من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر أبي محجن ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو محجن عبد اللّه بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن قسيّ وهو ثقيف، وقد مضى نسبه في عدّة مواضع.
وأبو محجن من المخضرمين الّذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وهو شاعر فارس شجاع معدود في أولي البأس والنّجدة، وكان من المعاقرين للخمر المحدودين في شربها.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن الحسن الأحول، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل، قال: لمّا كثر شرب أبي محجن الخمر، وأقام عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عليه الحدّ مرارا وهو لا ينتهي، نفاه إلى جزيرة في البحر يقال لها حضوضى، وبعث معه حرسيّا يقال له ابن جهراء، فهرب منه على ساحل البحر، ولحق بسعد بن أبي وقّاص، وقال في ذلك يذكر هربه من ابن جهراء:
الحمد للّه نجّاني وخلّصنيمن ابن جهراء والبوصيّ قد حبسا
من يجشم البحر والبوصيّ مركبهإلى حضوضى فبئس المركب التمسا
أبلغ لديك أبا حفص مغلغلةعبد الإله إذا ما غار أو جلسا
أنّي أكرّ على الأولى إذا فزعوايوما وأحبس تحت الرّاية الفرسا
أغشى الهياج وتغشاني مضاعفةمن الحديد إذا ما بعضهم خنسا
هذه رواية ابن الأعرابيّ عن المفضّل، قال ابن الأعرابيّ: وحدّثني ابن دأب بسبب نفي عمر إيّاه، فذكر أنّ أبا محجن هوي امرأة من الأنصار يقال لها شموس، فحاول النّظر إليها بكلّ حيلة، فلم يقدر عليها، فآجر نفسه من عامل يعمل في حائط إلى جانب منزلها، فأشرف من كوّة في البستان، فرآها فأنشأ يقول:
ولقد نظرت إلى الشّموس ودونهاحرج من الرّحمن غير قليل
قد كنت أحسبني كأغنى واحدورد المدينة عن زراعة فول
رجع إلى حديث فراره من ابن جهراء
فاستعدى زوجها عليه عمر بن الخطّاب، فنفاه إلى حضوضى، وبعث معه رجلا يقال له ابن جهراء قد كان أبو بكر رضي اللّه عنه يستعين به، قال له عمر: لا تدع أبا محجن يخرج معه سيفا، فعمد أبو محجن إلى سيفه فجعل نصله في غرارة وجعل جفنة في غرارة أخرى، فيهما دقيق له.
فلما انتهى به إلى السّاحل وقرب البوصيّ اشترى أبو محجن شاة وقال لابن جهراء: هلمّ نتغدّ ووثب إلى الغرارة كأنّه يخرج منها فأخذ السيف، فلما رآه ابن جهراء والسيف في يده خرج يعدو حتى ركب بعيره راجعا إلى عمر، فأخبره الخبر.
وأقبل أبو محجن إلى سعد بن أبي وقّاص وهو يقاتل العجم يوم القادسيّة، وبلغ عمر خبره، فكتب إلى سعد بحبسه، فحبسه، فلما كان يوم أرماث؛ والتحم القتال سأل أبو محجن امرأة سعد أن تعطيه فرس سعد وتحلّ قيده ليقاتل المشركين، فإن استشهد فلا تبعة عليه، وإن سلم عاد حتى يضع رجله في القيد، فأعطته الفرس، وخلّت سبيله، وعاهدها على الوفاء، فقاتل فأبلى بلاء حسنا إلى الليل، ثم عاد إلى حبسه.
حدّثني بهذا الحديث عمّي عن الخرّاز، عن المدائنيّ، عن إبراهيم بن حكيم، عن عاصم بن عروة: أنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه غرّب رجلا من ثقيف وهو أبو محجن، وكان يدمن الخمر وأمر ابن جهراء النّصريّ ورجلا آخر أن يحملاه في البحر، وذكر الخبر مثل الّذي قبله، وزاد فيه: وقال أبو محجن أيضا:
صوت
صاحبا سوء صحبتهماصاحباني يوم أرتحل
ويقولان: ارتحل معنافأنادي: إنّني ثمل
إنّني باكرت مترعةمزّة راووقها خضل
الغناء في البيتين الأخيرين لنشو خفيف رمل وأوله:
ويقولان اصطبح معنا
قال الأصبهانيّ: وهذه القصة كانت لأبي محجن في يوم من أيّام حرب القادسية يقال له: يوم أرماث، وكانت أيّامها المشهورة يوم أغواث ويوم أرماث ويوم الكتائب وخبرها يطول جدّا؛ وليس في كلّها كان لأبي محجن خبر، وإنما ذكرنا هاهنا خبره، فذكرنا منها ما كان اتّصاله بخبر أبي محجن.
حدّثنا بذلك محمد بن جرير الطّبريّ، قال: كتب إليّ السّريّ بن يحيى؛ يذكر عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن طلحة وزياد وابن مخراق، عن رجل من طيىء قال: لمّا كان يوم الكتائب اقتتل المسلمون والفرس منذ أصبحوا إلى أن انتصف النّهار، فلما غابت الشّمس تزاحف الناس فاقتتلوا حتى انتصف اللّيل؛ وهذه اللّيلة الّتي كان في صبيحتها يوم أرماث، وقد كان المسلمون يوم أغواث أشرفوا على الظّفر وقتلوا عامّة أعلام الفرس، وجالت خيلهم في القلب، فلو لا أنّ رجلهم ثبتوا حتى كرّت الخيل لكان رئيسهم قد أخذ؛ لأنه كان ينزل عن فرسه؛ ويجلس على سريره، ويأمر النّاس بالقتال؛ قالوا: فلمّا انتصف اللّيل تحاجز الناس، وبات المسلمون ينتمون منذ لدن أمسوا.
وسمع ذلك سعد فاستلقى لينام، وقال لبعض من عنده: إن تمّ الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء على عدوّهم؛ وإن سكتوا وسكت العدو فلا تنبّهني فإنهم على السواء؛ وإن سمعت العدوّ ينتمون وهؤلاء سكوت فأنبهني فإن انتماء العدوّ من السّوء.
قالوا: ولما اشتدّ القتال في تلك الليلة، وكان أبو محجن قد حبسه سعد بكتاب عمر، وقيّده فهو في القصر، صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره وردّه، فنزل فأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال: يا بنت آل أبي حفصة، هل لك إليّ خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلّين عنّي وتعيرينني البلقاء، فللّه عليّ إن سلّمني اللّه أن أرجع إلى حضرتك حتى تضعي رجليّ في قيدي. فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول:
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقناوأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وغلّقتمصاريع من دوني تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوةفقد تركوني واحدا لا أخاليا
وقد شفّ جسمي أنّني كلّ شارقأعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فللّه درّي يوم أترك موثقاوتذهل عنّي أسرتي ورجاليا
حبيسا عن الحرب العوان وقد بدتوإعمال غيري يوم ذاك العواليا
وللّه عهد لا أخيس بعهدهلئن فرجت ألّا أزور الحوانيا
فقالت له سلمى: إني قد استخرت اللّه ورضيت بعهدك، فأطلقته وقالت: أمّا الفرس فلا أعيرها، ورجعت إلى بيتها، فاقتادها أبو محجن وأخرجها من باب القصر الّذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة، وأضاء النّهار، وتصافّ النّاس، كبّر، ثم حمل على ميسرة القوم فلعب برمحه وسلاحه بين الصّفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس، فحمل على القوم فلعب بين الصّفّين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا؛ فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هشام بن عتبة أو هشام بنفسه. وقال قوم: إن كان الخضر يشهد الحروب فهو صاحب البلقاء. وقال آخرون: لو لا أنّ الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملاك بيننا؛ وجعل سعد يقول - وهو مشرف ينظر إليه -: الطّعن طعن أبي محجن، والضّبر ضبر البلقاء. ولو لا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل، فتحاجز أهل العسكرين وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر، ووضع عن نفسه ودابّته، وأعاد رجليه في القيد، وأنشأ يقول:
لقد علمت ثقيف غير فخربأنّا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغاتوأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنّا رفدهم في كلّ يومفإن جحدوا فسل بهم عريفا
وليلة قادس لم يشعروا بيولم أكره بمخرجي الزّحوفا
فإن أحبس فقد عرفوا بلائيوإن أطلق أجرّعهم حتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن؛ في أيّ شيء حبسك هذا الرّجل؟ فقال: أما واللّه ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشّعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإننيأخاف إذا ما متّ ألّا أذوقها
ليروى بخمر الحصّ لحمي فإنّنيأسير لها من بعد ما قد أسوقها
قال: وكانت سلمى قد رأت في المسلمين جولة، وسعد بن أبي وقّاص في القصر لعلّة كانت به، لم يقدر معها على حضور الحرب، وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشّيبانيّ! فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدّة البأس صاحت: وامثنّياه ولا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك، أجبنا وغيرة؟ وكانت مغاضبة لسعد عشيّة أرماث وليلة الهدأة وليلة السّواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته، وأخبرته خبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فلست مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، واللّه إني لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبدا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، وحبيب بن نصر المهلبيّ، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا محمد بن حاتم، قال: حدّثنا محمد بن حازم، قال: حدّثنا عمرو بن المهاجر، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن دينار مولى بني هاشم، عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل، وروايته أتمّ، قالوا: كان أبو محجن الثّقفيّ فيمن خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الأعاجم فكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلا للّه عزّ وجلّ؛ فأمّا لقولك فلا. قالوا: فأتي به يوم القادسيّة وقد شرب الخمر؛ فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى النّاس؛ فاستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقناوأترك مشدودا عليّ وثاقيا
وذكر الأبيات وسائر خبره مثل ما ذكره محمد بن جرير، وزاد فيه: فجاءت زبراء امرأة سعد - هكذا قال: والصّحيح أنها سلمى - فأخبرت سعدا بخبره؛ فقال سعد: أما واللّه لا أضرب اليوم رجلا أبلى اللّه المسلمين على يده ما أبلاهم، فخلّى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ كان الحدّ يقام عليّ وأطّهّر منها، فأما إذ بهرجتني فلا واللّه لا أشربها أبدا. وقال ابن الأعرابيّ في خبره: وقال أبو محجن في ذلك:
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعتوحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأمزجهاريّا وأطرب أحيانا وأمتزج
وقد تقوم على رأسي منعمّةخود إذا رفعت في صوتها غنج
ترفّع الصّوت أحيانا وتخفضهكما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة وقال: لمّا انصرف أبو محجن ليعود إلى محبسه رأته امرأة فظنّته منهزما؛ فأنشأت تعيّره بفراره:
من فارس كره الطّعان يعيرنيرمحا إذا نزلوا بمن الصّفّر
فقال لها أبو محجن:
إن الكرام على الجياد مبيتهمفدعي الرّماح لأهلها وتعطّري
وذكر السّريّ، عن شعيب، عن سيف في خبره، ووافقته رواية ابن الأعرابي عن المفضّل: أنّ النّاس لمّا التقوا مع العجم يوم قس النّاطف، كان مع الأعجام فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل؛ فقال أبو عبيد بن مسعود: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم؛ خرطومه إلا أنّه لا يفلت منه من ضربه؛ قال: فأنا أهب نفسي للّه، وكمن له حتى إذا أقبل وثب إليه فضرب خرطومه بالسّيف؛ فرمى به، ثم شدّ عليه الفيل فقتله، ثم استدار فطحن الأعاجم وانهزموا، فقال أبو محجن الثّقفيّ يرثي أبا عبيد:
أنّى تسدّت نحونا أمّ يوسفومن دون مسراها فياف مجاهل
إلى فتية بالطّفّ نيلت سراتهموغودر أفراس لهم ورواحل
وأضحى أبو جبر خلاء بيوتهوقد كان يغشاها الضّعاف الأرامل
وأضحى بنو عمرو لدى الجسر منهمإلى جانب الأبيات جود ونائل
وما لمت نفسي فيهم غير أنّهالها أجل لم يأتها وهو عاجل
وما رمت حتى خرّقوا بسلاحهمإهابي وجادت بالدّماء الأباجل
وحتى رأيت مهرتي مزوئرةمن النّبل يدمى نحرها والشّواكل
وما رحت حتى كنت آخر رائحوصرّع حولي الصّالحون الأماثل
مررت على الأنصار وسط رحالهمفقلت: ألا هل منكم اليوم قافل؟
وقرّبت روّاحا وكورا ونمرقاوغودر في ألّيس بكر ووائل
ألا لعن اللّه الذين يسرّهمرداي وما يدرون ما اللّه فاعل
قال الأخفش في روايته، عن الأحول، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل: قال أبو محجن في تركه الخمر:
رأيت الخمر صالحة وفيهامناقب تهلك الرّجل الحليما
فلا واللّه أشربها حياتيولا أسقي بها أبدا نديما
أخبرني عمّي قال: حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثنا العمريّ، عن لقيط، عن الهيثم بن عديّ.
وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قالوا: دخل ابن أبي محجن على معاوية، فقال له: أليس أبوك الّذي يقول:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فإنّنيأخاف إذا ما متّ ألّا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت لذكرت ما هو أحسن من هذا من شعره؛ قال: وما ذاك؟ قال: قوله:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرتهوسائلي الناس ما فعلي وما خلقي
أعطي السّنان غداة الرّوع حصّتهوعامل الرّمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النّجلاء عن عرضوأحفظ السرّ فيه ضربة العنق
عفّ المطالب عمّا لست نائله- وإن ظلرمت - شديد الحقد والحنق
وقد أجود وما لي بذي فنعوقد أكرّ وراء المحجر البرق
والقوم أعلم أني من سراتهمإذا سما بصر الرّعديدة الشّفق
قد يعسر المرء حينا وهو ذو كرموقد يثوب سوام العاجز الحمق
سيكثر المال يوما بعد قلّتهويكتسي العود بعد اليبس بالورق
فقال معاوية: لئن كنا أسأنا لك القول لنحسننّ لك الصّفد، ثم أجزل جائزته وقال: إذا ولدت النّساء فلتلد مثلك!.
أخبرني الحسن بن عليّ وعيسى بن الحسين الورّاق، قالا: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني صالح بن عبد الرّحمن الهاشميّ، عن العمريّ، عن العتبيّ، قال: أتي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بجماعة فيهم أبو محجن الثقفيّ وقد شربوا الخمر، فقال: أشربتم الخمر بعد أن حرّمها اللّه ورسوله، فقالوا: ما حرّمها اللّه ولا رسوله؛ إن اللّه تعالى يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
؛ فقال عمر لأصحابه: ما ترون فيهم؟ فاختلفوا فيهم فبعث إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فشاوره؛ فقال عليّ: إن كانت هذه الآية كما يقولون فينبغي أن يستحلّوا الميتة والدّم ولحم الخنزير؛ فسكتوا، فقال عمر لعليّ: ما ترى فيهم؟ قال: أرى إن كانوا شربوها مستحلّين لها أن يقتلوا، وإن كانوا شربوها وهم يؤمنون أنها حرام أن يحدّوا، فسألهم؛ فقالوا: واللّه ما شككنا في أنها حرام، ولكنا قدّرنا أن لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يحدّهم رجلا رجلا، وهم يخرجون حتى انتهى إلى أبي محجن، فلما جلده أنشأ يقول:
ألم تر أنّ الدهر يعثر بالفتىولا يستطيع المرء صرف المقادر
صبرت فلم أجزع ولم أك كائعالحادث دهر في الحكومة جائر
وإني لذو صبر وقد مات إخوتيولست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفهافخلّانها يبكون حول المعاصر
فلما سمع عمر قوله:
ولست عن الصّهباء يوما بصابر
قال: قد أبديت ما في نفسك ولأزيدنّك عقوبة لإصرارك على شرب الخمر؛ فقال له عليّ عليه السّلام: ما ذلك لك، وما يجوز أن تعاقب رجلا قال: لأفعلنّ وهو لم يفعل، وقد قال اللّه في سورة الشعراء: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ، فقال عمر: قد استثنى اللّه منهم قوما فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
. فقال عليّ عليه السّلام: أفهؤلاء عندك منهم وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يشرب العبد الخمر حين يشربها وهو مؤمن».
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال: أخبرني من مرّ بقبر أبي محجن الثقفيّ في نواحي أذربيجان - أو قال في نواحي جرجان - فرأيت قبره وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم قد طالت وأثمرت وهي معروشة، وعلى قبره مكتوب: هذا قبر أبي محجن الثقفيّ، فوقفت طويلا أتعجّب مما اتّفق له حتى صار كأمنيّة بلغها حيث يقول:
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
صوت
ألا يا لقومي لا أرى النّجم طالعاولا الشّمس إلّا حاجبي بيميني
معزّيتي خلف القفا بعمودهافجلّ نكيري أن أقول ذريني
أمين على أسرارهنّ وقد أرىأكون على الأسرار غير أمين
فللموت خير من حداج موطّأمع الظّعن لا يأتي المحلّ لحين
عروضه من الطّويل؛ والمعزّية: امرأة تكون مع الشّيخ الخرف تكلؤه. وقوله:
أمين على أسرارهنّ
أي أنّ النّساء صرن يتحدّثن بين يديّ بأسرارهنّ، ويفعلن ما كنّ قبل ذلك يرهبنني فيه؛ لأني لا أضرّهن.
والحداج والحدج: مركب من مراكب النّساء.
الشّعر لزهير بن جناب الكلبيّ، والغناء لأهل مكة، ولحنه من خفيف الثّقيل الأول بالوسطى عن الهشاميّ وحبش، وفيه لحنين ثاني ثقيل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع