من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبد اللّه بن جحش
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني محمد بن يحيى أبو غسّان، عن غسّان بن عبد الحميد قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها: صهباء من أحسن الناس وجها، وكانت من هذيل، فتزوّجها ابن عمّ لها، فمكث حينا معها لا يقدر عليها من شدّة ارتتاقها، فأبغضته وطالبته بالطّلاق، فطلّقها. ثم أصاب الناس مطر شديد في الخريف، فسال العقيق سيلا عظيما، وخرج أهل المدينة، وخرجت صهباء معهم، فصادفت عبد اللّه بن جحش وأصحابه في نزهة، فرآها وافترقا.
ثم مضت إلى أقصى الوادي فاستنقعت في الماء وقد تفرّق النّاس وخفّوا، فاجتاز بها ابن جحش فرآها فتهالك عليها وهام بها، وكان بالمدينة امرأة تدلّ على النّساء يقال لها: قطنة، كانت تداخل القرشيّات وغيرهن، فلقيها ابن جحش فقال لها: اخطبي عليّ صهباء، فقالت: قد خطبها عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه وأجابوه، ولا أراهم يختارونك عليه، فشتمها ابن جحش وقال لها: كلّ مملوك له فهو حرّ، لئن لم تحتالي فيها حتى أتزوّجها لأضربنّك ضربة بالسيف - وكان مقداما جسورا - ففرقت منه فدخلت على صهباء وأهلها، فتحدّثت معهم، ثم ذكرت ابن عمّها، فقالت لعمة صهباء: ما باله فارقها، فأخبرتها خبرها، وقالت: لم يقدر عليها وعجز عنها. فقالت لها: وأسمعت صهباء -: إنّ هذا ليعتري كثيرا من الرجال فلا ينبغي أن تتقدّموا في أمرها إلا على من تختبرونه، وأما واللّه لو كان ابن جحش لصهباء لثقبها ثقب اللّؤلؤ ولو رتقت بحجر، ثم خرجت من عندهم.
فأرسلت إليها صهباء: مري ابن جحش فليخطبني، فلقيته قطنة فأخبرته الخبر، فمضى فخطبها، فأنعمت له وأبى أهلها إلا عيسى بن طلحة، وأبت هي إلا ابن جحش، فتزوّجته ودخل بها وافتضّها، وأحبّ كلّ واحد منهما صاحبه فقال فيها:
نعم الضّجيع إذا النّجوم تغوّرتبالغور أولاها على أخراها
عذب مقبّلها وثير ردفهاعبل شواها طيّب مجناها
صفراء يطويها الضجيع لجنبهاطيّ الحمالة ليّن متناها
لو يستطيع ضجيعها لأجنّهافي الجوف حبّ نسيمها ونشاها
يا دار صهباء الّتي لا أنتهيعن ذكرها أبدا ولا أنساها
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عبد الرّحيم بن أحمد بن زيد بن الفرج، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: كان عبد الملك بن مروان معجبا بشعر عبد اللّه بن جحش، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فورد كتابه وقد توفّي، فقال إخوانه لابنه:
لو شخصت إلى أمير المؤمنين عن إذنه لأبيك لعلّه كان ينفعك، ففعل، فبينا هو في طريقه إذ ضاع منه كتاب الإذن، فهمّ بالرّجوع، ثم مضى لوجهه، فلما قدم على عبد الملك سأله عن أبيه فأخبره بوفاته، ثم سأله عن كتابه فأخبره بضياعه فقال له: أنشدني قول أبيك:
صوت
هل يبلغنها السّلام أربعةمنّي وإن يفعلوا فقد نفعوا
على مصكّين من جمالهموعنتريسين فيهما سطع
قرّب جيراننا جمالهمصبحا فأضحوا بها قد انتجعوا
ما كنت أدري بوشك بينهمحتى رأيت الحداة قد طلعوا
قد كاد قلبي - والعين تبصرهملما تولّى بالقوم - ينصدع
ساروا وخلّفت بعدهم دنفاأليس باللّه بئس ما صنعوا!
قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين ما أرويه، قال: لا عليك، فأنشدني قول أبيك:
صوت
أجدّ اليوم جيرتك الغيارارواحا أم أرادوه ابتكارا
بعينك كان ذاك وإن يبينوايزدك البين صدعا مستطارا
بلى أبقت من الجيران عنديأناسا ما أوافقهم كثارا
وماذا كثرة الجيران تغنّيإذا ما بان من أهوى فسارا
قال: لا واللّه ما أرويه يا أمير المؤمنين، قال: ولا عليك، فأنشدني قول أبيك:
دار لصهباء الّتي لا ينثنيعن ذكرها قلبي ولا أنساها
صفراء يطويها الضّجيع لصلبهاطيّ الحمالة ليّن متناها
لو يستطيع ضجيعها لأجنّهافي القلب شهوة ريحها ونشاها
قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين، ما أرويه، وإنّ صهباء هذه لأمّي، قال: ولا عليك، قد يبغض الرجل أن يشبّب بأمّه، ولكن إذا نسب بها غير أبيه، فأفّ لك! ورحم اللّه أباك، فقد ضيّعت أدبه وعققته؛ إذ لم ترو شعره. اخرج فلا شيء لك عندنا.
صوت
أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجههاوأدنت على الخدّين بردا مهلهلا
من اللّاء لم يحججن يبغين حسبةولكن يقتّلن البريء المغفّلا
رأتني خضيب الرّأس شمّرت مئزريوقد عهدتني أسود الرّأس مسبلا
خطوّا إلى اللّذات أجررت مئزريكإجرارك الحبل الجواد المحجّلا
صريع الهوى لا يبرح الحبّ قائديبشرّ فلم أعدل عن الشّرّ معدلا
لدى الجمرة القصوى فريعت وهلّلتومن ريع في حجّ من الناس هلّلا
الشعر للعرجيّ، والغناء لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ ثقيل أول في الأول والثاني والخامس والسادس من هذه الأبيات، وهو من جيّد الغناء وفاخر الصنعة، ويقال: إنّه أول شعر صنعه، ولعزار المكّيّ في الثّالث وما بعده ثاني ثقيل، عن يحيى المكّيّ وغيره، وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى ابن سريج وإلى الغريض، وفيه لإبراهيم لحن من كتابه غير مجنّس، وأنا ذاكر ها هنا أخبارا لهذا الشّعر من أخبار العرجيّ؛ إذ كان أكثر أخباره قد مضى سوى هذه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع