير تلعثم ولا تلبّث.
ومنا زيد بن سدوس النّبهانيّ عصمة الجيران، والغيث بكل أوان، ومضرم النيران، ومطعم النّدمان، وفخر كل يمان.
ومنا الأسد الرّهيص، سيد بني جديلة، ومدوّخ كل قبيلة، قاتل عنترة فارس بني عبس، ومكشّف كل لبس.
فقال عمر لزيد الخيل: للّه درّك يا أبا مكنف فلو لم يكن لطيء غيرك وغير عديّ بن حاتم لقهرت بكما العرب.
أخبرني ابن دريد، قال: أخبرني عمّي، عن أبيه، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال: أخبرني شيخ من بني نبهان، قال: أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله، حتى أنزلهم الحيرة، فقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصبكنّ من خيره حتى أرجع إليكنّ، وآلى أليّة لا يرجع حتى يكسبهنّ خيرا أو يموت. فتزوّد زادا، ثم مشى يوما إلى الليل، فإذا هو بمهر مقيّد يدور حول خباء. فقال: هذا أوّل الغنيمة، فذهب يحلّه ويركبه، فنودي: خلّ عنه واغنم نفسك، فتركه، ومضى سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطويل الشمس، فإذا خباء عظيم وقبّة من أدم، فقال في نفسه: ما لهذا الخباء بدّ من أهل، وما لهذه القبة بدّ من ربّ، وما لهذا العطن بدّ من إبل، فنظر في الخباء، فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه، كأنه نسر.
قال: فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارسا قطّ أعظم منه ولا أجسم، على فرس مشرف ومعه أسودان يمشيان جنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، وبركت حوله، ونزل الفارس، فقال لأحد عبديه: احلب فلانة، ثم اسق الشيخ، فحلب في عسّ حتى ملأه، ووضعه بين يدي الشيخ وتنّحى، فكرع منه الشيخ مرّة أو مرّتين، ثم نزع، فثرت إليه فشربته، فرجع إليه العبد. فقال: يا مولاي، قد أتى على آخره، ففرح بذلك، وقال: احلب فلانة، فحلبها، ثم وضع العسّ بين يدي الشيخ، فكرع منه واحدة، ثم نزع، فثرت إليه فشربت نصفه، وكرهت أن آتي على آخره، فأتّهم، فجاء العبد فأخذه وقال لمولاه: قد شرب وروي، فقال: دعه، ثم أمر بشاة فذبحت، وشوى للشيخ منها، ثم أكل هو وعبداه، فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل، فحللت عقاله وركبته، فاندفع بي وتبعته الإبل، فمشيت ليلتي حتى الصباح، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحدا، فشللتها إذا شلّا عنيفا حتى تعالى النهار، ثم التفتّ التفاتة فإذا أنا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبيّنته، فإذا هو فارس على فرس، وإذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل، ونثلت كنانني، ووقفت بينه وبين الإبل، فقال: احلل عقال الفحل، فقلت: كلّا واللّه، لقد خلّفت نسيّات بالحيرة، وآليت إليّة لا أرجع حتى أفيدهن خيرا أو أموت. قال: فإنك لميّت، حلّ عقاله، لا أمّ لك! فقلت: ما هو إلّا ما قلت لك، فقال: إنك لمغرور: انصب لي خطامه، واجعل فيه خمس عجر ففعلت، فقال: أين تريد أن أضع سهمي؟ فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمسة بخمسة أسهم، فرددت نبلي، وحططت قوسي، ووقفت مستسلما؛ فدنا مني وأخذ السيف والقوس، ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الرجل الذي شربت اللّبن عنده، فقال: كيف ظنّك بي؟ قلت: أسوأ ظنّ. قال: وكيف؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك، وقد أظفرك اللّه بي، فقال: أترانا كنّا نهيجك، وقد بتّ تنادم مهلهلا؟ قلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، أنا زيد الخيل، فقلت: كن خير آخذ، فقال: ليس عليك بأس.
فمضى إلى موضعه الذي كان فيه، ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك، ولكنها لبنت مهلهل، فأقم عليّ؛ فإني على شرف غارة.
فأقمت أياما، ثم أغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير، فقال: هذه أحبّ إليك أم تلك؟ قلت: هذه، قال: دونكها. وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء، حتى وردوا بي الحيرة، فلقيني نبطيّ: فقال لي: يا أعرابيّ، أيسرّك أنّ لك بإبلك بستانا من هذه البساتين؟ قلت: وكيف ذاك؟ قال: هذا قرب مخرج نبيّ يخرج فيملك هذه الأرض، ويحول بين أربابها وبينها، حتى إن أحدهم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير.
