تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عويف ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن، وقيل: ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤيّة بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

وعويف القوافي شاعر مقلّ من شعراء الدّولة الأمويّة من ساكني الكوفة، وبيته أحد البيوت المقدّمة الفاخرة في العرب.

قال أبو عبيدة: حدّثني أبو عمرو بن العلاء أنّ العرب كانت تعدّ البيوتات المشهورة بالكبر والشّرف من القبائل بعد بيت هاشم بن عبد مناف في قريش ثلاثة بيوت، ومنهم من يقول أربعة، أولها بيت آل حذيفة بن بدر الفزاريّ بيت قيس، وبيت آل زرارة بن عدس الدّارميّين بيت تميم، وبيت آل ذي الجدّين بن عبد اللّه بن همّام بيت شيبان، وبيت بني الدّيان من بني الحارث بن كعب بيت اليمن.

وأما كندة فلا يعدّون من أهل البيوتات، إنما كانوا ملوكا.

وقال ابن الكلبيّ: قال كسرى للنّعمان: هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟ قال: نعم. قال: بأيّ شي ء؟

قال: من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتّصل ذلك بكمال الرّابع، والبيت من قبيلته فيه، قال: فاطلب لي ذلك، فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر بيت قيس بن عيلان، وآل حاجب بن زرارة بيت تميم، وآل ذي الجدّين بيت شيبان، وآل الأشعث بن قيس بيت كندة. قال: فجمع هؤلاء الرّهط ومن تبعهم من عشائرهم، فأقعد لهم الحكّام العدول، فأقبل من كلّ قوم منهم شاعرهم، وقال لهم: ليتكلّم كلّ رجل منكم بمآثر قومه وفعالهم، وليقل شاعرهم فيصدق، فقام حذيفة بن بدر - وكان أسنّ القوم وأجرأهم مقدما - فقال: لقد علمت معدّ أنّ منا الشّرف الأقدم، والعزّ الأعظم، ومأثرة الصّنيع الأكرم، فقال من حوله: ولم ذاك يا أخا فزارة؟ فقال: ألسنا الدّعائم الّتي لا ترام، والعزّ الّذي لا يضام! قيل له: صدقت، ثم قام شاعرهم فقال:

فزارة بيت العزّ والعزّ فيهمفزارة قيس حسب قيس نضالها
لها العزّة القعساء والحسب الّذيبناه لقيس في القديم رجالها
فمن ذا إذا مدّ الأكفّ إلى العلايمدّ بأخرى مثلها فينالها
فهيهات قد أعيا القرون مضتمآثر قيس مجدها وفعالها
وهل أحد إن مدّ يوما بكفّهإلى الشمس في مجرى النّجوم ينالها!
وإن يصلحوا يصلح لذاك جميعناوإن يفسدوا يفسد على النّاس حالها

ثم قام الأشعث بن قيس - وإنّما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته بالنّعمان - فقال: لقد علمت العرب أنّا نقاتل عديدها الأكثر، وقديم زحفها الأكبر، وأنا غياث اللّزبات. فقالوا: لم يا أخا كندة؟ قال: لأنّا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه، وتقلّدنا منكبه الأعظم، وتوسّطنا بحبوحة الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:

إذا قست أبيات الرّجال ببيتناوجدت له فضلا على من يفاخر
فمن قال: كلّا أو أتانا بخطّةينافرنا يوما فنحن نخاطر
تعالوا فعدّوا يعلم النّاس أيّناله الفضل فيما أورثته الأكابر

ثم قام بسطام بن قيس فقال: لقد علمت ربيعة أنّا بناة بيتها الّذي لا يزول، ومغرس عزّها الّذي لا ينقل، قالوا: ولم يا أخا شيبان؟ قال: لأنّا أدركهم للثّأر، وأقتلهم للملك الجبّار، وأقولهم للحقّ، وألدّهم للخصم، ثم قام شاعرهم فقال:

لعمري لبسطام أحقّ بفضلهاوأولى ببيت العزّ عزّ القبائل
فسائل - أبيت اللّعن - عن عزّ قومناإذا جدّ يوم الفخر كلّ مناضل
ألسنا أعزّ النّاس قوما وأسرةوأضربهم للكبش بين القبائل
فيخبرك الأقوام عنها فإنهاوقائع ليست نهزة للقبائل
وقائع عزّ كلّها ربعيّةتذلّ لهم فيها رقاب المحافل
إذا ذكرت لم ينكر النّاس فضلهاوعاذ بها من شرّها كلّ قائل
وإنّا ملوك النّاس في كل بلدةإذا نزلت بالنّاس إحدى الزّلازل

ثم قام حاجب بن زرارة فقال: لقد علمت معدّ أنّا فرع دعامتها، وقادة زحفها، فقالوا له: بم ذاك يا أخا بني تميم؟ قال: لأنّا أكثر الناس إذا نسبنا عددا، وأنجبهم ولدا، وأنّا أعطاهم للجزيل، وأحملهم للثّقيل، ثم قام شاعرهم فقال:

لقد علمت أبناء خندف أنّنالنا العزّ قدما في الخطوب الأوائل
وأنّا هجان أهل مجد وثروةوعزّ قديم ليس بالمتضائل
فكم فيهم من سيّد وابن سيّدأغرّ نجيب ذي فعال ونائل
فسائل - أبيت اللّعن - عنّا فإنّنادعائم هذا النّاس عند الجلائل

ثم قام قيس بن عاصم فقال: لقد علم هؤلاء أنّا أرفعهم في المكرمات دعائم، وأثبتهم في النّائبات مقاوم، قالوا: ولم ذاك يا أخا بني سعد؟ قال: لأنّا أمنعهم للجار، وأدركهم للثأر، وأنّا لا ننكل إذا حملنا، ولا نرام إذا حللنا، ثم قام شاعرهم فقال:

لقد علمت قيس وخندف كلّهاوجلّ تميم والجموع الّتي ترى
بأنّا عماد في الأمور وأنّنالنا الشّرف الضّخم المركّب في النّدى
وأنّا ليوث النّاس في كل مأزقإذا اجتزّ بالبيض الجماجم والطّلى
وأنّا إذا داع دعانا لنجدةأجبنا سراعا في العلا ثمّ من دعا
فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصماوقيسا إذا مدّ الأكفّ إلى العلا
فهيهات قد أعيا الجميع فعالهموفاتوا بيوم الفخر مسعاة من سعى

فلما سمع كسرى ذلك منهم قال: ليس منهم إلا سيّد يصلح لموضعه، فأثنى حباءهم.

وإنّما قيل لعويف: عويف القوافي لبيت قاله، نسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن الحسن بن دريد ولم أسمعه منه. قال: أخبرنا السّكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن ابن الكلبيّ، قال: أقبل عويف القوافي - وهو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن بن حذيفة الفزاريّ، وإنّما قيل له عويف القوافي، كما حدّثني عمّار بن أبان بن سعيد بن عيينة، ببيت قاله:

سأكذب من قد كان يزعم أنّنيإذا قلت قولا لا أجيد القوافيا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

قال: فوقف على جرير بن عبد اللّه البجليّ وهو في مجلسه فقال:

أصبّ على بجيلة من شقاهاهجائي حين أدركني المشيب
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فقال له جرير: ألا أشتري منك أعراض بجيلة؟ قال: بلى، قال: بكم؟ قال: بألف درهم وبرذون، فأمر له بما طلب فقال:

لو لا جرير هلكت بجيلهنعم الفتى وبئست القبيله

فقال جرير: ما أراهم نجوا منك بعد.

نسخت من كتاب أبي سعيد السكريّ في كتاب «من قال بيتا فلقّب به» قال: أخبرني محمد بن حبيب قال: وإنّما قيل لعويف: عويف القوافي لقوله، وقد كان بعض الشعراء عيّره بأنّه لا يجيد الشّعر، فقال أبياتا منها:

سأكذب من قد كان يزعم أنّنيإذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فسمّي عويف القوافي.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أحمد بن إسحاق، عن أبيه، قال: حدّثني عزيز بن طلحة بن عبد اللّه بن عثمان بن الأرقم المخزوميّ، قال: حدّثني غير واحد من مشيخة قريش، قالوا: لم يكن رجل من ولاة أولاد عبد الملك بن مروان كان أنفس على قومه، ولا أحسد لهم من الوليد بن عبد الملك. فأذن يوما للنّاس فدخلوا عليه؛ وأذن للشّعراء، فكان أوّل من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاريّ، فاستأذنه في الإنشاد فقال: ما بقّيت لي بعد ما قلت لأخي بني زهرة! قال: وما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين؟

قال: ألست الّذي تقول:

يا طلح أنت أخو النّدى وحليفهإنّ النّدى من بعد طلحة ماتا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
إنّ الفعال إليك أطلق رحلهفبحيث بتّ من المنازل باتا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

أو لست الّذي تقول:

إذا ما جاء يومك يا بن عوففلا مطرت على الأرض السّماء
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ولا سار البشير بغنم جيشولا حملت على الطّهر النّساء
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
تساقى الناس بعدك يا بن عوفذريع الموت ليس له شفاء

ألم تقم علينا السّاعة يوم قامت عليه؟ لا واللّه لا أسمع منك شيئا، ولا أنفعك بنافعة أبدا، أخرجوه عنّي.

فلما أخرج قال له القرشيّون والشاميّون: وما الّذي أعطاك طلحة حين استخرج هذا منك؟ قال: أما واللّه لقد أعطاني غيره أكثر من عطيّته، ولكن لا واللّه ما أعطاني أحد قطّ أحلى في قلبي ولا أبقى شكرا ولا أجدر ألّا أنساها ما عرفت الصّلات من عطيّته، قالوا: وما أعطاك؟ قال: قدمت المدينة ومعي بضيّعة لي لا تبلغ عشرة دنانير، أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصّدقة، فإذا برجل في صحن السّوق على طنفسة قد طرحت له، وإذا النّاس حوله، وإذا بين يديه إبل معلوفة له، فظننت أنه عامل السّوق، فسلّمت عليه، فأثبتني وجهلته، فقلت: أي رحمك اللّه، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟ فقال: نعم، أو معك ثمنه؟ فقلت: نعم، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيّعتي، فرفع طنفسته وألقاها تحتها، ومكث طويلا، ثم قمت إليه فقلت: أي رحمك اللّه، انظر في حاجتي فقال: ما منعني منك إلا النّسيان، أمعك حبل؟ قلت: نعم، قال: هكذا أفرجوا، فأفرجوا عنه حتى استقبل الإبل الّتي بين يديه، فقال: اقرن هذه وهذه وهذه، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة أدنى بكرة منها - ولا دنيّة فيها - خير من بضاعتي. ثم رفع طنفسته فقال: وشأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه، فقلت: أي رحمك اللّه، أتدري ما تقول! فما بقي عنده إلا من نهرني وشتمني، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها من رأس الثّنيّة، فو اللّه لا أنساه ما دمت حيّا أبدا.

وهذا الصّوت المذكور تمثّل به إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ يوم مقتله.

حدّثني ابن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني ميسرة بن سيّار أبو محمد، قال: حدّثني إبراهيم بن علي الرّافقيّ، عن المفضّل الضّبّيّ، وحدّثنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني عبد الملك بن سليمان، عن عليّ بن الحسن، عن المفضّل الضّبّيّ؛ ورواية ابن عمّار أتمّ من هذه الرّواية.

ونسخت هذا الخبر أيضا من بعض الكتب عن أبي حاتم السّجستانيّ، عن أبي عثمان اليقطريّ، عن أبيه، عن المفضّل، وهو أتم الرّوايات، وأكثر اللفظ له قال: قال المفضّل: خرجت مع إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن، فلمّا صار بالمربد، وقف على رأس سليمان بن عليّ فأخرج إليه صبيان من ولده، فضمّهم إليه وقال: هؤلاء واللّه منّا ونحن منهم، إلا أنّ آباءهم فعلوا بنا وصنعوا، وذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجّه لوجهه وتمثّل:

مهلا بني عمّنا ظلامتناإنّ بنا سورة من القلق
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «مهلا بني عمنا ظلامتنا»
لمثلكم نحمل السيوف ولاتغمز أحسابنا من الدّقق
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «مهلا بني عمنا ظلامتنا»
إنّي لأنمي إذا انتميت إلىعزّ عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأنّ أعينهمتكحل يوم الهياج بالعلق
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «أغروا بنا وادعوا مقامتنا»

فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟ قال: لضرار بن الخطّاب الفهريّ، قالها يوم الخندق، وتمثّل بها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يوم صفّين، والحسين بن عليّ يوم قتل، وزيد بن عليّ عليهم السّلام، ولحق القوم، ثم مضى إلى باخمرى، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد، فتمثّل:

نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعواأمرا خلالهم لتقتل خالدا
إن يقتلوني لا تصب أرماحهمثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا
أرمي الطريق وإن صددت بضيقهوأنازل البطل الكميّ الجاحدا

فقلت: لمن هذه الأبيات؟ فقال: للأحوص بن جعفر بن كلاب، تمثّل بها يوم شعب جبلة، وهو اليوم الّذي لقيت فيه قيس تميما، قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر، فقتل من أصحابه وقتل من القوم، وكاد أن يكون الظّفر له.

قال ابن عمّار في حديثه: قال المفضّل: فقال لي: حرّكني بشيء، فأنشدته هذه الأبيات:

ألا أيّها النّاهي فزارة بعد ماأجدّت بسير إنما أنت حالم
أبى كلّ حرّ أن يبيت بوترهويمنع منه النوم إذا أنت نائم
أقول لفتيان العشيّ: تروّحواعلى الجرد في أفواههنّ الشّكائم
قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدهاومن يخترم لا تتّبعه اللّوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك منهملتسلم فيما بعد ذلك سالم
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فقال لي: أعد، فتنبّهت، وندمت، فقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا، أعدها، فأعدتها، فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، ثم خمل فكان آخر العهد به.

هذه رواية ابن عمّار، وفي الرواية الأخرى: فحمل فطعن رجلا، وطعنه آخر، فقلت: أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟ فقال: إليك يا أخا بني ضبّة، كأنّ عويفا أخا بني فزارة نظر في يومنا هذا حيث يقول:

ألمّت خناس وإلمامهاأحاديث نفس وأحلامها
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
يمانيّة من بني مالكتطاول في المجد أعمامها
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وإنّ لنا أصل جرثومةتردّ الحوادث أيّامها
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
تردّ الكتيبة مغلولةبها أفنها وبها آمها
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

قال: وجاءه السّهم العائر فشغله عني.

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني محمد بن معاوية الأسديّ، قال: حدّثني أصحابنا الأسديّون، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، قال: حضرت مع عمر بن عبد العزيز جنازة، فلما انصرف انصرفت معه، وعليه عمامة قد سدلها من خلفه، فما علمت به حتى اعترضه رجل على بعير فصاح به:

أجبني أبا حفص لقيت محمداعلى حوضه مستبشرا ورآكا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فقال له عمر: لبّيك، ووقف ووقف النّاس معه، ثم قال له: فمه، فقال:

فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدةشمالك خير من يمين سواكا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

قال: ثم مه، فقال:

بلغت مدى المجرين قبلك إذ جرواولم يبلغ المجرون بعد مداكا
فجدّاك لا جدّين أكرم منهماهناك تناهي المجد ثم هناكا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فقال له عمر: ألا أراك شاعرا! ما لك عندي من حقّ، قال: لا، ولكني سائل وابن سبيل وذو سهمة.

فالتفت عمر إلى قهرمانه فقال: أعطه فضل نفقتي، قال: وإذا هو عويف القوافي الفزاريّ.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: لما كان يوم ابن جرح، وافتتلت بنو مرّة وبنو حنّ بن عذرة، قال عويف القوافي لبني مرّة يهجوهم ويوبّخهم بتركهم نصرهم:

كنّا لكم يا مرّ أمّا حفيّةوكنتم لنا يا مرّ بوّا مجلّدا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وكنتم لنا سيفا وكنّا وعاءهإذا نحن خفنا أن يكلّ فيغمدا
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فأجابه عقيل بن علّفة بقصيدته الّتي أوّلها:

أماويّ إنّ الركب مرتحل غداوحقّ ثويّ نازل أن يزوّدا
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «أماويّ إن الركب مرتحل غدا»

يقول فيها يخاطب عويفا:

إذا قلت: قد سامحت سهما ومازناأبى النّسب الدّاني وكفرهم اليدا
وقد أسلموا أستاههم لقبيلةقضاعيّة يدعون حنّا وأصيدا
فما كنت أمّا بل جعلتك لي أخاوقد كنت في النّاس الطّريد المشرّدا
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «أماويّ إن الركب مرتحل غدا»
عويف استها قد رمت ويلك مجدناقديما فلم تعد الحمار المقيّدا
ولو أنّني يوم ابن جرح لقيتهملجرّدت في الأعداء عضبا مهنّدا
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «أماويّ إن الركب مرتحل غدا»

وأبيات عويف هذه يقولها يوم مرج راهط؛ وهي الحرب الّتي كانت بين قيس وكلب.

أخبرني بالسّبب فيه أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: أخبرني سليمان بن أيّوب بن أعين أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدّثنا المدائنيّ، قال: كان بدء حرب قيس وكلب في فتنة ابن الزّبير ما كان من وقعة مرج راهط، وكان من قصّة المرج أنّ مروان بن الحكم بن أبي العاص قدم بعد هلاك يزيد بن معاوية والنّاس يموجون، وكان سعيد بن بحدل الكلبيّ على قنّسرين، فوثب عليه زفر بن الحارث فأخرجه منها وبايع لابن الزّبير، فلما قعد زفر على المنبر قال: الحمد للّه الّذي أقعدني مقعد الغادر الفاجر، وحصر، فضحك الناس من قوله، وكان النّعمان بن بشير على حمص، فبايع لابن الزّبير. وكان حسّان بن بحدل على فلسطين والأردنّ، فاستعمل على فلسطين روح بن زنباع الجذاميّ، ونزل هو الأردنّ فوثب نابل بن قيس الجذاميّ على روح بن زنباع، فأخرجه من فلسطين وبايع لابن الزّبير.

وكان الضّحّاك بن قيس الفهريّ عاملا ليزيد بن معاوية على دمشق حتى هلك، فجعل يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، إذا جاءته اليمانية وشيعة بني أميّة أخبرهم أنه أمويّ، وإذا جاءته القيسيّة أخبرهم أنه يدعو إلى ابن الزّبير، فلما قدم مروان قال له الضّحّاك: هل لك أن تقدم على ابن الزّبير ببيعة أهل الشام؟ قال: نعم، وخرج من عنده، فلقيه عمرو بن سعيد بن العاص، ومالك بن هبيرة، وحصين بن نمير الكنديّان، وعبيد اللّه بن زياد، فسألوه عمّا أخبره به الضّحّاك، فأخبرهم، فقالوا له: أنت شيخ بني أميّة، وأنت عمّ الخليفة، هلمّ نبايعك. فلما فشا ذلك أرسل الضّحّاك إلى بني أميّة يعتذر إليهم، ويذكر حسن بلائهم عنده، وأنّه لم يرد شيئا يكرهونه، فاجتمع مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد وعبد اللّه ابنا يزيد بن معاوية وقال لهم: اكتبوا إلى حسّان بن بحدل فليسر من الأردنّ حتى ينزل الجابية، ونسير من ها هنا حتى نلقاه، فيستخلف رجلا ترضونه، فكتبوا إلى حسّان، فأقبل في أهل الأردنّ، وسار الضّحّاك بن قيس وبنو أميّة في أهل دمشق، فلما استقلّت الرّايات من جهة دمشق، قالت القيسيّة للضّحّاك: دعوتنا لبيعة ابن الزّبير، وهو رجل هذه الأمّة، فلما تابعناك خرجت تابعا لهذا الأعرابيّ من كلب تبايع لابن أخته تابعا له، قال: فتقولون ماذا؟ قالوا: نقول: أن تنصرف وتظهر بيعة ابن الزّبير ونظهرها معك، فأجابهم إلى ذلك، وسار حتى نزل مرج راهط، وأقبل حسّان حتى لقي مروان بن الحكم، فسار حتى دخل دمشق، فأتته اليمانية تشكر بلاء بني أميّة، فساروا مع مروان حتى نزلوا المرج على الضّحّاك، وهم نحو سبعة آلاف، والضّحّاك في نحو من ثلاثين ألفا، فلقوا الضّحّاك، فقتل الضحّاك، وقتل معه أشراف من قيس، فأقبل زفر هاربا من وجهه ذاك حتى دخل قرقيسيا، وأقام عمير بن الحباب شيئا على طاعة بني مروان، ثم أقبل حتى دخل قرقيسيا على زفر فأقام معه، وذلك بعد يوم خازر حين قتل عبيد اللّه بن زياد.

وأقبل زفر يبكي قتلى المرج ويقول:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهطلمروان صدعا بيننا متنائيا
أتذهب كلب لم تنلها رماحناويترك قتلى راهط هي ماهيا!
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
فقد ينبت المرعى على دمن الثّرىوتبقى حزازات النّفوس كما هيا
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
أبعد ابن صقر وابن عمرو تتابعاومصرع همّام أمنّى الأمانيا!

فقال ابن المخلاة الكلبيّ يجيبه:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهطعلى زفر داء من الدّاء باقيا
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة
تبكّي على قتلى سليم وعامروذبيان مغرورا وتبكى البواكيا
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة

وقال ابن المخلاة في يوم المرج:

ويوم ترى الرّايات فيه كأنّهاحوائم طير مستدير وواقع
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
مضى أربع بعد اللّقاء وأربعوبالمرج باق من دم القوم ناقع
طعنّا زيادا في استه وهو مدبروثور أصابته السّيوف القواطع
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
ونجّى حبيشا ملهب ذو علالةوقد جذّ من يمنى يديه الأصابع
وقد شهد الصّفّين عمرو بن محرزفضاق عليه المرج والمرج واسع
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة

وقال رجل من بني عذرة:

سائل بني مروان أهل العجّرهط النّبيّ وولاة الحجّ
عنّا وعن قيس غداة المرجإذ يثقفون ثقفا بنجّ
تسديس أطراف القنا المعوجّإذ أخلف الضّحّاك ما يرجّي
مذ تركوا من بعد طول هرجلحم ابن قيس للضّباع العرج

وقال جوّاس بن القعطل الكلابيّ في يوم المرج:

هم قتلوا براهط جدّ قيسسليما والقبائل من كلاب
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة
وهم قتلوا بني بدر وعبساوألصق حرّ وجهك بالتّراب
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة
تذكّرت الذّحول فلن تقضّىذحولك أو تساق إلى الحساب
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة
إذا سارت قبائل من جنابوعوف أشحنوا شمّ الهضاب
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة
وقد حاربتنا فوجدت حرباتغصّك حين تشرب بالشّراب
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة

فأقبل عمير يخطر، فخرج من قرقيسيا يتطرّف بوادي كلب، فيغير عليها وعلى من أصاب من قضاعة وأهل اليمن، ويخصّ كلبا ومعشر تغلب، قبل أن تقع الحرب بين قيس وتغلب، فجعل أهل البادية ينتصفون من أهل القرار كلّهم. فلما رأت كلب ما لقي أصحابهم، وأنهم لا يمتنعون من خيل الحاضرة، اجتمعوا إلى حميد بن حريث بن بحدل، فسار بهم حتى نزل تدمر، وبه بنو نمير، وقد كان بين النّميريّين خاصة وبين الكلبيّين الذين بتدمر عقد مع ابن بخدل بن بعّاج الكلبيّ، فأرسلت بنو نمير رسلا إلى حميد يناشدونه الحرمة، فوثب عليهم ابن بعّاج الكلبيّ فذبحهم، وأرسلوا إليهم: إنّا قد قطعنا الّذي بينا وبينكم، فالحقوا بما يسعكم من الأرض، فالتقوا فقتل ابن بعّاج وظفر بالنّميريّين فقتلوا قتلا ذريعا وأسروا، فقال راعي الإبل في قتل ابن بعّاج ولم يذكر غيره من الكلبيّين:

تجىء ابن بعّاج نسور كأنّهامجالس تبغي بيعة عند تاجر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «أحار بن عبد للدموع البوادر»
تطيف بكلبيّ عليه جديّةطويل القرا يقذفنه في الحناجر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «أحار بن عبد للدموع البوادر»
يقول له من كان يعلم علمهكذاك انتقام اللّه من كلّ فاجر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «أحار بن عبد للدموع البوادر»

وقد كان زفر بن الحارث لمّا أغار عمير بن الحباب على الكلبيّين قال يعيّرهم بقوله:

يا كلب قد كلب الزّمان عليكموأصابكم منّي عذاب مرسل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
إنّ السّماوة لا سماوة فالحقيبمنابت الزّيتون وابني بحدل
وبأرض عكّ والسّواحل إنّهاأرض تذوّب باللّقاح وتهزل

فجمع لهم حميد بن الحريث بن بحدل، ثم خرج يريد الغارة على بوادي قيس، فانتهى إلى ماء لبني تغلب، فإذا النّساء والصّبيان يبكون، فقالت لهم النساء - وهن يحسبنهم قيسا -: ويحكم، ما ردّكم إلينا، فقد فعلتم بنا بالأمس ما فعلتم! فقالت لهم كلب: وما لكم؟ قالوا: أغار علينا بالأمس عمير بن الحباب، فقتل رجالنا، واستاق أموالنا، ولم يشككن أنّ الخيل خيل قيس وأنّ عميرا عاد إليهن، فقال بعض كلب لحميد: ما تريد من نسوة قد أغير عليهن وحربن، وصبية يتامى، وتدع عميرا. فاتّبعوه، فبينا هم يسيرون إذ أخذوا رجلا ربيئة للقوم. فسألوه فقال لهم: هذا الجيش ها هنا والأموال، وقد خرج عمير في فوارس يريد الغارة على أهل بيت من بني زهير بن جناب، أخبر عنهم مخبر، فأقام حميد حتى جنّ عليه اللّيل، ثم بيّت القوم بياتا. وقال حميد لأصحابه: شعاركم: نحن عباد اللّه حقّا. فأصابوا عامة ذلك العسكر، ونجا فيمن نجا رجل عريان قذف ثوبه وجلس على فرس عري، فلما انتهى إلى عمير، قال عمير: قد كنت أسمع بالنذير العريان فلم أره، فهو هذا، ويلك ما لك! قال: لا أدري غير أنه لقينا قوم فقتلوا من قتلوا وأخذوا العسكر، فقال: أفتعرفهم؟ قال: لا، فقصد عمير القوم وقال لأصحابه: إن كانت الأعاريب فسيسارعون إلينا إذا رأونا، وإن كانت خيول أهل الشام فستقف. وأقبل عمير، فقال حميد لأصحابه: لا يتحرّكنّ منكم أحد، وانصبوا القنا، فحمل عمير حملة لم تحرّكهم، ثم حمل فلم يتحرّكوا، فنادى مرارا: ويحكم من أنتم؟! فلم يتكلّموا، فنادى عمير أصحابه: ويلكم خيل بني بحدل والأمانة، وانصرف على حاميته، فحمل عليه فوارس من كلب يطلبونه، ولحقه مولى لكلب يقال له شقرون، فاطّعنا، فجرح عمير وهرب حتى دخل قرقيسيا إلى زفر، ورجع حميد إلى من ظفر به من الأسرى والقتلى، فقطع سبالهم وأنفسهم، فجعلها في خيط، ثم ذهب بها إلى الشّام، وقال قائل: بل بعث بها إلى عمير وقال: كيف ترى؟ أوقعي أم وقعك؟ فقال في ذلك سنان بن جابر الجهنيّ:

لقد طار في الآفاق أنّ ابن بحدلحميدا شفى كلبا فقرّت عيونها
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وعرّف قيسا بالهوان ولم تكنلتنزع إلّا عند أمر يهينها
فقلت له: قيس بن عيلان إنّهسريع - إذا ما عضّت الحرب - لينها
سما بالعتاق الجرد من مرج راهطوتدمر ينوي بذلها لا يصونها
فكان لها عرض السّماوة ليلةسواء عليها سهلها وحزونها
فمن يحتمل في شأن كلب ضغينةعلينا إذا ما حان في الحرب حينها
فإنّا وكلبا كاليدين متى تضعشمالك في شيء تعنها يمينها
لقد تركت قتلي حميد بن بحدلكثيرا ضواحيها قليلا دفينها
وقيسيّة قد طلّقتها رماحناتلّفت كالصّيداء أودى جنينها

وقال سنان أيضا في هذا الأمر بعد ما أوقع ببني فزارة:

يا أخت قيس سلي عنّا علانيةكي تخبري من بيان العلم تبيانا
إنّا ذوو حسب مال ومكرمةيوم الفخار وخير النّاس فرسانا
منّا ابن مرّة عمر وقد سمعت بهغيث الأرامل لا يردين ما كانا
والبحدليّ الّذي أردت فوارسهقيسا غداة اللّوى من رمل عدنانا
فغادرت حلبسا منها بمعتركوالجعد منعفرا لم يكس أكفانا
كائن تركنا غداة العاه من جزرللطير منهم ومن ثكلى وثكلانا
ومن غوان تبكّي لا حميم لهابالعاه تدعو بني عمّ وإخوانا

فلما انتهى الخبر إلى عبد الملك بن مروان، وعبد اللّه ومصعب يومئذ حيّان، وعند عبد الملك حسّان بن مالك بن بحدل وعبد اللّه بن مسعدة بن حكم الفزاريّ، وجيء بالطّعام، فقال عبد الملك لابن مسعدة: ادن، فقال ابن مسعدة: لا واللّه، لقد أوقع حميد بسليم وعامر وقعة لا ينفعني بعدها طعام حتى يكون لها غير، فقال له حسّان: أجزعت أن كان بيني وبينكم في الحاضرة على الطّاعة والمعصية، فأصبنا منكم يوم المرج، وأغار أهل قرقيسيا بالحاضرة على البادية بغير ذنب؟ فلما رأى حميد ذلك طلب بثأر قومه، فأصاب بعض ما أصابهم، فجزعت من ذلك، وبلغ حميدا قول ابن مسعدة فقال: واللّه لأشغلنّه بمن هو أقرب إليه من سليم وعامر.

فخرج حميد في نحو من مائتي فارس، ومعه رجلان من كلب دليلان، حتى انتهى إلى بني فزارة أهل العمود لخمس عشرة مضت من شهر رمضان، فقال: بعثني عبد الملك بن مروان مصدّقا: فابعثوا إلى كل من يطيق أن يلقانا، ففعلوا، فقتلهم أو من استطاع منهم، وأخذ أموالهم، فبلغ قتلاهم نحوا من مائة ونيّف، فقال عويف القوافي:

منا اللّه أن ألقى حميد بن بحدلبمنزلة فيها إلى النّصف معلما
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
لكيما نعاطيه ونبلو بينناسريجيّة يعجمن في الهام معجما
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ألا ليت أنّي صادفتني منيّتيولم أر قتلى العام يا أمّ أسلما
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ولم أر قتلى لم تدع لي بعدهايدين فما أرجو من العيش أجذما
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وأقسم ما ليث بخفّان خادربأشجع من جعد جنانا ومقدما
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

يعني الجعد بن عمران بن عيينة وقتل يومئذ.

فلما رجع عبد الملك من الكوفة وقتل مصعب، لحقه أسماء بن خارجة بالنّخيلة، فكلّمه فيما أتى حميد به إلى أهل العمود من فزارة، وقال: حدّثنا أنه مصدّقك وعاملك، فأجبناك وبك عذنا، فعليك وفي ذمتك ما على الحرّ في ذمّته، فأقدنا من قضاعيّ سكّير، فأبى عبد الملك وقال: انظر في ذلك وأستشير وحميد يجحد وليست لهم بيّنة، فوادهم ألف وألف ومائتي ألف، وقال: إني حاسبها في أعطيات قضاعة، فقال في ذلك عمرو بن مخلاة الكلبيّ.

صوت

خذوها يا بني ذبيان عقلاعلى الأجياد واعتقدوا الخداما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
دراهم من بني مروان بيضاينجّمها لكم عاما فعاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وأيقن أنّه يوم طويلعلى قيس يذيقهم السّماما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
ومختبّ أمام القوم يسعىكسرحان التّنوفة حين ساما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
رأى شخصا على بلد بعيدفكبّر حين أبصره وقاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وأقبل يسأل البشرى إلينافقال: رأيت إنسا أو نعاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وقال لخيله سيري حميدفإنّ لكلّ ذي أجل حماما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
فما لاقيت من سجح وبدرومرّة فاتركي حطبا حطاما
بكل مقلّص عبل شواهيدقّ بوقع نابيه اللّجاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وكل طمرّة مرطى سبوحإذا ما شدّ فارسها الحزاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
وقائلة على دهش وحزنوقد بلّت مدامعها اللّثاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة
كأنّ بني فزارة لم يكونواولم يرعوا بأرضهم الثّماما
للشاعر حُميَدْ بن حُريث، اقرأ القصيدة
ولم أر حاضرا منهم بشاءولا من يملك النّعم الرّكاما
للشاعر عمرو بن مخلاة الكلبي، اقرأ القصيدة

قال: فلما أخذوا الدّية انطلقت فزارة فاشترت خيلا وسلاحا، ثم استتبعت سائر قبائل قيس، ثم أغارت على ماء يدعى بنات قين، يجمع بطونا من بطون كلب كثيرة وأكثر من عليه بنو عبد ودّ وبنو عليم بن جناب، وعلى قيس يومئذ سعيد بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وحلحلة بن قيس بن الأشيم بن يسار أحد بني العشراء، فلما أغاروا نادوا بني عليم: إنا لا نطلبكم بشيء، وإنما نطلب بني عبد ودّ بما صنع الدّليلان اللّذان حملا حميدا، وهما المأمور ورجل آخر اسمه أبو أيّوب، فقتل من العبديّين تسعة عشر رجلا، ثم مالوا على العليميّين فقتلوا منهم خمسين رجلا، وساقوا أموالا.

فبلغ الخبر عبد الملك، فأمهل حتى إذا ولي الحجّاج العراق كتب إليه يبعث إليه سعيد بن عيينة وحلحلة بن قيس ومعهما نفر من الحرس، فلما قدم بهما عليه قذفهما في السّجن وقال لكلب: واللّه لئن قتلتم رجلا لأهريقنّ دماءكم، فقدم عليه من بني عبد ودّ عياض ومعاوية ابنا ورد، ونعمان بن سويد، وكان سويد أبوه ابن مالك يومئذ أشرف من قتل يوم بنات قين، وكان شيخ بني عبد ودّ، فقال له النّعمان: دماءنا يا أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: إنما قتل منكم الصّبيّ الصّغير والشيخ الفاني، فقال النّعمان: قتل منا واللّه من لو كان أخا لأبيك لاختير عليك في الخلافة، فغضب عبد الملك غضبا شديدا، فقال له معاوية وعياض: يا أمير المؤمنين، شيخ كبير موتور.

فأعرض عنه عبد الملك وعرض الدّية، وجعل خالد بن يزيد بن معاوية ومن ولدته كلب يقولون: القتل، ومن كانت أمّه قيسيّة من بني أميّة يقولون: لا، بل الدّية كما فعل بالقوم، حتى ارتفع الكلام بينهم بالمقصورة، فأخرجهم عبد الملك ودفع حلحلة إلى بعض بني عبد ودّ، ودفع سعيد بن عيينة إلى بعض بني عليم، وأقبل عليهما عبد الملك فقال: ألم تأتياني تستعدياني فأعديتكما وأعطيتكما الدّية، ثم انطلقتما فأخفرتما ذمّتي وصنعتما ما صنعتما، فكلّمه سعيد بكلام يستعطفه به ويرقّقه، فضرب حلحلة صدره وقال: أترى خضوعك لابن الزّرقاء نافعك عنده، فغضب عبد الملك وقال: اصبر حلحلة، فقال له: أصبر من عود بجنبيه جلّب فقتلا وشقّ ذلك على قيس، وأعظمه أهل البادية منهم والحاضرة، فقال في ذلك عليّ بن الغدير الغنويّ:

لحلحلة القتيل ولابن بدروأهل دمشق أنجبة تبين
فبعد اليوم أيّام طوالوبعد خمود فتنتكم فتون
وكلّ صنيعة رصد ليومتحلّ به لصاحبها الزّبون
خليفة أمّة قسرت عليهتخمّط واستخفّ بمن يدين
فقد أتيا حميد ابن المناياوكلّ فتى ستشعبه المنون

وقال رجل من بني عبد ودّ:

نحن قتلنا سيّديهم بشيخناسويد فما كانا وفاء به دما

وقال حلحلة وهو في السّجن:

لعمري لئن شيخا فزارة أسلمالقد خزيت قيس وما ظفرت كلب
للشاعر حلحلة بن أشيم الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال أرطاة بن سهيّة يحرّض قيسا:

أيقتل شيخنا ويرى حميدرخيّ البال منتشيا خمورا
فإن دمنا بذاك وطال عمربنا وبكم ولم نسمع نكيرا
فناكت أمّها قيس جهاراوعضّت بعدها مضر الأيورا
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وقال عميرة بنت حسّان الكلبيّة تفخر بفعل حميد في قيس:

سمت كلب إلى قيس بجمعيهدّ مناكب الأكم الصّعاب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
بذي لجب يدقّ الأرض حتىتضايق من دعا بهلا وهاب
نفين إلى الجزيرة فلّ قيسإلى بقّ بها وإلى ذباب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
وألفينا هجين بني سليميفدّي المهر من حبّ الإياب
فلو لا عدوة المهر المفدّىلأبت وأنت منخرق الإهاب
ونجّاه حثيث الرّكض مناأصيلانا ولون الوجه كابي
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
وآض كأنه يطلى بورسودقّ هويّ كاسرة عقاب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
حمدت اللّه إذ لقّى سليماعلى دهمان صقر بني جناب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
تركن الرّوق من فتيات قيسأيامى قد يئسن من الخضاب
فهنّ إذا ذكرن حميد كلبنعقن برنّة بعد انتحاب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة
متى تذكر فتى كلب حميداتر القيسيّ يشرق بالشّراب
للشاعر المُنْذِر بن حَسَّان، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، عن عمه، قال: أنشدني رجل من بني فزارة لعويف القوافي - وهو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن بن حذيفة الفزاري - وكانت أخته عند عيينة بن أسماء بن خارجة فطلّقها، فكان عويف مراغما لعيينة وقال: الحرة لا تطلّق بغير ما بأس، فلما حبس الحجّاج عيينة وقيّده قال عويف:

منع الرّقاد - فما يحسّ رقاد -خبر أتاك ونامت العوّاد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
خبر أتاني عن عيينة موجعولمثله تتصدّع الأكباد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
بلغ النفوس بلاؤها فكأنناموتى وفينا الرّوح والأجساد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ساء الأقارب يوم ذاك فأصبحوابهجين قد سرّوا به الحسّاد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
يرجون عثرة جدّنا ولو أنّهملا يدفعون بنا المكاره بادوا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
لمّا أتاني عن عيينة أنّهعان تظاهر فوقه الأقياد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
نخلت له نفسي النّصيحة إنهعند الشّدائد تذهب الأحقاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
وذكرت أيّ فتى يسدّ مكانهبالرّفد حين تقاصر الأرفاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
أم من يهين لنا كرائم مالهولنا إذا عدنا إليه معاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
لو كان من حضن تضاءل ركنهأو من نضاد بكت عليه نضاد
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: قال العتبيّ: سأل عويف القوافي في حمالة، فمرّ به عبد الرّحمن بن محمد بن مروان وهو حديث السّنّ، فقال له: لا تسأل أحدا وصر إليّ أكفك، فأتاه فاحتملها جمعاء له، فقال عويف يمدحه:

غلام رماه اللّه بالخير يافعاله سيمياء لا تشقّ على البصر
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
كأنّ الثّريّا علّقت في جبينهوفي حدّه الشّعرى وفي جيده القمر
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ولمّا رأى المجد استعيرت ثيابهتردّى رداء واسع الذّيل واتّزر
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
إذا قيلت العوراء أغضى كأنّهذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
رآني فآساني ولو صدّ لم ألمعلى حين لا باد يرجّى ولا حضر

قال أبو زيد: هذه الأبيات لابن عنقاء الفزاريّ، يقولها في ابن أخ له، كان قوم من العرب أغاروا على نعم ابن عنقاء، فاستاقوها، حتى لم يبق له منها شيء، فأتى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي، إنه قد نزل بعمّك ما ترى، فهل من حلوبة؟ قال: نعم يا عمّ، يروح المال وأبلغ مرادك، فلما راح ماله قاسمه إيّاه وأعطاه شطره، فقال ابن عنقاء:

رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ماله حالي أسرّ كما جهر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وذكر بعد هذا البيت باقي الأبيات. قال أبو زيد: وإنّما تمثّلها عويف.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، والحسن بن عليّ قالا: حدّثنا الغلابيّ، قالا: حدثنا محمد بن عبيد اللّه، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان، قال: لما مات سليمان بن عبد الملك وولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، وفد إليه عويف القوافي وقال شعرا رثى به سليمان ومدح عمر فيه، فلما دخل إليه أنشده:

لاح سحاب فرأينا برقهثم تدانى فسمعنا صعقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وراحت الرّيح تزجّي بلقهودهمه ثم تزجّي ورقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
ذاك سقى قبرا فروّى ودقهقبر امرىء عظّم ربّي حقّه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
قبر سليمان الّذي من عقّهوجحد الخير الّذي قد بقّه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
في المسلمين جلّه ودقّهفارق في الجحود منه صدقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
قد ابتلى اللّه بخير خلقهألقى إلى خير قريش وسقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
يا عمر الخير الملقّى وفقهسمّيت بالفاروق فافرق فرقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
وارزق عيال المسلمين رزقهواقصد إلى الجود ولا توقّه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
بحرك عذب الماء ما أعقّهريّك فالمحروم من لم يسقه
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

فقال له عمر: لسنا من الشّعر في شيء، ومالك في بيت المال حقّ، فألحّ عويف يسأله فقال: يا مزاحم، انظر فيما بقي من أرزاقنا فشاطره إيّاه، ولنصبر على الضّيق إلى وقت العطاء، فقال له عبد الرّحمن بن سليمان بن عبد الملك: بل توفّر يا أمير المؤمنين وعليّ رضا الرّجل، فقال: ما أولاك بذلك، فأخذ بيده وانصرف به إلى منزله، وأعطاه حتى رضى.

صوت

صفراء يطويها الضّجيع لصلبهاطيّ الحمالة ليّن مثناها
نعم الضّجيع إذا النّجوم تغوّرتبالغور أولاها على أخراها
عذب مقبّلها وثير ردفهاعبل شواها طيّب مجناها
يا دار صهباء الّتي لا أنتهيعن حبّها أبدا ولا أنساها

الشعر لعبد اللّه بن جحش الصعاليك، والغناء فيه لعليّ بن هشام ثقيل أول بالوسطى من كتاب أحمد بن المكيّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»