قال: فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى موضع الشّيّطين فبينما نحن في الشّيّطين على ماء لنا، وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم، فجاءنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلمنا، وما مضت الأيام حتى شربت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة. فقال في يوم الملح زيد الخيل:
ويوم الملح ملح بني نميرأصابتكم بأظفار وناب
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمّي عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، والشرقي: أنّ زيد الخيل قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم: إن في الحيّ رجلين لهما كلاب مضرّيات تصيد الوحش، أفنأكل مما أمسكته ولم تدرك ذكاته؟ فقال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه عليه وكل مما أمسك»، أو كما قال عليه السّلام.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق، عن الهيثم بن عديّ، عن حمّاد الراوية، عن ابن أبي ليلى، قال: أنشدتني ليلى بنت عروة بن زيد الخيل الطائي شعر أبيها في يوم محجّر:
بني عامر هل تعرفون إذا غداأبو مكنف قد شدّ عقد الدوابر
بجيش تضلّ البلق في حجراتهترى الأكم فيه سجّدا للحوافر
جمع كمثل الليل مرتجز الوغىكثير حواشيه سريع البوادر
قالت ليلى: فقلت لأبي: يا أبه، أشهدت ذلك اليوم مع أبيك؟ قال: إي واللّه يا بنيّة، لقد شهدته، قلت: كم كانت خيل أبيك هذه التي وصفت؟ قال: ثلاثة أفراس.
نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ بخطّه عن أبيه: أنّ زيد الخيل بن مهلهل جمع طيّئا وأخلاطا لهم، وجموعا من شذّاذ العرب، فغزا بهم بني عامر ومن جاورهم من قبائل العرب من قيس، وسار إليهم فصبّحهم من طلوع الشمس، فنذروا به وفزعوا إلى الخيل وركبوها، وكان أول من نذر بهم، فلقي جمعهم غنيّ بن أعصر وإخوتهم: الحارث وهو الطّفاوة، واسمه مالك بن سعد بن قيس بن عيلان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو عامر، فاستحرّ القتل بغنيّ، وفيهم يومئذ فرسان وشعراء، فملأت طيىء أيديهم من غنائمهم.
وأسر زيد الخيل يومئذ الحطيئة الشاعر، فجزّ ناصيته وأطلقه.
ثم إنّ غنيّا تجمّعت بعد ذلك مع لفّ من بني عامر فغزوا طيئا في أرضهم، فغنموا وقتلوا وأدركوا ثأرهم منهم.
وقد كان زيد الخيل قال في وقعته لبني عامر قصيدته التي يقول فيها:
وخيبة من يخيب على غنيّوباهلة بن أعصر والكلاب
فلما أدركوا ثارهم أجابه طفيل الغنويّ، فقال:
سمونا بالجياد إلى أعادمغاورة بجدّ واعتصاب
نؤمّهم على وعث وشحطبقود يطّلعن من النّقاب
وهي طويلة يقول فيها:
أخذنا بالمخطّم من أتاهممن السّود المزنّمة الرّغاب
وقتّلنا سراتهم جهاراوجئنا بالسّبايا والنّهاب
سبايا طيّىء أبرزن قسراوأبدلن القصور من الشّعاب
سبايا طيّىء من كلّ حيّنما في الفرع منها والنّصاب
وما كانت بناتهم سبيّاولا رغبا يعدّ من الرّغاب
ولا كانت دماؤهم وفاءلنا فيما يعدّ من العقاب
أخبرني الحسن بن يحيى، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: كان لزيد الخيل ابن يقال له عروة، وكان فارسا شاعرا، فشهد القادسيّة، فحسن فيها بلاؤه، وقال في ذلك يذكر حسن بلائه:
برزت لأهل القادسيّة معلماوما كلّ من يغشى الكريهة يعلم
ويوم بأكناف النّخيلة قبلهاشهدت فلم أبرح أدمّي وأكلم
وأقعصت منهم فارسا بعد فارسوما كلّ من يلقى الفوارس يسلم
ونجّاني اللّه الأجلّ وجيرتيوسيف لأطراف المرازب مخذم
وأيقنت يوم الدّيلميّين أننيمتى ينصرف وجهي عن القوم يهزموا
فما رمت حتى مزّقوا برماحهمثيابي وحتى بلّ أخمصي الدّم
محافظة إني امرؤ ذو حفيظةإذا لم أجد مستأخرا أتقدّم
قال: وشهد مع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه صفّين، وعاش إلى إمارة معاوية، فأراده على البراءة من عليّ عليه السّلام، فامتنع عليه، وقال:
يحاولني معاوية بن حربوليس إلى الذي يهوى سبيل
على جحدي أبا حسن عليّاوحظّي من أبي حسن جليل
قال: وله أشعار كثيرة.
قال أبو عمرو: كان لتغلب رئيس يقال له الجرّار، وأدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم، وأبى الإسلام، وامتنع منه، فيقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث إليه زيد الخيل، وأمره بقتاله، فمضى زيد فقاتله فقتله لمّا أبى الإسلام، وقال في ذلك:
صبّحت حيّ بني الجرّار داهيةما إن لتغلب بعد اليوم جرّار
نحوي النّهاب ونحوي كلّ جاريةكأن نقبتها في الخدّ دينار
قال مؤرّج: خرج رجل من طيىء يقال له: ذؤاب بن عبد اللّه إلى صهر له من هوازن، فأصيب الرجل - وكان شريفا ذا رياسة في حيّه - فبلغ ذلك زيدا، فركب في نبهان ومن تبعه من ولد الغوث، وأغار على بني عامر، وجعل كلما أخذ أسيرا قال له: ألك علم بالطائيّ المقتول؟ فإن قال: نعم، قتله، وإن قال: لا، خلّى سبيله ومنّ عليه.
وأصاب رجالا من بني الوحيد والضباب وبني نفيل. ثم رجع زيد إلى قومه، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: ما أصبت بثأر ذؤاب، ولا يبوء به إلا عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فأما ابن الطفيل فلا يبوء به، وأنشأ زيد يقول:
لا أرى أن بالقتيل قتيلاعامريّا يفي بقتل ذؤاب
ليس من لاعب الأسنة فيالنقع وسمّي ملاعبا بأراب
عامر ليس عامر بن طفيللكن العمر رأس حيّ كلاب
ذاك إن ألقه أنال به الوتروقرّت به عيون الصّحاب
أو يفتني فقد سبقت بوترمذحجيّ وجدّ قومي كأبي
قد تقنّصت للضّباب رجالاوتكرمت عن دماء الضّباب
وأصبنا من الوحيد رجالاونفيل فما أساغوا شرابي
فبلغ عامر بن الطفيل قول زيد الخيل وشعره، فأغضبه وقال مجيبا له:
قل لزيد قد كنت تؤثر بالحلم إذا سفّهت حلوم الرّجال
ليس هذا القتيل من سلف الحيّكلاع ويحصب وكلال
أو بني آكل المرار ولا صيدبني جفنة الملوك الطّوال
وابن ماء السماء قد علم النّاس ولا خير في مقالة غالي
إنّ في قتل عامر بن طفيللبواء لطيّىء الأجبال
إنني والذي يحجّ له النّاس قليل في عامر الأمثال
يوم لا مال للمحارب في الحرب سوى نصل أسمر عسّال
ولجام في رأس أجرد كالجذع طوال وأبيض قصّال
ودلاص كالنّهي ذات فضولذاك في حلبة الحوادث مالي
ولعمّي فضل الرياسة والسنّوجدّ على هوازن عالي
غير أني أولي هوازن في الحرب بضرب المتوّج المختال
وبطعن الكميّ في حمس النّقع على متن هيكل جوّال
قال أبو عمرو الشيبانيّ: لما بلغ زيد الخيل ما كان من الحارث بن ظالم وعمرو بن الإطنابة الخزرجيّ وهجائه إياه، غضب زيد لذلك، فأغار على بني مرّة بن غطفان، فأسر الحارث بن ظالم وامرأته في غارته، ثم منّ عليهما، وقال يذكر ذلك:
ألا هل أتى غوثا ورومان أنناصبحنا بني ذبيان إحدى العظائم
وسقنا نساء الحيّ مرّة بالقناوبالخيل تردي قد حوينا ابن ظالم
جنيبا لأعضاد النواجي يقدنهعلى تعب بين النّواجي الرواسم
يقول: اقبلوا منّي الفداء وأنعمواعليّ وجزّوني مكان القوادم
وقد مسّ حدّ الرمح قوّارة استهفصارت كشدق الأعلم المتضاجم
وسائل بنا جار ابن عوف فقد رأىحليلته جالت عليها مقاسمي
تلاعب وحدان العضاريط بعد ماجلاها بسهميه لقيط بن حازم
أغرّك أن قيل ابن عوف ولا أرىعزيمك إلّا واهيا في العزائم
غداة سبينا من خفاجة سبيهاومرّت لهم منّا نحوس الأشائم
فمن مبلغ عني الخزارج غارةعلى حيّ عوف موجفا غير نائم
وقال أبو عمرو: أغار زيد على بني فزارة وبني عبد اللّه بن غطفان ورئيسهم يومئذ أبو ضبّ، ومع زيد الخيل من بني نبهان بطنان يقال لهما: بنو نصر وبنو مالك، فأصاب وغنم، وساقوا الغنيمة، وانتهى إلى العلم، فاقتسموا النّهاب، فقال لهم زيد: أعطوني حقّ الرياسة، فأعطاه بنو نصر، وأبى بنو مالك، فغضب زيد، وانحدر إلى بني نصر، فبينما بنو مالك يقتسمون إذ غشيتهم فزارة وغطفان، وهم حلفاء، فاستنقذوا ما بأيديهم. فلما رأى زيد ذلك شدّ على القوم فقتل رئيسهم أبا ضبّ، وأخذ ما في أيديهم، فدفعه إلى بني مالك، وكانوا نادوه يومئذ: يا زيداه أغثنا! فكرّ على القوم حتى استنقذ ما في أيديهم، وردّه، وقال يذكر ذلك:
كررت على أبطال سعد ومالكومن يدع الدّاعي إذا هو ندّدا
فلأيا كررت الورد حتى رأيتهميكبّون في الصحراء مثنى وموحدا
وحتى نبذتم بالصّعيد رماحكموقد ظهرت دعوى زنيم وأسعدا
فما زلت أرميهم بغرّة وجههوبالسيف حتى كلّ تحتي وبلّدا
إذا شكّ أطراف العوالي لبانهأقدّمه حتى يرى الموت أسودا
علالتها بالأمس ما قد علمتموعلّ الجواري بيننا أن تسهّدا
لقد علمت نبهان أنّي حميتهاوأنى منعت السّبي أن يتبدّدا
عشيّة غادرت ابن ضبّ كأنماهوى عن عقاب من شماريخ صنددا
بذي شطب أغشي الكتيبة سلهباأقبّ كسرحان الظلام معوّدا
قال أبو عمرو: وخرج زيد الخيل يطلب نعما من بني بدر، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأة يقال لها هند، واستاق نعما لهم، فقالت بنو بدر لزيد: ما كنا قطّ إلى نعمك أحوج منّا اليوم، فتبعه زيد الخيل، وقد مضى، وعامر يقول: يا هند، ما ظنّك بالقوم؟ فقالت: ظنّي بهم أنهم سيطلبونك، وليسوا نياما عنك.
قال: فحطأ عجزها، ثم قال: لا تقول استها شيئا، فذهبت مثلا.
فأدركه زيد الخيل، فنظر إلى عامر فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيد فبرز له عامر، فقال: يا عامر؛ خلّ سبيل الظعينة والنّعم. فقال عامر: من أنت؟ قال: فزاري أنا. قال عامر: واللّه ما أنت من القلح أفواها. فقال زيد: خلّ عنها، قال: لا، أو تخبرني من أنت؟ قال: أسديّ، قال: لا واللّه ما أنت من المتكوّرين على ظهور الخيل. قال: خلّ سبيلها. قال: لا واللّه أو تخبرني فأصدقني، قال: أنا زيد الخيل، قال: صدقت؛ فما تريد من قتالي، فو اللّه لئن قتلتني لتطلبنّك بنو عامر، ولتذهبنّ فزارة بالذكر. فقال له زيد: خلّ عنها، قال: تخلّى عنّي وأدعك والظعينة والنّعم؟ قال: فاستأسر، قال: أفعل، فجزّ ناصيته، وأخذ رمحه، وأخذ هندا والنعم، فردّها إلى بني بدر، وقال في ذلك:
إنا لنكثر في قيس وقائعناوفي تميم وهذا الحيّ من أسد
وعامر بن طفيل قد نحوت لهصدر القناة بماضي الحدّ مطّرد
لما أحسّ بأنّ الورد مدركهوصارما وربيط الجأش ذا لبد
نادى إليّ بسلم بعد ما أخذتمنه المنية بالحيزوم واللّغد
ولو تصبّر لي حتى أخالطهأسعرته طعنة تكتار بالزّبد
قال: فانطلق عامر إلى قومه مجزوزا، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك، وقالوا: لا ترأسنا أبدا، وتجهّزوا ليغيروا على طيى ء، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير.
فبعث عامر إلى زيد الخيل دسيسا ينذره، فجمع زيد قومه، فلقيهم بالمضيق فقاتلهم، فأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقوما منهم، فحبسهم فلما طال عليهم الأسر قالوا: يا زيد، فادنا. قال: الأمر إلى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهبهم لعامر إلّا الحطيئة وكعبا، فأعطاه كعب فرسه الكميت، وشكا الحطيئة الحاجة، فمنّ عليه، فقال زيد:
أقول لعبدي جرول إذ أسرتهأثبني ولا يغررك أنك شاعر
أنا الفارس الحامي الحقيقة والذيله المكرمات واللّهى والمآثر
وقومي رؤوس الناس والرأس قائدإذا الحرب شبّتها الأكفّ المساعر
فلست إذا ما الموت حوذر وردهوأترع حوضاه وحمّج ناظر
بوقافة يخشى الحتوف تهيّبايباعدني عنها من القبّ ضامر
ولكنني أغشى الحتوف بصعدتيمجاهرة إنّ الكريم يجاهر
وأروي سناني من دماء عزيزةعلى أهلها إذ لا ترجّى الأياصر
فقال الحطيئة لزيد:
إن لم يكن مالي بآت فإنّنيسيأتي ثنائي زيدا بن مهلهل
فأعطيت منا الودّ يوم لقيتناومن آل بدر شدّة لم تهلّل
فما نلتنا غدرا ولكن صبحتناغداة التقينا في المضيق بأخيل
تفادى حماة القوم من وقع رمحهتفادي ضعاف الطّير من وقع أجدل
وقال فيه الحطيئة أيضا:
وقعت بعبس ثم أنعمت فيهمومن آل بدر قد أصبت الأخايرا
فإن يشكروا فالشكر أدنى إلى التّقىوإن يكفروا لا ألف يا زيد كافرا
تركت المياه من تميم بلاقعابما قد ترى منهم حلولا كراكرا
وحيّ سليم قد أثرت شريدهموبالأمس ما قتّلت يا زيد عامرا
فرضي عنه زيد ومنّ عليه لما قال هذا فيه، وعدّ ذلك ثوابا من الحطيئة وقبله.
فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامدا لزيد، شاكرا لنعمته، حتى أسرت طيىء بني بدر، فطلبت فزارة وأفناء قيس إلى شعراء العرب أن يهجوا بني لأم وزيدا، فتحامتهم شعراء العرب، وامتنعت من هجائهم، فصاروا إلى الحطيئة فأبى عليهم، وقال: اطلبوا غيري فقد حقن دمي، وأطلقني بغير فداء؛ فلست بكافر نعمته أبدا، قالوا: فإنا نعطيك مائة ناقة، قال: واللّه لو جعلتموها ألفا ما فعلت ذلك. وقال الحطيئة:
كيف الهجاء وما تنفكّ صالحةمن آل لأم بظهر الغيب تأتينا
المنعمين أقام العزّ وسطهمبيض الوجوه وفي الهيجا مطاعينا
وقد أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: خرج بجير بن زهير والحطيئة ورجل من فزارة يتقنّصون الوحش، فلقيهم زيد الخيل فأسرهم، فافتدى بجير نفسه بفرس كان لكعب أخيه، وكعب يومئذ مجاور في بني ملقط من طيى ء، وشكا إليه الحطيئة الفاقة فأطلقه:
وقال أبو عمرو: غزت بنو نبهان فزارة وهم متساندون ومعهم زيد الخيل، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت فزارة، وساقت بنو نبهان الغنائم من النساء والصبيان. ثم إن فزارة حشدت واستعانت بأحياء من قيس، وفيهم رجل من سليم شديد البأس سيّد يقال له: عباس بن أنس الرعليّ، كانت بنو سليم قد أرادوا عقد التاج على رأسه في الجاهلية، فحسده ابن عمّ له فلطم عينه، فخرج عباس من أعمال بني سليم في عدّة من أهل بيته وقومه، فنزل في بني فزارة، وكان معهم يومئذ، ولم يكن لزيد المرباع حينئذ، وأدركت فزارة بني نبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فلما رأى زيد ما لقيت بنو نبهان نادى: يا بني نبهان؛ أأحمل ولي المرباع؟ قالوا: نعم، فشدّ على بني سليم فهزمهم، وأخذ أم الأسود امرأة عباس بن أنس، ثم شدّ على فزارة والأخلاط فهزمهم، وقال في ذلك:
ألا ودّعت جيرانها أمّ أسوداوضنّت على ذي حاجة أن يزوّدا
وأبغض أخلاق النساء أشدّهإليّ فلا تولنّ أهلي تشددا
وسائل بني نبهان عنّا وعندهمبلاء كحدّ السيف إذ قطع اليدا
دعوا مالكا ثم اتّصلنا بمالكفكلّ ذكا مصباحه فتوقّدا
وبشر بن عمرو قد تركنا مجندلاينوء بخطّار هناك ومعبدا
تمطّت به قوداء ذات علالةإذا الصّلدم الخنذيذ أعيا وبلّدا
لقيناهم نستنقذ الخيل كالقناويستسلبون السّمهريّ المقصّدا
فيا ربّ قدر قد كفأنا وجفنةبذي الرّمث إذ يدعون مثنى وموحدا
على أنني أثوي سناني وصعدتي- بساقين - زيدا أن يبوء ومعبدا
قال أبو عمرو: وقعت حرب بين أخلاط طيّى ء، فنهاهم زيد عن ذلك وكرهه فلم ينتهوا، فاعتزل وجاور بني تميم، ونزل على قيس بن عاصم، فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس، وزيد معه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وزيد كافّ. فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه، وحمل على القوم، وجعل يدعو بالتميم، ويتكنّى بكنية قيس إذا قتل رجلا أو أذراه عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر، وظفرت تميم، فصارت فخرا لهم في العرب، وافتخر بها قيس.
فلما قدموا قال له زيد: أقسم لي يا قيس نصيبي، فقال: وأيّ نصيب؟ فو اللّه ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد:
ألا هل أتاها والأحاديث جمّةمغلغلة أنباء جيش اللّهازم
فلست بوقّاف إذا الخيل أحجمتولست بكذّاب كقيس بن عاصم
تخبّز من لاقيت أن قد هزمتهمولم تدر ما سيماهم والعمائم
بل الفارس الطائيّ فضّ جموعهمومكّة والبيت الذي عند هاشم
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهمبمأثورة تشفي صداع الجماجم
فبلغ المكشّر بن حنظلة العجليّ أحد بني سنان قول زيد، فخرج في ناس من عجل حتى أغار على بني نبهان، فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل، فخرج على فرسه في فوارس من نبهان، حتى اعترض القوم، فقال: ما لي ولك يا مكشّر؟ فقال: قولك:
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم
فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ورجع المكشر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على بني تيم اللّه بن ثعلبة، فغنم وسبى، وقال في ذلك:
إذا عركت عجل بنا ذنب غيرناعركنا بتيم اللات ذنب بني عجل
وقال أبو عمرو: كان حريث بن زيد الخيل شاعرا، فبعث عمر بن الخطاب رجلا من قريش يقال له أبو سفيان يستقرىء أهل البادية، فمن لم يقرأ شيئا من القرآن عاقبه، فأقبل حتى نزل بمحلّة بني نبهان، فاستقرأ ابن عمّ لزيد الخيل يقال له أوس بن خالد بن زيد بن منهب، فلم يقرأ شيئا، فضربه، فمات.
فأقامت بنته أم أوس تندبه، وأقبل حريث بن زيد الخيل فأخبرته، فأخذ الرمح فشدّ على أبي سفيان فطعنه فقتله، وقتل ناسا من أصحابه، ثم هرب إلى الشام، وقال في ذلك:
ألا بكّر الناعي بأوس بن خالدأخي الشّتوة الغبراء والزّمن المحل
فلا تجزعى يا أمّ أوس فإنّهيلاقي المنايا كلّ حاف وذي نعل
فإن يقتلوا أوسا عزيزا فإننيتركت أبا سفيان ملتزم الرّحل
ولو لا الأسى ما عشت في الناس بعدهولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
أصبنا به من خيرة القوم سبعةكراما ولم نأكل به حشف النّخل
صوت
بشّر الظبي والغراب بسعدىمرحبا بالذي يقول الغراب
اذهبي فاقرئي السلام عليهمثم ردّي جوابنا يا رباب
عروضه من الخفيف. الشعر لعبيد اللّه بن قيس الرقيّات، والغناء لفند المخنّث - مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقّاص - خفيف رمل بالبنصر. وذكر حبش أنّ هذا اللّحن ليحيى المكي، وليس ممن يحصّل قوله.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع